ملخص
57 ألف امرأة وجدن أنفسهن فجأة العمود الفقري لأسرهن وسط الحرب، بمكوك خياطة استخرج من تحت الأنقاض وبفرن طين داخل خيمة يخضن معارك يومية لتأمين لقمة العيش.
بعدما تخرجت مروة من قسم الكيمياء كانت تحلم بمختبرات الأبحاث والقمصان البيضاء الناصعة، لكنها وجدت نفسها فجأة نازحة في خيمة من دون أي عمل وبدأت أحلامها في أن تصبح كيماوية تتبدد تدريجاً، حتى شاهدت الأطفال داخل الخيام المجاورة وهم يعانون الحكة والأمراض الجلدية بسبب شح المنظفات وانعدام الصابون، حينها أدركت أن فرصتها في تطبيق حلمها حانت.
تخيلت مروة نفسها تقف في مختبر الكيمياء وتضع "نترات الفضة" في "الأنابيب الزجاجية" وتصنع "معادلة التصبن" البسيطة، بسرعة نهضت السيدة وقررت أن مختبرها سيكون الأرض، وأدواتها هي ما يلقيه الناس، وبدأت رحلتها باستجداء ما لا قيمة له.
مختبر أمام الخيمة
أخذت مروة تدور بين الخيام بوعاء بلاستيكي، تجمع بقايا زيوت القلي التي احترقت وتغير لونها ورائحتها، وخاضت رحلة شاقة في الأسواق المدمرة بحثاً عن كميات مخبأة من "هيدروكسيد الصوديوم"، وهي المادة السحرية التي ستحول الزيت العادم إلى صابون مطهر.
تجلس مروة القرفصاء أمام قدر معدنية كبيرة فوق نار هادئة، تمزج المكونات بدقة علمية، تصفي الزيت الأسود من شوائب الطعام باستخدام قطعة قماش قديمة، تسكبه في القدر ثم تبدأ بإضافة الصودا الكاوية للماء بحذر شديد، تتصاعد أبخرة خانقة، فتغطي وجهها بوشاح مهترئ، لكن عينيها تظلان تراقبان عملية التصبن.
تصب المزيج اللزج في قوالب خشبية وتنتظر أياماً حتى يتصلب تحت شمس غزة الحارقة، ثم تقطعه بسكين صدئ إلى مكعبات متساوية. وبفضل صابونها، بدأت الأمهات يغسلن ثياب أطفالهن بفعالية، مما قلل بصورة ملحوظة من انتشار الجرب والالتهابات الجلدية في مربع نزوحها.
رائحة النظافة البسيطة التي تفوح من الملابس بعد غسلها بصابون مروة، كانت تعطي النازحين شعوراً موقتاً بالآدمية والكرامة المفقودة، إذ تقول إحدى السيدات "تحولت التجربة بعد ذلك إلى مشروع اقتصادي متناهي الصغر، لكنه يدر دخلاً بسيطاً يمكنني من شراء الطعام لأطفالي".
ظروفها صعبة
لا تتقاضى مروة من النازحين إلا مبالغ زهيدة جداً لتتمكن من شراء "صودا" جديدة، وأحياناً تقايض الصابون بقطعة خبز أو تمر. وتقول "شهادتي الجامعية لم تكن لتعليقها على جدار دمر، بل كانت لهذا اليوم، لكي أثبت أن العلم هو من يغسل أوجاعنا عندما تخذلنا المساعدات".
لقد تحولت مروة من خريجة كيمياء إلى مهندسة وقاية، تدير مشروعاً يدمج بين بقايا زيت القلي وبين أرقى قيم الإنسانية، وقصتها ليست مجرد مشروع تجاري، هي حكاية مختبر صمود نبت من وسط الخيام، وأحد المشاريع النسوية في قطاع غزة التي وقفت سداً ضد الانهيار المعيشي الشامل.
ما أجبر مروة على تدشين مشروعها الظروف الصعبة التي تعيشها بعد فقدان زوجها الذي يعيل أطفالها الثلاثة في الحرب، وعندما تحولت إلى المعيل الأول لهم وصاحبة القرار الأخير، أُجبرت على العمل لتطعم صغارها.
ما قبل الحرب
كثيرة هي المشاريع النسوية الناجحة في غزة التي وُلدت من رحم الحرب، وباتت تشكل ركيزة أساس للصمود الاقتصادي في ظل قتال عسكري دمر أكثر من 85 في المئة من القطاع التجاري، ورفع معدلات البطالة بين النساء إلى مستويات قياسية تجاوزت 90 في المئة.
هذه المشاريع لم تعد مجرد أعمال ريادية ذات طابع تنموي وربحي، بل أضحت معارك بقاء يومية تهدف إلى تأمين الحاجات الأساس لآلاف الأسر التي باتت تعيلها النساء، بعدما قتلت الحرب أزواجهن.
قبل الحرب، كانت المبادرات والمشاريع النسوية في قطاع غزة تشكل 23 في المئة من الاقتصاد المحلي وهذا جزء حيوي، وكانت الغالبية العظمى منها مشاريع صغيرة ومتوسطة تتركز في قطاع الخدمات وصناعة المأكولات المنزلية والتطريز والخياطة ومستحضرات التجميل.
قبل عام 2023، بلغت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة نحو 19 في المئة، وكانت النساء ترأس وتدير نحو 11 في المئة من الأسر داخل قطاع غزة، مما جعلهن المسؤولات المباشرات عن اتخاذ القرارات المالية وتأمين الدخل لهذه الأسر.
أرقام مرعبة
لكن تسببت الحرب في دمار واسع طاول الغالبية العظمى من المشاريع النسوية في غزة، حيث تضررت أكثر من 85 في المئة من مشاريع تقودها النساء، واضطرت 32.1 في المئة منهن لإغلاق مشاريعهن بصورة نهائية، مما أدى إلى خسائر مادية واقتصادية للمشاريع النسوية بمستويات كارثية.
وأدت الحرب إلى زيادة عدد النساء المعيلات في غزة إلى أكثر من 57 ألف امرأة. وبحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يشمل هذا الرقم فئات الأرامل الجدد وزوجات المفقودين والمعتقلين وزوجات المصابين بعجز كلي والنازحات المنفصلات عن عائلاتهن.
وجدت كل امرأة من هؤلاء نفسها رأس العائلة والمسؤولة الوحيدة عن اتخاذ القرارات وتدبير المصاريف داخل بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما وضع على عاتقهن مسؤولية تدبير لقمة العيش من لا شيء.
المعيلات الجدد
تقول الباحثة في جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية آمال خريشة "بسبب مقتل أو إصابة أو اعتقال عدد كبير من الرجال، أو فقدانهم وظائفهم بالكامل، وجدت أكثر من 57 ألف امرأة نفسها فجأة المسؤول الأول والوحيد عن إطعام أطفالها وتوفير حاجاتهم. وهذا الرقم يعني أن آلاف الأسر لم يعد لهم أي مصدر دخل إلا ما تنتجه أو تدبره المرأة".
وتضيف "المرأة في غزة لا تحارب فقط لتوفير لقمة العيش، بل مطالبة أيضاً بأن تكون صمام الأمان النفسي، فهي التي تحاول امتصاص خوف الأطفال وصدماتهم وتوفير الأمان لهم داخل الخيمة، بينما هي نفسها تعيش تحت ضغط التفكير في كيفية توفير الوجبة القادمة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤكد خريشة أن النساء اضطررن بعد تدمير المصانع والشركات الكبيرة إلى ممارسة أعمال بديلة، فمنهن من تصنع الخبز على الصاج وتبيعه، وأخرى تخيط الملابس الممزقة للنازحين، وثالثة تصنع المنظفات يدوياً، وهذه النشاطات البسيطة هي التي تمنع الانهيار الكامل للمجتمع، فهي توفر سلعاً أساس للسكان وتوفر في الوقت نفسه دخلاً بسيطاً جداً للأسر يضمن بقاءها على قيد الحياة. وبهذا، فإن المرأة لم تعد مجرد متأثرة بالحرب، بل أصبحت العمود الفقري الذي يمنع انهيار ما تبقى من حياة اقتصادية واجتماعية في القطاع.
نشاطات المرأة
لم تقف المرأة في غزة متفرجة على الانهيار الاقتصادي السريع، بل حاولت كبح الكارثة من طريق تدشين مشاريع اقتصاد البقاء، ليس للربح بل لتوفير ثمن الوجبة القادمة أو مياه الشرب، وباتت تشكل هذه المشاريع ركيزة أساس للصمود الاقتصادي.
تتركز المجالات النشطة للنساء حول "صناعة الضرورات" وتشارك في قطاع التغذية من طريق إنتاج خبز الصاج وخبز الطابون باستخدام الحطب، وتحضير الوجبات السريعة الشعبية أو المعلبات المطبوخة، وأيضاً يشاركن في طحن الحبوب والبقوليات يدوياً وتعبئتها.
وفي قطاع الكساء يعملن على إصلاح وترقيع الملابس، وتحويل الأغطية إلى معاطف أو ملابس شتوية للأطفال وفي تعديل قياسات الملابس التي تصل عبر المساعدات لتناسب أفراد الأسرة، وأيضاً يعملن في مشروع جمع وتقطيع الحطب وتحويله إلى حزم صغيرة للبيع، وتصنعن المواقد الطينية الصغيرة.
استغلت النساء كل ثغرة في السوق المحلية لتوفير خدمات كانت سابقاً بديهية، فعملت في شحن الهواتف والبطاريات، وحكواتية تقدم الدعم النفسي في قصصها، ولجأ بعض النساء الخبيرات بالأعشاب إلى صناعة "مراهم" من زيت الزيتون وأعشاب معينة لعلاج الحروق البسيطة أو التسلخات الجلدية الناتجة من رطوبة الخيام.
مشاريع بقاء
حولت النساء المهارات الشخصية مثل الطهي والخياطة والأشغال اليدوية إلى أدوات اقتصادية، تخوض فيها معارك بقاء بدلاً من أن تكون مشاريع ريادية. وتقول الناشطة النسوية فلة قديح "في المشاريع الريادية الطبيعية، يطمح الشخص لتكبير مشروعه وتحقيق أرباح وتوسع، أما في غزة فالمعركة هي توفير ثمن ربطة خبز أو علبة دواء لليوم نفسه، إذا توقف المشروع ليوم واحد قد لا تجد الأسرة ما تأكله في ذلك المساء".
وتضيف "عمل النساء في مشاريعهن هو معركة بقاء فيها تحدٍ لوجيستي يومي للحصول على المواد الخام التي تضاعفت أسعارها 10 أضعاف، المبادرات هي خط الدفاع الأخير، إذ عندما تعيل امرأة أسرة نازحة في خيمة، فإن مشروعها الصغير هو الذي يحمي أطفالها من التسول أو الجوع الشديد".
تؤكد قديح أن عمل المرأة معركة لأنها تتطلب شجاعة فائقة، وتواجه عقبات مستحيلة، والفشل فيها لا يعني خسارة مالية فحسب، بل يعني تهديداً مباشراً لحياة الأسرة.
قصة مشغل هدى
كانت هدى تملك مشغلاً يضج بالحياة فيه أمتار من الحرير والدانتيل وماكينات حديثة تعمل بالكمبيوتر، وزبائن ينتظرون فساتين الزفاف بشغف، لكن في الحرب عندما قصف الجيش الإسرائيلي المربع السكني، فقدت السيدة مشروعها.
دخلت هدى في حال نفسية صعبة، كانت تجلس لساعات طويلة داخل الخيمة صامتة، وفي ليلة شتوية قاسية حين سمعت بكاء طفل في الخيمة المجاورة يرتجف من البرد، بينما ملابس المساعدات التي وصلت لأهله كانت كبيرة جداً ولا تقيه الصقيع، اشتعلت شرارة الخياطة في ذهنها، وحينها أدركت هدى أن خبرتها ليست ترفاً، بل ضرورة طبية وإنسانية.
خاطرت هدى بحياتها وعادت إلى ركام مشغلها المدمر، وأخذت تبحث عن ماكينة خياطة يدوية قديمة كانت تمتلكها والدتها قبل عقود، بدأت تنبش بين الأسمنت والحديد، وعندما لمحت مقبضها الحديدي الأسود شعرت كأنها وجدت قلباً لا يزال ينبض.
داخل خيمتها نصبت هدى ماكينتها، وبدأت مشروعاً عبقرياً، تأخذ "البطانيات" الثقيلة الزائدة على الحاجة أو الممزقة، وتقصها ببراعة الترزي المحترف لتحولها إلى سترات شتوية مبطنة للأطفال، لم يكن هناك كهرباء، فكانت تعتمد على قوة ذراعها لتدوير العجلة يدوياً.
موازين مقلوبة
تقول المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث "الحرب قلبت الموازين الاقتصادية، فالمرأة التي كانت شريكة أصبحت الآن المعيل الوحيد وسط انعدام كامل للموارد، عمل النسوة في غزة هو أقصى درجات المقاومة المدنية لأنه يهدف لمنع انهيار الأسر من الجوع".
وتمضي في حديثها، "في غزة نرى تأنيثاً قسرياً للفقر والمسؤولية، إذ وجدت أكثر من 57 ألف امرأة أنفسهن فجأة كأرباب أسر، يقع على عاتقهن تدبير لقمة العيش من تحت الركام وفي ظل سوق عمل مدمرة. المشاريع التي تديرها النساء اليوم في مراكز النزوح ليست مجرد أعمال تجارية، بل شرايين حياة. فكل امرأة تخبز أو تخيط داخل خيمتها هي في الحقيقة تدير وحدة إغاثة ذاتية تحمي مجتمعها من الانهيار التام".
وتتابع "لقد دمرت الحرب المنشآت، لكنها لم تكسر قدرة المرأة الغزية على الابتكار من أجل البقاء، إنهن يحولن الرماد إلى فرص، ويخلقن اقتصاداً موازياً في أصعب بقعة على وجه الأرض، يجب ألا ينظر العالم لنساء غزة كمستحقات للمساعدة فحسب، بل كقائدات للاقتصاد المحلي المتعافي، الاستثمار في مشاريع المرأة داخل القطاع هو الاستثمار الأضمن لمنع حدوث مجاعة شاملة".
محاولات إسناد
نشطت عدة جهات لمحاولة إسناد المشاريع النسوية لضمان استمراريتها، أبرزها مشروع "الصلادة الاقتصادية"، وهو مبادرة لاتحاد لجان العمل الزراعي تهدف لتمكين النساء عبر وحدات تصنيع غذائي لتعزيز الأمن الغذائي المحلي.
يركز "صلادة الاقتصاد" على إنشاء وحدات تصنيع غذائي داخل المجتمعات المحلية، هذه الوحدات تعمل كمعامل صغيرة لإنتاج وتخزين الأغذية الأساس باستخدام موارد محلية وأدوات تتناسب مع انقطاع الكهرباء والغاز، ويستهدف المشروع نحو 150 امرأة.
يقول مدير اتحاد لجان العمل الزراعي محمد البكري "نعمل على تمكين المرأة لأنها خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي للأسرة، ونسهل الوصول والسيطرة على مصادر رزقهن، لأن استقلال المرأة مادياً هو الضمان الوحيد لصمود الأسرة الفلسطينية".
ويضيف "المرأة الغزية أثبتت جدارة فائقة في تحويل الموارد البسيطة المتاحة إلى وحدات إنتاجية تكسر حدة المجاعة المصنوعة بشرياً، نحن لا نعطي النساء طعاماً، نحن نمكنهن من صناعته بأنفسهن ليكون السلاح في وجه الجوع هو الإنتاج المحلي، الصلادة الاقتصادية تعني أن تظل المرأة واقفة على قدميها حتى لو دمر متجرها فمهارتها في التصنيع الغذائي هي رأس مالها الذي لا يُدمر".