Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سينما "الأنمي"... صورة بريئة وثقافة متوحشة

لا سيناريو ولا أداء ولكن يستبدل بهما نوع من الفن عبارة عن سلعة للتداول بين الأفراد في كل العالم

تغلب عليها التقنية والحواسيب وأحياناً تفتقر إلى أدنى درجات الإبداع السينمائي على مستوى الحوار والتخييل (طوكيو سكوب)

ملخص

إن المخيف في أفلام "الأنمي" أنها لم تعد خياراً جمالياً في فسيفساء الأشكال الفيلمية وتيماتها المختلفة، بل أضحت نموذجاً تشجع عليه المؤسسات الإنتاجية وتقود عبره ثورة داخل شباك التذاكر، بكل ما يرافقها من ترفيه وجدل نقدي سخيف خارج السياقات السياسية والاجتماعية التي تطبع العالم المعاصر اليوم.

من كان يتصور أن تصبح أفلام الرسوم المتحركة من النماذج الفيلمية التي تصنع شباك التذاكر داخل صالات سينمائية هوليوودية، في وقت تنسحب الأشكال الفيلمية الجادة الأخرى إلى الوراء، مفسحة المجال إلى هذا النوع من الأفلام المرتكز على الإبهار البصري، الذي يكتسح العالم ويفرض نظاماً بصرياً مختلفاً عن الأنماط الأخرى؟ أصبحت سينما "الأنمي" أو "الأنيميشن" من النماذج المضيئة التي يراهن عليها المنتجون بحكم ما تدره من عائدات تجارية خيالية تسهم بين الفينة والأخرى في ممارسة نوع من الفتنة على المخرجين، بغية الدخول في عوالمها والاشتغال على صورها ومشاهدها. وحققت طفرة نوعية في تاريخ السينما الغربية، إذ أسهمت التقنيات الحديثة في نموها وأصبح هذا النمط يفرض نفسه بقوة داخل مجال الإنتاج السينمائي العالمي.

فهذه الطفرة التكنولوجية أسهمت بقوة في ميلاد أفلام "الأنمي" بما يجعلها تتطور يوماً بعد يوم. ذلك أن الأفلام التي صدرت عام 2025 لم تكن عبارة عن أفلام غايتها الترفيه والاستهلاك، وإنما حرص مخرجوها على إعادة تأصيل هذه التجربة السينمائية وجعلها تخرج من أبعادها الترفيهية التي كانت دوماً لصيقة بهواجس الأطفال ومتخيلهم وأحلامهم، صوب اقتحام براديغم الواقع وإبراز ما تحبل به الحياة المعاصرة من أهوال ومآزق وتصدعات.

فلا غرابة أن تطالعنا أفلام من قبيل "أميلي الصغيرة أو شخصية المطر" (2025) لمايليس فالاد وليان تشو هان، و"إيليو" (2025) لأدريان مولينا ودومي شي ومادلين شرفيان، و"قاتل الشياطين: قلعة اللانهاية" (2025) لرهارو سوتوزاكي، وهي أفلام تراهن على تشريح الجسد والوجود والذاكرة والسلطة بطريقة سينمائية، وإن كان يغلب عليها التنميط البصري فإنها تحاول بشكل ضمني أن تبلور أفقاً سينمائياً يخرج "الأنمي" من بعده الترفيهي صوب مدارات يصبح فيها الفكر نداً للصورة السينمائية.

صناعة رائدة وتنميط بصري

بيد أن الأفلام التي حققت أكبر عائدات تجارية في أميركا واليابان لا تحتكم إلى النمط الفكري والرهان الجمالي، لأنها أفلام تغلب عليها التقنية والحواسيب، وأحياناً تفتقر إلى أدنى درجات الإبداع السينمائي على مستوى الحوار والتخييل البصري، إذ تغدو الصور آلية وميكانيكية لا تقول شيئاً، ولا تترك في المتلقي أي أثر لإحساس جمالي يدفعه إلى نسج علاقة نوستالجية مع الفيلم وصوره، لكن بصرف النظر عن رتابة المشاهد وعدم عمقها، حققت سينما "الأنمي" ما لم تكن تحلم به يوماً.

 

ذلك أن السينما نقلت كثيراً من قصص الرسوم المتحركة إلى فضاء كوني أصبحت فيه الشخصيات والقصص والحكايات بمثابة علامات تجارية ناجحة تستهدف الأطفال وتدغدغ مشاعرهم. فقد فطنت الاستوديوهات الهوليوودية إلى أن سر وميكانيزم الحياة المعاصرة أصبح يكمن في الصورة بحكم ما تمارسه من سلطة رمزية على جسد المتلقي، وبما أن السينما تعد أكثر الصور تأثيراً في الأفراد، مقارنة بالصور التلفزيونية والفوتوغرافية والتشكيلية، فقد تحولت هذه الاستوديوهات إلى ما يشبه مختبرات تنتج سنوياً عشرات الأفلام السينمائية التي تكون غايتها استهداف الأطفال والأجيال الصاعدة وخلق نوع من الصناعة السينمائية التي لا تحتكم إلى الأبعاد الأخلاقية للمهنة، ولا إلى منطق الإبداع البصري والتخييل السينمائي، لأن الأهم بالنسبة إليها يكمن في ضرورة خلق صناعة تجارية موازية تبدعها التقنية وتروج لها حيتان المؤسسات الإنتاجية التي باتت تؤدي دوراً سيئاً في تاريخ الفن السابع، بعدما جعلت السينما صناعة تجارية هدفها البحث عن المال لا تقوية العلاقة بين الأفراد من خلال الفن.

أصبحت سينما "الأنمي" تنافس الأنواع الأخرى، إذ يصعب العثور على فيلم سينمائي حول الحرب أو السيرة الذاتية أو "الأكشن" أو سينما التأليف بصورة عامة تنافس "الأنمي" من ناحية شبابيك الصالات السينمائية، بعدما فرضت الأخيرة سيطرتها على سوق الإنتاج السينمائي، وأسهمت بصورة ضمنية في تغيير كثير من المواضعات السينمائية التي تأسس عليها الفن السابع. ويلمس المشاهد العطب الذي بدأ يطبع هوليوود في الأعوام الأخيرة، بعدما أصبحت تحتكم في متخيلها السينمائي إلى نوع من الأفلام الترفيهية المصنوعة داخل الاستوديوهات، وهي أفلام تنميطية تقدم صورة سيئة عن أميركا والطريقة التي باتت مؤسساتها الإنتاجية تنهجها تجاه فن السينما الذي كثيراً ما اعتبره الفيلسوف الأميركي ستانلي كافيل (1926 - 2018) الفن الأكثر شعبية وديمقراطية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختيار "الأنمي" باعتباره مشروعاً سينمائياً تتحكم فيه الطفرة التكنولوجية وتمادي التقنيات الرقمية المعاصرة في تغيير كثير من المفاهيم والأفكار والنظريات المتعلقة بالإنتاج الإبداعي، فهذه التقنيات باتت تعطل العقل الإنساني عن الإبداع وتسحب منه بطريقة تلقائية ملكة الابتكار وتزج به في ممارسات إبداعية تتحكم فيها الآلة، وتعلم الكسل وتدفع الجسد إلى الدخول في نوع من التنميط الإبداعي الذي تصبح عبره السينما عبارة عن مادة لا تصنع داخل الواقع المعيش وإنما داخل مختبرات فنية مدججة بالآلات والتقنيات.

لذلك فإن أثر هذا النزوع "الفني" على جماليات الفن السينمائي، وجعله منمطاً تحركه دوافع في عمقها، تجارية لا صلة تربطها بالإبداع. إن المخيف في أفلام "الأنمي" أنها لم تعد خياراً جمالياً في فسيفساء الأشكال الفيلمية وتيماتها المختلفة، بل أضحت نموذجاً تشجع عليه المؤسسات الإنتاجية وتقود عبره ثورة داخل شباك التذاكر، بكل ما يرافقها من ترفيه وجدل نقدي سخيف خارج السياقات السياسية والاجتماعية التي تطبع العالم المعاصر اليوم.

بحثاً عن جماليات خاصة

لكن بعيداً من هذه السيطرة الفنية على سوق السينما الأميركية، ينبغي اليوم التفكير بقوة في صناعة "الأنمي"، وإخضاعها لنوع من التأمل الفلسفي لفهم المنطلقات الجمالية التي تؤسسها، والأبعاد الفنية التي ترسمها داخل جغرافيات الفن السابع. ذلك أن الباحث لا يعثر على مؤلفات حول هذه الصناعة والطريقة التي بها يتم تصويرها وكتابتها وتسجيلها، بعيداً من المشاهد القليلة التي تطالعنا من طريق "الماكينغ أوف"، التي تظهر كيف تتشكل معالم هذه الصناعة داخل الاستوديوهات والحواسيب.

 

والحقيقة أن غياب هذا النوع من المؤلفات يظهر حقيقة التصدع الذي بات يطبع الفكر الأميركي المعاصر وعدم قدرته على استكمال المشروع الفلسفي الذي دشنه عدد من الفلاسفة حول الصناعة السينمائية. وهي صناعة تبدأ انطلاقاً من براديغم الصورة، وتحاول عبرها أن تعمق التفكير في كل الطرق والوسائل والعناصر المشكلة للعمل السينمائي وإنتاجه وكتابه وتوزيعه وعرضه. وهو مسار سينمائي متوهج، كثيراً ما جعل منه المفكرون أفقاً للتفكير وآلية من آليات تحقيق مفهوم النظر إلى الواقع، انطلاقاً من ثقافة العين ومركزيتها في تحرير الفكر من التراكمات النسقية التي أنتجها الخطاب المكتوب.

ترتكز أفلام "الأنمي" على مفهوم التنميط البصري الذي يحول الصورة السينمائية إلى وسيلة غايتها الإبهار البصري عبر الصوت والصورة، فهي سينما لا تخضع لكتابة السيناريو بالمفهوم المتعارف عليه، لأن جماليات فن الأداء تصبح منعدمة، ويتم استبدال نوع من السينما التي تكون عبارة عن سلعة يتم تداولها بين الأفراد في كل العالم بها.

وشكلت "المانغا" اليابانية على مدى أعوام طويلة قاعدة جمالية لأفلام "الأنمي"، فالأولى تنطلق من رؤية شخصية للفنان يحاول عبرها تأسيس أفق بصري لمتخيله، في حين تغذي "الأنمي" فن "المانغا" وتحوله إلى ألوان مزركشة وأجساد متحركة. مع ذلك يبقى لكل فن قواعده وميكانيزماته التي تجعله في المرحلة المعاصرة ينأى بنفسه عن الآخر. وخضع "الأنمي" إلى أسلوب متحرر، إذ ركز المخرج على الخروج أحياناً من الطابع الفانتاستيكي للحكايات والقصص وتصوير الشخصيات صوب الانهماك أحياناً في الواقع، مع إضفاء طابع تخييلي على هذه الحكايات في سبيل الحفاظ على طابع المغامرة والأسلوب التشويقي.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما