ملخص
أن تجد مكاناً توقف فيه سيارتك في المدن المصرية، لا سيما المزدحمة، وعلى رأسها القاهرة الكبرى والإسكندرية، فهذا أمل واشتياق، وأن يكون المكان قريباً من موقع العمل أو السكن أو المصلحة المراد إنجازها، فهذا مراد ورجاء، أما أن يكون الموقع شاملاً لما سبق، إضافة إلى كونه في المسموح لا الممنوع، وفي مكان آمن لا معرضاً للاحتكاك أو الاصطدام، وتحت ظل شجرة في حرارة الصيف القائظ وفي حماية مظلة في أجواء الأمطار المتربة، فهذا يرقى إلى درجة المعجزات في زمن عزّت فيه الركنات.
صداع في النهار وكابوس في الليل، مصدر رزق للآلاف ومجال استنزاف للملايين، والملايين احتاروا بين تأكيدات رسمية بأن الوضع تحت السيطرة تماماً، وتجارب ومعايشات يومية تجزم أن الوضع بالفعل تحت السيطرة، لكن الاختلاف يبقى في تعريف الجهة المسيطرة، إنه القطاع الذي يدر أرباحاً بالملايين، لكن هل هي مليون أم 100 مليون؟ سؤال يبقى في علم الغيب وجيب "السايس".
هي مملكة بلا ضابط أو رابط أو صاحب أو مراقب، وهي أيضاً مملكة تشهد موجات فجائية من سن القوانين وفرض العقوبات وبسط القواعد، يعقبها خفوت وسكون وعودة لمربع العشوائية صفر، إذ إن السايس ملك الشارع، و11.5 مليون مركبة، هو عدد المركبات المسجل رسمياً، في الأقل تحت سطوته وسلطته وإمرته، ثم تستيقظ القوانين وتستنفر الهمم في المجالس النيابية والمحلية والبلدية، ثم تخفت وهلم جرا.
بطل المملكة هو السايس أو السائس، وقد اختلفت جهود تأريخ أصل الكلمة بين قائل بأنها "السائس" أي خادم الدواب، وآخر مؤكد أنها مشتقة من "سياسي" وهو من يدير شؤون الناس، أو أنها في الأصل "يسايس" أي يدبر أمور الناس وشؤونهم بحكمة وتعقل، وعلى أية حال فإن "السائس" في شوارع مصر هو خليط من كل ما سبق، مضافاً إليه قوة وبأس طبيعيان، وسطوة وجاه ومكتسبان، ونفوذ ومكانة مستحقان.
وسواء كان ممسكاً بدفتر يقول إنه "حكومة" أو من دون، أو يرتدي سترة بلون وفاقع أو من دون، أو يطلق العنان لصوت صفارة تصم الآذان أو لا يطلق، أو يتحدث بعنف وغلظة وقسوة أو بلين ولطف وحنان، وهو الآمر الناهي في منظومة إيقاف السيارات، وهي المنظومة التي يتدخل فيها القدر بالحظ مع قدر غير قليل من التوفيق الإلهي ورضا السايس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أن تجد مكاناً توقف فيه سيارتك في المدن المصرية، ولا سيما المزدحمة، وعلى رأسها القاهرة الكبرى والإسكندرية، فهذا أمل واشتياق، وأن يكون المكان قريباً من موقع العمل أو السكن أو المصلحة المراد إنجازها، فهذا مراد ورجاء، أما أن يكون الموقع شاملاً لما سبق، إضافة إلى كونه في المسموح لا الممنوع، وفي مكان آمن لا معرضاً للاحتكاك أو الاصطدام، وتحت ظل شجرة في حرارة الصيف القائظ وفي حماية مظلة في أجواء الأمطار المتربة، فهذا يرقى إلى درجة المعجزات في زمن عزّت فيه الركنات.
وبحسب "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" فقد وصل عدد المركبات المرخصة في مصر عام 2025 لنحو 11.5 مليون مركبة في مقابل 10.4 مليون مركبة عام 2024، واحتلت القاهرة المرتبة الأولى بـ 26 في المئة من المركبات، تليها الجيزة بـ 14.4 في المئة، ثم الإسكندرية بـ 7.1 في المئة من السيارات المرخصة.
منظومة مرنة جداً
منظومة السايس تظل مرنة جداً، فهي عرضة للقانون واللاقانون، والقواعد واللاقواعد، والتقنين والتحايل على التقنين تحت ضغط الحاجة إلى ترك السيارة في مكان ما لبعض الوقت، وبعيداً من هذه المنظومة، وأحدث قوانينها رقم (150) لعام 2020 الذي فرض عقوبات صارمة، ووضع قواعد واضحة، وحدد معايير ملزمة لعمل السايس، يبقى العثور على مكان لإيقاف السيارة في المدن المصرية، ولا سيما المزدحمة، مسألة حظ محفوفة بالمغامرة، ولها مفاتيح وأيضاً أسرار، مع قدر غير قليل من الوقت والجهد والإبداع.
الدوران حول المربع الذي يود قائد السيارة أن يجد في مكاناً لما لا يقل عن خمس أو ست أو سبع مرات أو أكثر أمر متعارف عليهن وهو مخصص للممسكين بتلابيب الأمل والمؤمنين بالحظ والملتحفين بالصبر ولديهم رفاهية الوقت، فهذا الدوران أقرب إلى لعبة "الروليت" التي فيها قدر من "يا صابت يا خابت"، مع بعض التكتيك والقدرة على التنبؤ، إذ يقوم القائد بعمليات مسح سريعة للسيارات المتوقفة لرصد أي حركة تنم عن نية تحرك هنا أو اتجاه شخص يحمل مفتاح سيارة هناك، مع الاحتفاظ بسرعة السيارة بطيئة بصورة يسمح بالتوقف والبدء في اتخاذ إجراءات الركن في أية لحظة.
وإذا كان الدوران حول المربع المراد تكتيكاً يحتاج إلى الوقت والصبر، فإن اتخاذ قرار الاندلاف إلى أحد الشوارع الجانبية يحتاج إلى روح مغامرة، والشوارع الجانبية في المدن الكبيرة مغامرة محفوفة بالأخطار، بدءاً بمواجهة محتومة بين سيارتين متقابلتين، إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة، وهو ما يزيد احتمالات العناد والإصرار على أن يقوم الآخر بالعودة للخلف، وعلى رغم ذلك فإن الشوارع الجانبية تحمل فرصة للعثور على موقع لا تتوافر عادة في الشوارع الرئيسة.
وعلى مدى العقدين الماضيين، وعلى هامش زيادة أعداد المراكز التجارية الكبرى المزودة بمرائب كبرى تتسع لآلاف السيارات، فقد زاد اعتماد أو لجوء بعضهم إلى ترك سياراتهم فيها، ولو تطلب ذلك سداد مبالغ مالية تفوق ما يجري فرضه من قبل السايس، لكنها تضمن مكاناً آمناً ودرجة حرارة أفضل، لتظل المراكز التجارية محدودة الأثر في معضلة ركن السيارة في مصر، فحفنة صغيرة من المراكز التجارية في مناطق بعينها وتتطلب مقابلاً مادياً يعد مرتفعاً للغالبية تعني استمرار مشكلة ندرة أماكن الانتظار.
وفي محاولة لوضع حلول للمعضلة فقد نشر الباحثان في الهندسة المعمارية أحمد ثابت علي الدين وأحمد محمد حسن في جامعة المنصورة ورقة عنوانها "نموذج شامل لحل مشكلة مواقف في المناطق الحضرية: دراسة لمدينة المنصورة" (2025)، جاء فيها أن المدن المصرية لا تزال تعاني ندرة مواقف السيارات مقارنة بالطلب عليها، إذ يزيد عدد السيارات باستمرار، بينما تبقى المساحات المخصصة لحركتها وركنها ثابتة، ويبقى ركن السيارات في الشوارع أكثر أنظمة الركن شيوعاً في المدن المصرية، مما يؤدي إلى تسابق السائقين للعثور على مكان وسط الازدحام الكبير والتنافس الشديد على الأماكن المحدودة المتاحة.
ويلفت الباحثان إلى عدم كفاءة تخطيط استخدام الأراضي تزامناً مع زيادة أعداد السيارات، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية مستمرة لإيجاد أماكن وقوف مناسبة، وقد أدى ذلك إلى فجوة كبيرة بين الطلب على مواقف السيارات والعرض المتاح.
وبناء على دراسة ميدانية أجريت على أحد شوارع مدينة المنصورة المزدحمة بكل من حركة المرور ومحاولات العثور على أماكن لركن السيارات، خرج الباحثان بمجموعة من الحلول المقترحة تراوحت بين الاستعانة تطبيقات ذكية تستشعر الأماكن المتاحة، وهو ما يقلل من وقت البحث في المكان الواحد، وكذلك قدما مقترحات بتنظيم ساحات وأماكن الانتظار المتاحة عبر حصرها، وتخطيط وتنظيم أسلوب الركن الأمثل فيها بصورة تعظم من الاستفادة منها واستيعاب أكبر عدد من السيارات، إضافة إلى عدم تعطيل حركة المرور، وقد اقترحا وضع قواعد محددة لعدد الساعات المتاحة لركن السيارة، وذلك لضمان العدالة للجميع، ولا سيما أن كثيرين يتركون سياراتهم ساعات طويلة، وربما أياماً من دون أن يحركونها.
احتكار الأماكن المتاحة
يشار إلى أن جانباً معتبراً من شكاوى الأماكن السكنية في ما يختص بأماكن ركن السيارات في المدن المصرية تدور حول احتكار الأماكن المتاحة للركن، وتتقدم مجموعة من السكان في أحد التجمعات السكنية المغلقة على أطراف شرق القاهرة بشكاوى منذ ما لا يقل عن سبعة أشهر، لأن أحد الجيران يملك سيارتين ودراجة نارية، ويقوم كل صباح باستخدام إحدى السيارتين، فيحجز مكانها بالدراجة النارية لحين عودته بصفة يومية، لكن من دون جدوى.
ومن احتكار الأماكن إلى ابتداع أماكن لم تكن موجودة من قبل، فعدد من شوارع القاهرة الكبرى يرزح تحت منظومة الركن المزدوج وأحياناً الثلاثي، وعلى رغم أن هذا يندرج تحت بند الممنوع، لكن الممنوع في الركن ليس مرغوباً فقط بل معمولاً به في كثير من الشوارع، وذلك في لعبة يسمونها "القط والفأر" مع إدارة المرور، حيث الالتفاف على القانون والتنبؤ بمواعيد حملات التفتيش وموجات التدقيق، وقد تحولت شوارع بأكملها، بما فيها الفتحات المخصصة للدوران للخلف إلى مرائب سيارات على مدى ساعات النهار والليل، فالوقوف في الممنوع يؤثر سلباً في حركة المرور ويعوق حركة السير ويسهم في تفاقم حدة الزحام.
في عام 2014 أطلق "البنك الدولي" دراسة عنوانها "زحمة السير في القاهرة" أشار فيها إلى أن عدد سكان القاهرة الكبرى يبلغ نحو 19 مليون شخص، متوقعاً أن يصل العدد إلى 24 مليوناً بحلول عام 2027، وجاء أن زحمة السير تؤثر سلباً في نوعية الحياة والاقتصاد، إضافة إلى الوقت المهدر والذي يمكن الاستفادة به في القيام بأمور مجدية، وقد صنفت الدراسة نسب المركبات في القاهرة الكبرى كالآتي: 55 في المئة سيارات خاصة. و24 في المئة سيارات أجرة، و14 في المئة ميكروباص وميني باص، واثنان في المئة باصات كبيرة، وخمسة في المئة شاحنات صغيرة، و0.3 في المئة شاحنات كبيرة.
يشار إلى أن القاهرة الكبرى تشمل مدن محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، إضافة إلى المدن الجديدة مثل السادس من أكتوبر والشيخ زايد والقاهرة الجديدة وبدر ومدينتي والشروق والعبور و15 مايو وبدر، وتشخيص الدراسة للزحام المستمر على مدى ساعات الليل والنهار، على حد سواء، هو سوء إدارة حركة المرور، ولا سيما قدرة المواقف المحدودة على استيعاب الأعداد الضخمة للسيارات، وقدرت الدراسة في تلك العام أن زحمة السير التي تسهم المواقف العشوائية والخاطئة في تفاقمها، تتسبب في إهدار نحو 47 مليار جنيه مصري (8 مليارات دولار)، بفعل الجهد والوقت المهدرين.
المواصلات العامة الحل
على مدى عقود طويلة يجري طرح استخدام المواصلات العامة بديلاً للسيارات الخاصة تجنباً للزحام واستثماراً للوقت والجهد، وكذلك لتوفير الأماكن، لكن ظلّ الحل نظرياً بسبب قصور شبكة النقل العام وازدحامها، وابتعاد الفئات المقتدرة من المصريين عنها لحزمة من الأسباب تتراوح بين تجنب التحرش وحفاظاً على الكرامة وحد أدنى من الآدمية.
وخلال العقد الماضي شهدت المواصلات العامة تغيرات كبرى، إذ بلغت قيمة الاستثمارات في قطاع النقل نحو 309 مليارات جنيه مصري، وذلك بين خط ثالث لمترو الأنفاق في القاهرة والجيزة، وطرح خطوط باصات كثيرة تغطي أماكن عدة، وبدء تشغيل القطار الكهربائي والباص الترددي وسيارات تطبيقات النقل وغيرها، وقد بدأ بعض أصحاب السيارات في الاعتماد على المواصلات العامة الجديدة تحقيقاً للرؤية القديمة.
وفي المقابل زادت أعداد السيارات التي تعمل في مجال تطبيقات النقل، وعلى رغم عدم وجود إحصاء دقيق لعدد السيارات العاملة في هذا المجال فإن جانباً من زيادة الإقبال على شراء السيارات الخاصة في مصر يعود لاستثمارها من قبل أفراد وشركات للعمل ضمن هذه المنظومة، والنتيجة ملء الفراغ الذي تركه بعضهم ممن وجدوا في المواصلات العامة بديلاً جيداً بسيارات التطبيقات.
يقال إن مصر بلد العجائب وأحياناً التناقضات، وفي مسائل ركن السيارات فهي الاثنان، وطرائف الركن وعجائبه لا تعد أو تحصى أو تفنى، فمن حجز الأماكن بالبراميل والمقاعد بالأقماع البلاستيكية التي يشتريها المواطنون من محال الأمن الصناعي، وعبر مواقع التسوق الإلكتروني وتتراوح أسعارها بين 40 و1000 جنيه مصري (0.75 و 18.6 دولار أميركي)، ويضعها من يشاء حيثما يشاء وقتما يشاء إلى تجميع أرقام السياس في المناطق التي يتردد عليها الشخص بصورة متكررة، ويجري الاتصال بالسايس المنشود لتدبير مكان في مقابل مادي أكبر من الركن بالمصادفة، إلى الركن على الأرصفة وسدها تماماً أمام حركة المارة، إلى ترك السيارة صفاً ثانياً أو ثالثاً أو رابعاً من دون رفع فرامل اليد، مما يتيح للسايس تحريكها بحسب الحاجة إلى حشر السيارة في مكان يقل طوله عن طول السيارة، مما يعني ترك جزء منها بارزاً في الشارع، يظل الركن عبر ترجل السائق ثم دفع السيارة لتستقر بين سيارتين لا تسمح المسافة بينهما بفتح الباب، هو الأغرب والأكثر إبداعاً.