Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سد النهضة بعد الإنجاز... هل تتجاهل إثيوبيا مطالب دولتي المصب؟

تشديد على أهمية تبني اتفاقية تشغيل مرن والتوصل إلى بروتوكول تعاون تقني وتحويل القضية من "أزمة" إلى "فرصة"

إثيوبيا تسجل زيادة كبيرة في توليد الكهرباء بعد التوسع المستمر للطاقة (أ ف ب)

ملخص

اقترحت مصر على إثيوبيا إنشاء سد على النيل الأزرق قبل 80 عاماً كمشروع مشترك في الموقع ذاته الذي تقيم عليه إثيوبيا الآن سد النهضة.

أعلنت شركة الكهرباء الإثيوبية أن أديس أبابا سجلت زيادة كبيرة في قدرة توليد الكهرباء بعد التوسع المستمر لقطاع الطاقة خلال الأعوام السبعة الماضية. فبعد مسار الطموح والحقوق الذي اتبعته إثيوبيا وإنجاز سد النهضة، كثرت التساؤلات حول إمكان أن تتجاهل أديس أبابا مطالب دولتي المصب؟ وإلى أي مدى يستمر الجمود؟ وما الاحتمالات المتوقعة لحل قضية سد النهضة؟

ظل النيل الأزرق (الذي يطلق عليه الإثيوبيون اسم أباي) رمزاً موزعاً ما بين ذاكرة تستحضره كهدف قومي، وجغرافيا تضاريسية تخفي معالمه في غور الأرض، ومثل إنشاء سد مائي على مجراه تحد لإثيوبيا في التوفيق ما بين قسوة الطبيعة والحق المائي، وهي ظلت على مسافة فاصلة من دولتي المصب (مصر والسودان)، من دون التوافق حول اتفاقات مياه النيل التاريخية عامي (1959-1929) الموزعة بين الدولتين طوال عهود سابقة. وكانت اتفاقية أديس أبابا بين بريطانيا وإثيوبيا في الـ15 من مايو (أيار) 1902، تنص مادتها الثالثة على "عدم إقدام الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني بأي بناء أو أي أعمال على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو السوباط". وتقول السرديات إن مجلس العرش الإثيوبي لم يصدق عليها، ولكن أديس أبابا التزمت على مدى أكثر من قرن خلال عهدي الإمبراطور هيلاسلاسي والرئيس مانغستو هيلاماريام، إلى أن وضع حجر الأساس لسد النهضة خلال عهد رئيس الوزراء ملس زيناوي في الثاني من أبريل (نيسان) 2011.

بين حقائق ووثائق

وتقول الوثائق إن تحديد موقع سد النهضة الكبير (Grand Ethiopian Renaissance Dam) جرى خلال الفترة بين 1956 – 1964 بواسطة مكتب الولايات المتحدة للاستصلاح (States Bureau of Reclamation) (إحدى إدارات الخارجية الأميركية) خلال عملية مسح للنيل من دون الرجوع إلى مصر، بحسب ما تمليه اتفاقية عام 1902.

وعلى مستوى آخر، تكشف وثائق بريطانية تاريخية في قضية المياه بين إثيوبيا ودولتي المصب، أن مصر اقترحت على إثيوبيا إنشاء سد على النيل الأزرق قبل 80 عاماً كمشروع مشترك في الموقع ذاته الذي تقيم عليه إثيوبيا الآن سد النهضة. ففي عام 1946، اقترحت وزارة الأشغال العامة المصرية ثلاثة مشروعات مشتركة في إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان (دولة جنوب السودان حالياً)، وفق الوثائق.

يقول الكاتب عامر سلطان استناداً إلى الوثائق "كان موقع السد المقترح على بعد 100 كيلومتر في الأقل من موقع سد النهضة (الحالي)". ويضيف "في اقتراحهم، الذي كان ضمن تقرير بعنوان ‘صيانة النيل مستقبلاً‘، قال ثلاثة خبراء بريطانيون يعملون لدى الوزارة المصرية، وهم هيرست وبلاك وسيميكا، إن الهدف من السد المقترح هو "تحويل البحيرة إلى خزان يحفظ المياه التي تتدفق إلى النيل الأزرق متحولة إلى فيضانات تجمع الطمي في طريقها"، ووصف الخبراء مشروعهم بأنه "محاولة لاستخدام الحد الأقصى لإمدادات المياه في التنمية النهائية لمصر والسودان، وللمشروعات المقامة على النيل اللازمة لتحقيق هذا الهدف".

حينها، أبدت بريطانيا، التي توقعت قبل عام 1990 الأزمة الحالية في شأن سد النهضة، تأييدها القوي للمشروع. وفي برقية إلى السفارة لدى القاهرة، قالت الخارجية البريطانية إن الهدف الرئيس هو "تخزين المياه في بحيرة تانا للاستفادة منها في موسم الجفاف في حوض وادي النيل".

وتضيف البرقية، التي أرسلت نسخة منها إلى السفارتين البريطانيتين لدى أديس أبابا والخرطوم، أن للمشروع فوائد أخرى منها "تمكين إثيوبيا من توليد احتياطات هائلة من الكهرباء". غير أن أديس أبابا لم توافق على المشروع، الذي سمي مشروع بحيرة تانا، في حينه. ولم تشر الوثائق البريطانية إلى أسباب الرفض. وبعد 10 أعوام تقريباً كشفت وثيقة مصنفة "سرية للغاية" أن الإثيوبيين كانوا أكثر اهتماماً بمشروع من شأنه توليد الكهرباء لهم أكثر من اهتمامهم بمشروعات مثل إنشاء سد على مخرج بحيرة تانا سيفيد المصريين والسودانيين. وفي الوثيقة التي جاءت ضمن تقرير موجه إلى مكتب رئيس الوزراء، قالت الخارجية البريطانية "لو أردنا الدفع باتجاه مشروع من النوع الأخير (لإفادة المصريين والسودانيين) فإنه يتعين علينا أن نرفق اقتراحنا بعرض المساعدة في إنشاء الأول (توليد الكهرباء للإثيوبيين)".

قيود وتحول

الكاتب الإثيوبي إنكايهوش طلاهون يقول "إثيوبيا كسرت القيود التي كانت مفروضة عليها بعدم استخدام مواردها الطبيعية والمائية من خلال الاستفادة من مياه نهر النيل، واستطاعت اليوم (بعد سد النهضة) البدء في تحقيق حلم 65 مليون إثيوبي لا تصلهم الكهرباء". وحول ما أحدثه سد النهضة من تحول - والتطور الجاري في مجال الطاقة، يشير مدير الاتصال في شركة الكهرباء الإثيوبية موغس ميكونين، إلى أن نسبة الوصول إلى الكهرباء ارتفعت من 44 في المئة إلى نحو 54 في المئة خلال الفترة نفسها، نتيجة الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية وإصلاحات قطاع الطاقة. وأضاف أن القدرة المركبة لتوليد الكهرباء ارتفعت من 4,462 ميغاواط إلى 9,752 ميغاواط، بما يعكس توسعاً ملحوظاً في منظومة الإنتاج خلال الأعوام الأخيرة". وأوضح أن شبكة نقل الكهرباء في البلاد تمتد لأكثر من 21 ألف كيلومتر من خطوط الجهد العالي، بقدرات تراوح ما بين 132 و500 كيلوفولت، مما أسهم في توسيع نطاق تغطية الخدمة الكهربائية. وأشار إلى أن مشاريع رئيسة، من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير ومشروعا طاقة الرياح "آييشا 2" و"أسلا"، أدت دوراً في تعزيز القدرة الإنتاجية. وذكر أن الطلب على الكهرباء يسجل نمواً سنوياً يتجاوز 20 في المئة، مدفوعاً بالتوسع الصناعي والنمو الحضري وزيادة النشاط الاقتصادي.

توقف ودعوات

هذا التقدم في معطيات الطاقة سجل بعد الافتتاح الرسمي لسد النهضة الكبير في التاسع من سبتمبر (أيلول) 2025، في ظروف لا تزال فيها مفاوضات سد النهضة متوقفة بين طرفي المصب (مصر والسودان) وإثيوبيا منذ آخر لقاء عقد في ديسمبر (كانون الأول) 2023 في أديس أبابا، بعده أعلنت وزارة الري والموارد المائية المصرية انتهاء الاجتماع الرابع والأخير "من دون التوصل إلى اتفاق"، والذي كان ضمن المسار الرباعي للتفاوض الذي اتفق عليه الرئيسان المصري والإثيوبي في القاهرة بيوليو (تموز) 2023 على هامش قمة دول جوار السودان.

واتهمت مصر إثيوبيا بالمماطلة والتعنت بعد رفض الأخيرة الالتزام باتفاق قانوني وتقديم تنازلات فنية وقانونية تحفظ حقوق دولتي المصب، في حين ترى إثيوبيا أن سد النهضة مشروع تنموي وسيادي لتوليد الكهرباء.

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في رسالة موجهة لمصر والسودان، خلال جلسة البرلمان الإثيوبي "إن سد النهضة يمثل نعمة حقيقية لشعوب المنطقة بأسرها"، مشيراً إلى أن التعاون بين دول حوض النيل (إثيوبيا والسودان ومصر) هو الطريق الأمثل نحو الازدهار الأفريقي المشترك، وإن من حق بلاده الطبيعي والقانوني استخدام مياه النيل. وأضاف أن موارد النهر كافية للاستخدام المشترك والعادل، متابعاً، "يبقى موقف إثيوبيا واضحاً، المصريون والسودانيون أشقاؤنا وتجمعنا روابط الدم والتاريخ، ولن تخطط إثيوبيا أو تتصرف بما يضر أي طرف، والأنسب هو النمو معاً من خلال الحوار والتعاون".

وعن الاهتمام الدولي بالمياه العابرة للحدود، يقول محمد رشيد شطناوي الأستاذ في الجامعة الأردنية "لقد اهتم المجتمع الدولي بقضية المياه وما تخلقه من صراعات. ونتيجة ذلك، بدأ بتأطير هذا الاهتمام وإسناده بالمعاهدات والمواثيق". ولإبعاد قضايا المياه عن الدائرة المحتملة للصراع، فقد أولت الأمم المتحدة ذلك الموضوع عناية خاصة حين أطلقت عديداً من الأنشطة والقرارات منها:

المؤتمر الدولي للمياه والبيئة في دبلن في يناير (كانون الثاني) من عام 1992، وقد انبثق عنه بيان دبلن الذي أقر عدداً من المبادئ التي تعنى في مجملها بإدارة الموارد المائية المشتركة وتحفيز التعاون المائي الدولي بين الدول المتشاطئة في الأحواض المائية الدولية.

تبنت الأم المتحدة عام 1997 معاهدة دولية متكاملة لاستخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية، وهي أول معاهدة تعرف الأنهار الدولية كمصدر للاستخدامات المهمة للمياه العذبة مثل الشرب والري. ومنذ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ، جرى التخلي عن تعبير "النهر الدولي" وحل محله تعبير "المجرى المائي الدولي".

حالياً، وفي ظل واقع سد النهضة، تخطط إثيوبيا للوصول إلى تغطية كهربائية شاملة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، من خلال توسيع الشبكة الوطنية إلى جانب حلول خارج الشبكة مثل الطاقة الشمسية والغاز الحيوي، مع استهداف تغطية تراوح ما بين 75 و78 في المئة عبر الشبكة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالتبادل الكهربائي الإقليمي، تواصل إثيوبيا تصدير الكهرباء إلى السودان وجيبوتي وكينيا وتنزانيا، مع ترتيبات تعاون قيد التطوير مع جنوب السودان، إضافة إلى اهتمام من الصومال وأرض الصومال.

وأفادت الشركة بأن عائدات صادرات الكهرباء تستخدم في تمويل مشاريع البنية التحتية المحلية، بما في ذلك مشروعات طاقة الرياح، ضمن جهود تعزيز الاستدامة المالية.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إنتاج الكهرباء نحو 24,970 جيغاواط/ ساعة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية الحالية، فيما بلغت الإيرادات 90.16 مليار بر من المبيعات المحلية والتصدير، وسجلت عائدات النقد الأجنبي من الصادرات 366 مليون دولار، بزيادة قدرها 138 مليون دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

السبيل الوحيد للتوازن

الأستاذة الجامعية المتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي تقول "إن واقع سد النهضة يدون مرحلة تاريخية جديدة في معادلة مياه نهر النيل بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وهو بداية لفصل جديد من النزاع حول الموارد المائية، ويعكس نهجاً إثيوبياً قائماً على فكر يسعى إلى محاولات لفرض الهيمنة المائية بدلاً من تبني مبدأ الشراكة والتعاون. والواقع، أن الإخفاق المستمر للمفاوضات لا يرجع إلى غياب الحلول الفنية أو للخبرة القانونية أنما للتعنت وغياب الإرادة السياسية الإثيوبية، بخاصة أن الأجندة الإثيوبية أصبحت واضحة بأن الأمر لا يرتبط بتوليد الطاقة - إذ تعتبر كفاءة السد متدنية سواء بالمعايير الإثيوبية أو بالمقارنة بالمعايير الدولية الخاصة بالسدود، حيث المتوقع إنتاجه نحو 15 ألف ميغاواط سنوياً وهذه الكفاءة تعادل 28,5 في المئة فقط من السعة الكلية في حال إنتاج 6000 ميغاواط، و33 في المئة في حال إنتاج 5250 ميغاواط - وأن إثيوبيا تسعى إلى إقحام تقاسم المياه كمسألة أساسية في مفاوضات سد النهضة".

تكمل "في تقديري، الاتفاق الذي تنشده دولتا المصب، هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب. مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا في إدارة سد النهضة، وستتخذ كافة التدابير لحماية مصالحها وأمنها المائيين. وتعلن مصر وبكل وضوح وحزم، رفضها القاطع لأي إجراءات أحادية تتخذ على نهر النيل، تتجاهل الأعراف والاتفاقات الدولية، وتهدد مصالح شعوب الحوض، وتقوض أسس العدالة والاستقرار، إذ إن مصر انتهجت على مدار 14 عاماً من التفاوض المضني مع الجانب الإثيوبي مساراً دبلوماسياً نزيهاً، اتسم بالحكمة والرصانة. وسعت فيه بكل جدية إلى التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم في شأن السد الإثيوبي، يراعي مصالح الجميع، ويحقق التوازن بين الحقوق والواجبات. وقُدِّمت خلال هذه الأعوام عديد من البدائل الفنية، التي تلبي الأهداف المعلنة لإثيوبيا، وتحفظ مصالح دولتي المصب، إلا أن هذه الجهود قوبلت بتعنت لا يفسر إلا بغياب الإرادة السياسية، وسعي لفرض الأمر الواقع، مدفوعة باعتبارات سياسية ضيقة".

قضايا حساسة

الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان يرى أن منطقة القرن الأفريقي، لا سيما السودان وإثيوبيا وإريتريا، ويضاف إليها مصر على النطاق الإقليمي الواسع، "تمر بتحديات عدة قد تختلف من مكان لآخر، لكنها تحديات تتصاعد وتيرتها في ملفات حساسة أمنية في مقدمها سد النهضة، أو المتعلقة بالمنفذ البحري الذي تطالب به إثيوبيا، أو بالحدود أو بتحرك القوات ذات الطابع العسكري، بغض النظر عن تسميتها ميليشيات أو قوات مساندة أو داعمة لطرف ضد آخر، ولكنها تضفي مزيداً من التوتر بين جميع الأطراف".

يوضح ريحان "الملفات المشتركة وفي مقدمها ملف حوض النيل الشرقي وسد النهضة تمثل قضايا حساسة لارتباطها بالأمن المائي وما يوصف بالحقوق التاريخية والجغرافية. لا نستطيع أن نقول إن الخلاف بين الأطراف الثلاثة مرتبط فقط بملف سد النهضة، بل نجد أن اختلافات أخرى أضيفت في أوقات متفرقة ومتباعدة للخلاف الذي تسيد الجو العام بين الأطراف الثلاثة منذ بداية أعمال تشييد السد عام 2011". ويشير "هناك جملة أوراق ضغط يمسك بها كل طرف ويوظفها ضد الطرف الآخر في الوقت المناسب، وهذه تظهر في أوقات الخلاف الحادة منها ما شهدته الأيام القليلة السابقة، وما زال صداه مستمراً حتى الآن بين السودان وإثيوبيا، والذي كان سببه تعرض مناطق حيوية عدة بالسودان لهجمات بالطيران المسير كمطار الخرطوم على سبيل المثال، الذي تتهم فيه حكومة الخرطوم أديس بانطلاقها من بحر دار، مما أطلق جملة اتهامات متبادلة بين الطرفين".

بالتالي، فإن توظيف هذه الأوراق والتي من ضمنها الملف الإثيوبي المتعلق بسد النهضة وقدرته على التأثير في دولتي المصب، سواء بالملء (التخزين) أو بالإطلاق للتدفقات المائية من دون تبادل المعلومات وما قد يسببه من فيضانات في السودان، يظل وارداً". ويتابع "أما بالنسبة إلى الحل، فلا أعتقد أن هناك أجواءً صحية يمكن أن تستأنف فيها الأطراف الثلاثة جولات التفاوض، التي يمكن أن تفضي إلى حل مقبول. فلا يزال التصدع كبيراً، وربما ازداد في الآونة الأخيرة، سواء مع السودان أو مع مصر التي أبرمت قبل أعوام عدة اتفاقات تجارية وعسكرية مع الجارة الإريترية المعادية لإثيوبيا، مما يؤجج التوتر بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا للدرجة التي أصبح نشوب حرب بينهما من جديد وارداً بدرجة كبيرة، ولكن إن كان ما تحدثنا عنه آنفاً من توترات وخلافات جوهرية بين الأطراف الثلاثة أو ما نسميه عادة بدولة المنبع ودولتي المصب، فان ذلك لا يعني أن الدول الثلاث لا تعاني داخلياً من تحديات وإن اختلف شكلها من دولة إلى أخرى. وإن كان السودان ما زال يعاني، فإن إثيوبيا تعاني كذلك وضعاً مكتوماً قابلاً للانفجار في أي وقت، بخاصة بعد التطورات في إقليم تيغراي بعد إعادة تعين جبرامكائيل ديبرصون مديراً للإقليم، مما يعزز فرص إعادة الخلاف من جديد مع حكومة آبي أحمد، ولربما يهدد هذا كل المنجزات سواء في قطاع الكهرباء وانعكاسه على البنية التحتية والاستثمار والتصنيع، أو غيره من باب أن السلام والاستقرار هما الركيزتان الأساسيتان لإحداث التنمية وتحسين الوضع المعيشي لشعوب المنطقة، ومن دون ذلك سيعاني الجميع داخلياً وفي عموم الإقليم من دون استثناء".

التوافق والاستقرار

رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد ينطلق بناءً على المعطيات الراهنة وتحول سد النهضة إلى "واقع مادي" بعد اكتمال معظم مراحله الإنشائية والبدء بتوليد الكهرباء، ليقول "يمكن تحليل المشهد وتصور مسارات الحل والتعاون المشترك بعيداً من لغة الصدام، هناك تساؤلات كثيرة تطرح منها: هل تتجاهل إثيوبيا مطالب دول المصب؟ إثيوبيا من الناحية العملية فرضت سياسة "الأمر الواقع"، وهي ترى أن تجاوز مراحل الملء والبدء في توليد الطاقة قد حسم الجدل الفني الأساس. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل المطالب كلياً لأسباب عدة أولاً: الارتباط الجغرافي، فالنيل الأزرق يربط الدول الثلاث أبدياً، وأي تشغيل غير منسق قد يسبب كوارث في السودان أو نقصاً حاداً في مصر، مما سيبقي الملف حياً دولياً وإقليمياً". ويشير "لكي تتحول إثيوبيا لمركز إقليمي للطاقة، تحتاج لاستقرار سياسي وقبول من جيرانها لتصدير الكهرباء وضمان أمن السد، وهو ما يتطلب تصفير المشكلات مع القاهرة والخرطوم. وعلى كل حال، فأسباب الجمود الدبلوماسي الحالي تعزى للفجوة القانونية، فالخلاف الجوهري ليس فنياً فحسب، بل قانوني، مصر والسودان تطالبان بـ"اتفاق قانوني ملزم" ينظم التشغيل بخاصة خلال فترة الجفاف، بينما تصر إثيوبيا على "قواعد استرشادية" غير ملزمة لضمان سيادتها الكاملة. وقد تحول الملف بعد جهود الاتحاد الأفريقي إلى حال من الركود من دون وجود طرف دولي (مثل الولايات المتحدة أو البنك الدولي) يمتلك أدوات ضغط كافية لإجبار الأطراف على التنازل. وهناك الأزمات الداخلية كجزء من الأسباب، فانشغال الدول الثلاث بملفات داخلية ضاغطة مثل الحرب في السودان والتحديات الاقتصادية في مصر والتوترات الأمنية في إقليم أمهرة وتيغراي في إثيوبيا، جعل ملف السد يتراجع في سلم الأولويات العاجلة للمفاوضات".

يختم أحمد "على كل حال، الاحتمالات القريبة للحل تنصب في التعاون المشترك والتوافق بين الأطراف، وهو ما ظلت تنادي به إثيوبيا، وما يتطلب تبني نموذج الكل رابح المستوحى من تجارب دولية ناجحة في علاقاتها المائية، والاعتراف المتبادل بالحقوق المشتركة في مياه النيل، وأن تقر دول المصب في حق إثيوبيا في التنمية (الكهرباء)، مقابل إقرار إثيوبيا بالحقوق التاريخية والحاجات المائية الوجودية لمصر والسودان".

كذلك ينبغي تبني اتفاقية تشغيل مرن والتوصل إلى بروتوكول تعاون تقني وتحويل قضية السد من "أزمة" إلى "فرصة" عبر ربط الكهرباء الإثيوبية الرخيصة بالسوق المصرية والسودانية، مقابل استثمارات مصرية وسودانية في الزراعة والصناعة الإثيوبية، مما يجعل الحفاظ على تدفق المياه لكل الأطراف مصلحة اقتصادية شاملة وليس مجرد التزام دولي.

فسد النهضة في اعتقادي أصبح حقيقة، وواقع والتعامل معه بعقلية "المواجهة" لم يعد مجدياً، والطريق الأقرب للحل هو "التعاون الفني المستدام" الذي يضمن لإثيوبيا طموحها، ويضمن لمصر والسودان أمنهما المائي بعيداً من التسييس.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير