Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ورد غزة... من "مملكة الحرير" إلى ركام الغبار

60 مليون زهرة كانت تشارك سنوياً في البورصة

يحتل ورد غزة المرتبة الثانية عالمياً بعد الورود الهولندية (رويترز)

ملخص

قصة مزارع الورد التي تحولت من مملكة للحرير إلى مقبرة للجمال.

يقف غسان على أطراف مزرعته التي كانت يوماً "مملكة الحرير"، ينظر إلى وردة بيضاء اختلطت أوراقها الرقيقة بدخان الحرب والتراب الرمادي، يتفقد البيوت البلاستيكية التي تحولت إلى هياكل ممزقة بعدما خرقت شظايا القذائف الإسرائيلية النايلون الذي يحمي الورد من البرد وأشعة الشمس، قبل أن يطاول التدمير بجنازير الدبابات مساحات كبيرة كانت تفوح منها رائحة المزيج العطري.

 

رقصة الألوان والندى

لم يعد هناك حرير ولا عطر، بل ركام يسكنه الصمت والغبار، يتذكر كيف كان يدخل دفيئاته مع أول خيط من الفجر، فتستقبله رائحة المنثور المختلطة برطوبة الأرض العذبة، وحينها يمر بين صفوف القرنفل كما الأب بين أطفاله، ويتأكد من استقامة ساق "ريد ناومي" (نوع من الورد الجوري) التي كانت تستعد لتسافر عبر البحار لتزين بيوت هولندا وفرنسا.

قال غسان "كان القطف يدوياً بحنو بالغ، وكأن المقص يهمس للزهرة، لقد حان وقت رحيلك لتُضيئي العالم، كانت الألوان تشع تحت سقف البلاستيك الشفاف، أحمر قان وأصفر ذهبي وبنفسجي يسر الناظرين، في مشهد يضج بالحياة والأمل".

تقع أرض غسان غرب خان يونس، وكان موسم زراعة الورد فيها يبدأ في ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، ويقطف في مايو (أيار)، "عائلتي بدأت في زراعة الورد منذ عام 1980 على مساحة 100 دونم (الدونم يساوي عادة 1000 متر مربع) توارثناها أباً عن جد، وكانت مصدر الدخل الوحيد طوال هذه السنوات، وأقطف منها أكثر من 10 آلاف وردة أصدرها إلى مزاد وبورصة الورد في هولندا".

أضاف غسان "الورد كل حياتي، من طفولتي أتولى زراعته والاهتمام به، وكنت أقضي يومي بأكمله من الفجر حتى العشاء، وكانت الفرحة تغمرني عندما ننجح في تصدير ورد القرنفل من معابر غزة إلى هولندا، وخلال يوم واحد يصل الأسواق الأوروبية".

رماد يسحق الذاكرة

بعد الحرب تغير المشهد تماماً، الدفيئات التي كانت تحتضن الجمال صارت هيكلاً من حديد ونايلون ممزق يئن مع كل هبة ريح، بدلاً من عبير القرنفل الذي تخنقه رائحة البارود وغبار الحجارة المسحوقة.

 

تابع غسان "الورد الذي كان يتنفس الندى، دفن تحت الركام، وتحول بريق ألوانه إلى لون واحد كئيب الرمادي. لا توجد أصوات لعصافير الصباح، بل صرير الحديد المهدم ووقع خطاه على زجاج المبردات المحطمة التي كانت يوماً تحفظ سبات الزهور قبل رحلتها العالمية".

بينما كانت يداه قبل الحرب تتسخان بتراب الخصوبة ليزرع شتلة ورد جوري جديدة، يقبض اليوم بيديه المرتجفتين على تراب ملوث بمخلفات الحرب، وبينما كان يقلق من درجة حرارة المبردات، صار قلقه البحث عن حطام خشب الدفيئات المدمرة ليشعل ناراً يغلي عليها ما يسد رمق عائلته.

تمتم، "انطفأ العطر، ولم يتبقَّ من الربيع إلا ذكرى وردة كانت يوماً ما لغة غزة التي يفهمها كل العالم، والآن لا أحد يسمع صراخ جذورها تحت الأنقاض".

الورد تحت جنازير الدبابات

يحتل ورد غزة المرتبة الثانية عالمياً بعد الورد الهولندي من حيث الجودة، وبسبب مكانته أطلق عليه "سفير غزة إلى العالم"، إذ كانت زراعة الورد من أعرق الزراعات، وقد ظل محتفظاً بمكانته في البورصة الدولية حتى عام 2023، إلى أن بدأت الحرب الإسرائيلية على القطاع.

في الحرب لحق بقطاع زراعة الورد في غزة دمار صادم، لا يتعلق فقط بفقدان الأزهار، بل هي قصة محو كامل لصناعة كانت تصدر ما يصل إلى 60 مليون زهرة سنوياً إلى البورصات العالمية في هولندا.

تسبب القتال بإبادة المساحات الخضراء والتربة، حيث تضرر أو تعذر الوصول إلى ما نسبته 96 في المئة من الأراضي الزراعية في القطاع، لم يكن الدمار سطحياً، بل شمل تجريف التربة بعمق، ما أفقدها خصوبتها وجعلها غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة، وأدى استخدام الأسلحة والقصف المكثف إلى تلوث التربة بمواد كيماوية ومعادن ثقيلة، إضافة إلى تسرب مياه الصرف الصحي والملوحة، مما قضى على البيئة الحساسة التي يحتاج إليها الورد لينمو بجودة التصدير.

في المجاعة اضطر القلة من المزارعين الذين بقوا في أراضيهم إلى اقتلاع شتلات الورد المتبقية لزراعة محاصيل تؤكل كالبصل، في محاولة يائسة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء للبقاء على قيد الحياة، وبسبب الحرب فقدت غزة سلالات نادرة من الزهور التي كانت تعرف بـ"سفير غزة"، بعد تدمير المشاتل الأم.

وتسبب إغلاق معبر كرم أبو سالم المنفذ الوحيد للتصدير أمام الورد، بخسائر مالية كبيرة، وفقد أكثر من 94 في المئة من المزارعين مصدر دخلهم الأساس، وتحول "سفير غزة" من رمز للازدهار والعطر والألوان إلى مشهد رمادي يطغى عليه الركام، بعدما سحقت آلة الحرب القطاع الذي كان يربط غزة بجمال العالم، وذكرى مؤلمة في ربيع بلا ورد.

لماذا سمي "سفير غزة"؟

لم يكن تعبير "سفير غزة" مصطلحاً عابراً، بل لأن الورد المحصول الأبرز الذي كان يصدر من القطاع إلى الأسواق الأوروبية، بخاصة هولندا، وتم إطلاق هذا الوصف لأسباب تاريخية واقتصادية عدة.

في السياق قال متحدث وزارة الزراعة محمد أبو عودة "كانت الزهور الغزية، بخاصة القرنفل والجوري، تنافس أرقى أنواع الزهور العالمية في بورصة الزهور الهولندية من حيث الجودة واللون وطول الساق، والأزهار المنتج الوحيد الذي يمنح بطاقة تعريفية ويحمل اسم غزة، ويصل إلى منازل ملايين الأوروبيين في المناسبات السعيدة، لقد كان ورد غزة يخاطب العالم بلغة الجمال بعيداً من صور الحرب والدمار".

تصدر غزة ما يصل إلى 60 مليون زهرة سنوياً، مما جعلها حاضرة في الأسواق العالمية بصورة دائمة.

قال منسق مشاريع الدعم الهولندي للزراعة التصديرية في فلسطين هاري مولينار "تقارير البورصة تشير إلى أن زهور غزة تتمتع بجودة تنافسية استثنائية، زهرة القرنفل الغزية تمتاز بساق قوية وبتلات متماسكة تجعلها تعيش طويلاً في المنازل الأوروبية، مما يجعلها مطلوبة بشدة في مزادات الشتاء"، مضيفاً "نمنح الزهور الغزية شهادات جودة تسمح لها بالدخول إلى الأسواق العالمية تحت علامات تجارية فاخرة، المزارع الغزاوي لديه قدرة مبهرة على إنتاج جمال فائق في ظروف شديدة التعقيد، لهذا تدخلنا لمساعدتهم وباتت هولندا الشريك الاستراتيجي الأول، وقدمت الأشتال والأدوية الزراعية وسهلت عمليات التصدير عبر مؤسساتها المتخصصة".

كانت مؤشرات وردة غزة مبهرة في إحدى بورصات هولندا المتخصصة، ووصول أزهار القطاع المحاصر إليها يعني دخولها إلى المنصة العالمية، حيث تباع الزهور هناك، ثم يعاد شحنها إلى أميركا وكندا ودول أوروبا.

وتابع مولينار "كانت غزة الدفيئة الطبيعية التي تمد هولندا بالزهور، في الشتاء عندما تنخفض الحرارة في هولندا بشدة ويتوقف الإنتاج الطبيعي، تكون غزة دافئة ومشمسة، مما جعل غزة تتحول إلى يد العون في ذروة الحاجة الأوروبية بخاصة في أوقات الكريسماس وعيد الحب".

كانت غزة تصدر الورد بعد قطفه مباشرة. وقال عميد مزارعي الورد تحسين الحشاش "العملية كانت تشبه السباق مع الزمن لضمان وصول الورد نضراً، تقطف الزهور في مزارع رفح وبيت لاهيا مع أول ضوء للفجر، وتنقل فوراً إلى مخازن مبردة وتوضع في محلول كيماوي خاص يطيل عمر الزهرة، ثم تشحن في شاحنات مبردة عبر معبر كرم أبو سالم إلى مطار بن غوريون، تنقل جواً لتصل إلى هولندا في غضون 24 ساعة كحد أقصى، لتكون معروضة في مزادات الصباح بمدينة ألسيمر".

غاب "السفير" بأنواعه

أضاف الحشاش "لكن سفير غزة اليوم غائب، لقد سحقت الحرب المزارع، مما يعني خروج غزة من خريطة الموردين العالمية، كما سحقت الشتلات التي كانت ترسلها هولندا لتزرع في غزة، وهي شتلات لا يمكن تعويضها بسهولة"، وأوضح أن "السفير تحول إلى لاجئ، ولم يعد يزور ألمانيا التي كانت من أكبر الأسواق المستهلكة للورد الغزي، بخاصة في مواسم الأعياد، ولا يدخل المملكة المتحدة ولا بلجيكا، حيث كانت غزة ترسل في سنوات الذروة ما بين 40 و50 مليون زهرة سنوياً، بقيمة اقتصادية تتجاوز ثمانية ملايين دولار، لكن منذ عام 2023، توقفت هذه الرحلة تماماً، بعد تدمير قطاع زراعي استثنائي استغرق بناؤه عقوداً، ولم تعد زهور القرنفل ذات الميزة التنافسية بسبب الألوان النادرة والمطلوبة تتربع على عرش هولندا، واختفى الورد الجوري وزهرة الجيربيرا ذات الألوان الزاهية جداً مثل الأصفر والبرتقالي والوردي، ولم تعد تستخدم في تنسيق الباقات العصرية في بريطانيا وألمانيا".

وأشار عميد مزارعي الورد "إلى أن غزة توقفت أيضاً عن إنتاج الجبسوفيلا، تلك الزهور البيضاء الصغيرة التي تزين باقات العرائس، وزهور الليليوم والمنثور التي كانت تزرع خصيصاً بسبب رائحتها العطرية الفواحة التي يفتقدها كثير من الزهور المهجنة في أوروبا. كل هذه السلالات التي تم تطويرها عبر عقود تلاشت، المزارعون اليوم يعيشون حسرة فقدان بنوك الجينات الزراعية الخاصة بهم، سحقت البيوت البلاستيكية التي كانت تحتضن هذه الأنواع الحساسة".

أرقام مملكة الورد

تدمر قطاع زراعة الورد تدريجاً في غزة، قبل عام 2007 كانت المساحة المخصصة لزراعة الورد تتجاوز 12 ألف دونم (الدونم يساوي عادة 1000 متر مربع)، لكن عندما وصلت غزة لعام 2023 كانت المساحة قد تقلصت بصورة حادة نتيجة الحصار وصعوبات التصدير لتصل إلى نحو 3 آلاف دونم فقط.

بحسب بيانات وزارة الزراعة، كانت غزة تنتج ما بين 60 و80 مليون زهرة سنوياً، لكن الحرب أدت لتدمير 90 في المئة من الدفيئات الزراعية المخصصة للورد، وتجريف معظم الدونمات التي كانت تضم دفيئات للورد، ودمرت المشاتل التي كانت تحتفظ بالأمهات الشتلات الأصلية.

وشرح عميد مزارعي الورد "كان الدونم الواحد يمثل مصدر رزق لأربع إلى ست عائلات تعمل في القطف والتغليف، ومع سحق هذه المساحات، فقدت آلاف العائلات فرص العمل المرتبطة بهذا القطاع الجمالي، كان الورد يوفر فرص عمل لنحو 15 ألف عامل تشمل المزارعين والعمال المتخصصين في القطف والمهندسين الزراعيين المشرفين على الدفيئات، وعمال التغليف والفرز والنقل المبرد، وموظفي شركات التصدير والتخليص الجمركي، جميعهم فقدوا مصدر رزقهم".

وتشير بيانات وزارة الزراعة إلى أن الورد كان يدر على غزة سنوياً ما بين 8 و12 مليون دولار من التصدير، و3 ملايين دولار من التسويق المحلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حزن عميق

في السياق عبر المزارع صهيب عن حزن عميق قائلاً "قضيت عقوداً في تطوير سلالات القرنفل والجوري لتناسب أذواق أوروبا، والآن أجد نفسي أقتلع هذه الشتلات الغالية لزراعة البصل، كنت أتمنى لو أخذت عند نزوحي أي شتلة ورد من أرضي، أشعر بهزيمة كبيرة".

موقف إسرائيل وردّ هولندا

تعتبر إسرائيل أن تدمير قطاع الزراعة ومزارع الورد أثناء الحرب كان ضرورة أمنية لمنع استخدام "حماس" البنية التحتية المدنية.

وقال وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش "نحن نعمل في مناطق معقدة، حيث تستخدم الفصائل الدفيئات الزراعية والمناطق المفتوحة لأغراض عسكرية، لذا فإن تجريف هذه المناطق هو ضرورة عملياتية لتأمين قواتنا وكشف الأنفاق".

وعن رفض تصدير ورد غزة أجاب "لن نسمح بنقل الأموال أو البضائع التي تقوي اقتصاد غزة، السياسة هي السيطرة الكاملة على ما يدخل وما يخرج لضمان تجريد القطاع من قدراته، إضافة إلى أن المعابر مغلقة أمام الصادرات التجارية بسبب الوضع الأمني القائم".

ووجد منع تصدير الورد وتدمير المنشآت الزراعية الممولة من هولندا رداً غاضباً. وقالت وزيرة الخارجية الهولندية السابقة هانكه بروينس سلوت "لقد استثمرت هولندا لسنوات في مشاريع المياه والزراعة في غزة لإعطاء الناس هناك مستقبلاً، تدمير هذه البنية التحتية أمر غير مقبول، ونحن نطالب إسرائيل بتقديم إجابات واضحة حول استهداف المنشآت التي تحمل شعار التعاون الهولندي"، وأضافت "ما تفعله إسرائيل ليس مجرد عمليات عسكرية، بل هو محو لمنجزات السلام الاقتصادي، إنهم يقتلعون الورد الذي كان يصل إلى بيوتنا في أمستردام، وهذا يقطع الخيط الأخير الذي كان يربط غزة بالعالم الخارجي، تراقب الحكومة الهولندية بقلق شديد التدمير المنهجي للأصول الزراعية في قطاع غزة، إن سحق مزارع التصدير لا يخدم الأهداف الأمنية، بل يقوض قدرة المجتمع على التعافي الذاتي، ونحن نحتفظ بالحق في المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بمشاريعنا".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات