Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عقوبات أميركية جديدة تستهدف النفط العراقي... لماذا الآن؟

مراقبون: رسالة سياسية واقتصادية لإعادة رسم النفوذ داخل القطاع وتحذير لمن تتهمهم واشنطن بالالتفاف على عقوبات إيران

في حقل نهر بن عمر للنفط والغاز على مشارف مدينة البصرة جنوب العراق، 29 أبريل 2026 (أ ف ب)

ملخص

يرى اقتصاديون أن استمرار الضغوط قد يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات رقابية أكثر صرامة داخل قطاع النفط، وإعادة النظر في بعض آليات التعاقد والنقل والتسويق تجنباً لأي تصعيد أميركي إضافي، فيما يخشى سياسيون من أن تتحول العقوبات إلى عامل توتر جديد في العلاقة بين بغداد وواشنطن، وبخاصة إذا ما توسعت مستقبلاً لتشمل شخصيات أو مؤسسات أخرى.

دخل ملف النفط العراقي مرحلة أكثر حساسية بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على مسؤولين وشخصيات وشركات عراقية مرتبطة بقطاع النفط وفصائل مسلحة، في خطوة اعتبرها مراقبون واحدة من أكثر الإجراءات الأميركية تأثيراً في صورة قطاع الطاقة العراقي منذ أعوام، لما تحمله من اتهامات تتعلق بتهريب النفط وتزوير وثائق المنشأ وتمويل شبكات مرتبطة بإيران.

العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية  (OFAC)لم تقرأ في بغداد باعتبارها إجراء مالياً محدوداً وحسب، بل بوصفها رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة تستهدف إعادة رسم حدود النفوذ داخل قطاع الطاقة العراقي، وإيصال تحذير مباشر إلى الجهات التي تتهمها واشنطن باستخدام النفط العراقي كقناة للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران.

القرار الأميركي شمل وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي، الذي اتهمته واشنطن بتسهيل تحويل المنتجات النفطية العراقية لمصلحة شبكات تهريب مرتبطة بإيران، إضافة إلى اتهامات بتوفير امتيازات خاصة لشركات مرتبطة بمهرب النفط المعروف سليم أحمد سعيد، عبر تسهيل الوصول إلى النفط العراقي واستخدام وثائق رسمية مزورة تمنح النفط الإيراني صفة "النفط العراقي".

 

وبحسب البيان الأميركي، فإن عمليات التهريب كانت تتم عبر نقل النفط من حقل "القيارة" إلى منشآت في خور الزبير، حيث يتم خلط النفط الإيراني بالعراقي وتغيير منشئه قبل إعادة بيعه في الأسواق الدولية. وكذا شملت العقوبات مصطفى هاشم لازم البهادلي المعروف باسم "سيد عون"، الذي وصفته واشنطن بأنه مسؤول اقتصادي بارز في "عصائب أهل الحق"، مع اتهامات بإدارة شبكات لنقل النفط والسيطرة على عقود اقتصادية وشركات تعمل كواجهات مالية. وضمت قائمة العقوبات أربع شركات مرتبطة به، هي "غولف إنرجي لخدمات النفط"، و"غولف للمقاولات العامة"، و"العراق الدولية للطاقة"، و"غولف إنرجي للنقل العام".

ولم تتوقف العقوبات عند الملف الاقتصادي، بل امتدت إلى "كتائب سيد الشهداء"، إذ فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على قيادات فيها، بينهم أحمد خضير ومحمد عيسى كاظم الشويلي المعروف بـ"أبو مريم"، مع اتهامات تتعلق بالتنسيق مع "حزب الله" اللبناني لشراء ونقل أسلحة إلى العراق.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استخدم لغة شديدة اللهجة في تعليقه على القرار، عندما قال إن "النظام الإيراني ينهب موارد هي من حق الشعب العراقي كعصابة مارقة"، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح باستخدام النفط العراقي لتمويل "الإرهاب" أو الالتفاف على العقوبات الدولية.

بغداد تنفي وتدافع

في المقابل، سارعت وزارة النفط العراقية إلى إصدار بيان رسمي نفت فيه الاتهامات الموجهة إلى وكيل الوزارة علي معارج البهادلي، مؤكدة أن عمليات تصدير النفط وتسويقه وتحميل الناقلات ليست من صلاحيات وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع، وإنما تخضع لشركة "سومو" والجهات المختصة وفق السياقات الرسمية.

وأكدت الوزارة استعدادها للتعاون مع أي تحقيق قانوني أو رقابي، مشددة على أهمية احترام القضاء العراقي والهيئات الرقابية المختصة بعيداً من "التفسيرات السياسية".

وأعادت الوزارة التذكير ببيانات سابقة صادرة عن شركة تسويق النفط "سومو"، نفت فيها وجود عمليات تهريب أو تلاعب بوثائق المنشأ المتعلقة بالنفط العراقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم النفي الرسمي، فإن العقوبات أثارت موجة قلق واسعة داخل الأوساط الاقتصادية والنفطية، خصوصاً أن الاتهامات الأميركية تتعلق بملف شديد الحساسية يرتبط بسمعة النفط العراقي في الأسواق العالمية.

المحلل الاقتصادي زياد الهاشمي يحذر من تداعيات أعمق من مجرد إدراج أسماء على لوائح العقوبات، معتبراً أن الخطر الحقيقي يتمثل في تحول العراق تدرجاً إلى "دولة متواطئة" في عمليات تهريب النفط الإيراني، مما قد يضع بغداد أمام ضغوط مالية ودبلوماسية متصاعدة.

وقال الهاشمي إن هذه العقوبات ليست الأولى من نوعها، إذ تأتي ضمن سياق ضغوط أميركية مستمرة على قطاع النفط العراقي، وبخاصة بعد معلومات سابقة تحدثت عن استخدام وثائق عراقية وشهادات منشأ لتسويق نفط إيراني في الأسواق العالمية.

ويرى أن أخطر ما في القضية هو احتمال تضرر سمعة النفط العراقي الشرعي نفسه، إذ قد تصبح شحنات النفط العراقية عرضة لتدقيق أكبر من قبل الشركات الدولية والجهات البحرية، مما يرفع كلف النقل والتأمين ويعطل حركة الصادرات.

ويضيف أن المشترين الدوليين قد يطالبون مستقبلاً بضمانات قانونية إضافية أو خصومات سعرية أعلى في حال تصاعد الشكوك في شأن دقة وثائق الشحن والمنشأ، محذراً من احتمال توسع العقوبات لتشمل شركات نقل ومصارف ووسطاء تجاريين وحتى جهات حكومية، إذا ما اعتبرت واشنطن أن هناك "نمطاً مؤسسياً" في عمليات التهريب أو التغطية المالية.

لماذا الآن؟

ويثير التوقيت الذي اختارت فيه واشنطن الإعلان عن العقوبات تساؤلات واسعة في بغداد، خصوصاً أنه يأتي وسط توترات إقليمية متصاعدة وتحولات كبيرة في سوق الطاقة العالمية.

يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن العقوبات الأميركية الأخيرة تعكس تحولاً واضحاً في طريقة تعامل واشنطن مع العراق، إذ لم تعد العقوبات مرتبطة فقط بإيران، بل أصبحت جزءاً من إعادة هيكلة شبكات الطاقة والتمويل في المنطقة بأكملها.

ويقول السعدي إن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه الإجراءات توجيه رسالة مفادها أنها قادرة على مراقبة وضبط حركة النفط والأموال حتى داخل الدول المنتجة الكبرى، وفي مقدمتها العراق، مضيفاً أن واشنطن تنظر إلى ملف الطاقة باعتباره جزءاً من معركة النفوذ الإقليمي، لذلك فإن أي شبكات يعتقد أنها تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات تصبح هدفاً مباشراً للخزانة الأميركية.

ويشير إلى أن حساسية التوقيت ترتبط أيضاً بتقلبات سوق النفط العالمية والتوترات الأمنية في المنطقة، فضلاً عن ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة تحاول القوى الكبرى تثبيتها في الشرق الأوسط.

وبحسب السعدي، فإن العقوبات قد لا تؤثر فوراً في حجم صادرات العراق النفطية، لأن السوق العالمية لا تزال بحاجة إلى الخام العراقي، لكن التأثير الحقيقي سيظهر في ارتفاع كلف التأمين والشحن والتحويلات المالية، إلى جانب زيادة حذر البنوك والشركات الأجنبية.

ويؤكد أن استمرار هذا النوع من العقوبات سيجعل المستثمرين ينظرون إلى العراق باعتباره "بيئة عالية الأخطار"، مما ينعكس على مشاريع الطاقة والبنى التحتية والاستثمارات الطويلة الأمد.

 

ويرى مراقبون أن العقوبات الأميركية تكشف أيضاً حجم الصراع الدائر داخل قطاع النفط العراقي، الذي تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى ساحة نفوذ سياسي واقتصادي معقدة تتداخل فيها المصالح الحزبية والفصائلية مع التجارة والطاقة.

يقول الباحث في الشأن العراقي حسين الشمري، إن واشنطن لا تستهدف فقط عمليات تهريب النفط، بل تحاول ضرب "الذراع الاقتصادية" للفصائل المسلحة التي تعتمد على شبكات مالية وتجارية مرتبطة بعقود الطاقة والنقل والمقاولات.

وأضاف الشمري، أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع الاقتصاد العراقي باعتباره أحد مفاتيح النفوذ الإيراني في المنطقة، لذلك فإن العقوبات الجديدة تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص مصادر التمويل غير الرسمية، مشيراً إلى أن الرسالة الأميركية لا تتعلق بالأفراد وحدهم، بل موجهة أيضاً إلى مؤسسات الدولة العراقية، ومفادها أن واشنطن تراقب بدقة حركة النفط والأموال والعقود.

ويرى الشمري أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً أميركية أكبر على بغداد لإعادة تنظيم قطاع النفط وتعزيز الرقابة على عمليات التصدير والشركات الوسيطة، خصوصاً مع تزايد الحديث الدولي عن "أساطيل الظل" التي تستخدم لنقل النفط بعيداً من الرقابة.

مخاوف واحتمالات

اقتصاديون عراقيون حذروا من أن أخطر ما في العقوبات ليس الجانب السياسي فقط، بل انعكاساتها المحتملة على النظام المالي العراقي المرتبط بصورة شبه كاملة بعائدات النفط.

فالعراق يعتمد على صادرات النفط لتمويل أكثر من 90 في المئة من إيرادات الموازنة العامة، وأي تشكيك في شفافية قطاع الطاقة قد ينعكس مباشرة على العلاقة مع البنوك الدولية وشركات التأمين والأسواق المالية. وتشدد الخزانة الأميركية في ملف التحويلات المالية خلال الأعوام الأخيرة جعل بغداد أكثر حساسية تجاه أي اتهامات تتعلق بغسيل الأموال أو الالتفاف على العقوبات.

ويرى اقتصاديون أن استمرار الضغوط قد يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات رقابية أكثر صرامة داخل قطاع النفط، وإعادة النظر في بعض آليات التعاقد والنقل والتسويق تجنباً لأي تصعيد أميركي إضافي. فيما يخشى سياسيون من أن تتحول العقوبات إلى عامل توتر جديد في العلاقة بين بغداد وواشنطن، وبخاصة إذا ما توسعت مستقبلاً لتشمل شخصيات أو مؤسسات أخرى.

وفي ظل هذا المشهد المعقد تقف الحكومة العراقية الجديدة أمام اختبار حساس يتعلق بقدرتها على حماية أهم قطاع اقتصادي في البلاد من تداعيات الصراع الإقليمي والدولي، والحفاظ على سمعة النفط العراقي وسط واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ سوق الطاقة العالمية.

المزيد من البترول والغاز