Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألواح الطاقة الشمسية تتحدى العتمة في غزة

تحولت إلى عملة صعبة بسبب الانقطاع الكلي للتيار الكهربائي في القطاع منذ أكتوبر

امتلاك لوح شمسي في مركز نزوح يعني امتلاك ماكينة لإنتاج المال يومياً (رويترز)

ملخص

في الحرب، توقفت إمدادات الكهرباء في القطاع، بصورة كاملة، جراء عوامل عدة، قطع الخطوط الإسرائيلية التي كانت تزود غزة بنحو 120 ميغاواط، ونفاد وقود محطة توليد الكهرباء الوحيدة بسبب منع دخول الوقود الصناعي اللازم لتشغيلها، وتدمير شبكة التوزيع بسبب القصف الذي طاول المحولات والكابلات.

في قلب منطقة المواصي (جنوب القطاع)، حيث تتزاحم الخيام، يقيم العم أبو عزام داخل خيمة تعلوها ألواح شمسية.

ويتابع أبو عزام حال الطقس يومياً من نافذة صغيرة في خيمته، فعندما تكون السماء صافية يعلن للناس "اليوم الشحن طيارة… والوصلة بدولار" (في إشارة إلى وفرة الطاقة وسهولة الشحن)، أما عند تلبد الغيوم، فيضطر إلى تقنين الخدمة ورفع سعر الوصلة إلى 1.2 دولار، مقتصراً على الزبائن الموثوقين، في ظل أزمة طاقة خانقة يعيشها القطاع.

داخل الخيمة يتحول المشهد إلى غرفة عمليات بدائية، تتمدد غابة من الأسلاك الملونة.

في الزاوية، تئن بطارية سيارة قديمة، "قلب النظام" النابض بطنين مستمر، يضع أبو عزام فوقها قطعة قماش مبللة بالماء لتبريد سخونتها، وإلى جانبها جهاز لتحويل ضوء الشمس إلى طاقة كهربائية.

 

غزة بلا كهرباء

في غزة، تحولت ألواح الطاقة الشمسية إلى ما يشبه العملة الصعبة بسبب الانقطاع الكلي للتيار الكهربائي منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، ولم تعد هذه الألواح مجرد وسيلة لتوليد الطاقة، بل أصبحت أصلاً استثمارياً عالي القيمة تؤمن لقمة العيش.

في الحرب، توقفت إمدادات الكهرباء في القطاع بصورة كاملة جراء عوامل عدة، قطع الخطوط الإسرائيلية التي كانت تزود غزة بنحو 120 ميغاواط، ونفاد وقود محطة توليد الكهرباء الوحيدة بسبب منع دخول الوقود الصناعي اللازم لتشغيلها، وتدمير شبكة التوزيع بسبب القصف الذي طاول المحولات والكابلات.

تجاوزت خسائر قطاع الكهرباء في غزة حاجز الـ750 مليون دولار وفقاً لآخر تقديرات سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن عملية إعادة بناء قطاع الطاقة ستحتاج إلى 2.73 مليار دولار.

وأدت الحرب إلى حرمان الغزيين من مصادر الكهرباء المعتادة، إذ فقد القطاع الوصول إلى 100 في المئة من مصادر الطاقة التقليدية (الخطوط الإسرائيلية ومحطة التوليد الوحيدة).

هذا الانقطاع جعل غزة تعتمد بنسبة 100 في المئة على ما يتم إنتاجه محلياً وفردياً عبر الألواح الشمسية، ولأن هذه الألواح لا تكون فعالة إلا بوجود الشمس، تحولت ساعات النهار إلى "وقت ذروة" للتجارة والشحن، وأصبح كل نازح يمتلك لوحاً شمسياً بمثابة "محطة كهرباء خاصة" تبيع الطاقة للجيران والنازحين حوله.

طلبات الشحن والتسجيل

يبدأ أبو عزام بتسلم طلبات الشحن، صباحاً، حيث تتحول الخيمة إلى ما يشبه "مركز صرافة"، لكن العملة المتداولة هي الواط، ويقف الناس طابوراً يحملون هواتفهم الجوالة وغالونات مياه وبطاريات فارغة.

يتناول أبو عزام الهاتف من النازح الأول ويضع ابنه ساري "لاصقة الاسم"، ويتقاضى دولاراً مسبقاً قبل الشحن "هذه هي القاعدة، الدفع عند التسلم، والواط لا يرد ولا يستبدل".

على خشبة بسيطة يتم وضع الهواتف مع أسماء أصحابها وأولويات شحنها.

ساعة من عمر الشمس

فجأة، توقفت آلة الحلاقة عند الجار مروان، فيصرخ أن الساعة انقضت. هنا ينتقل العمل إلى نظام الزمن، الحلاق يشتري ساعة من عمر الشمس، يدفع ثلاثة دولارات مقابل 60 دقيقة من الدوران المستمر لآلته، وكل دقيقة تمر من دون زبون هي "واط ضائع" من ماله.

في زاوية خيمة الشحن ظهرت ملامح "واط المقايضة"، جاءت امرأة مسنة تحمل هاتفاً قديماً وبطارية إضاءة، وقالت بحياء "هذه علبة فول من مساعدات الأمم المتحدة"، هز أبو عزام رأسه بالموافقة، وضع هاتفها في الشحن وأخذ العلبة، ففي قانون المخيم "علبة الفول تساوي شحنة كاملة حتى الصباح".

أما المشهد الأكثر إثارة فكان وصول وسيط الشحن، شاب يجر عربة صغيرة محملة بـ10 هواتف جمعها من خيام البعيدين الذين لا يستطيعون المجيء، دخل في مفاوضة سريعة مع أبو عزام ليعطيه سعر الجملة، يقول العم "هكذا تدار البورصة، تارة بالمال وتارة بالزمن وتارة بلقمة العيش، كلما ارتفعت الشمس في السماء انتعشت سوق الألواح الشمسية، وزاد تدفق الواطات في تلك الأسلاك".

يوفر العم أبو عزام خدمة الشحن السري، وهي مخصصة للصحافي والمسعف اللذين يحتاجان إلى شحن هاتفيهما بسرعة قصوى للعمل.

اقتصاد الضرورة

تحول ألواح الطاقة الشمسية إلى عملة صعبة في غزة لم يكن مجرد نتيجة الحاجة إلى الكهرباء، بل كان نتاج اقتصاد ضرورة فرضته ظروف الحرب القاسية.

في السياق قال الباحث الاقتصادي ماجد حبوب "ثمة عوامل كثيرة جعلت من اللوح المادي عملة تفوق قيمتها النقدية، في أي اقتصاد تكتسب السلعة قيمة العملة عندما تكون نادرة ومطلوبة من الجميع، إذ بعد قطع إسرائيل الكهرباء ومنع دخول الوقود للمولدات، أصبح اللوح الشمسي هو المصدر الوحيد المستدام للبقاء، ومن يمتلك لوحاً يمتلك القدرة على الاتصال والإضاءة وحتى تشغيل أجهزة التنفس الصناعي المنزلية، وهي حاجات لا يمكن مقايضتها بالمال إذا لم توفرها الطاقة"، أضاف "العملة الصعبة هي التي تولد قيمة مستمرة، النازح الذي يمتلك لوحاً شمسياً في خيمته لم يعد مجرد مستهلك بل أصبح تاجر طاقة، يبيع شحنة الهاتف بدولار، وشحنة البطارية بثلاثة دولارات، إن لوحاً واحداً بقدرة 600 واط يمكنه تحقيق دخل يومي يصل إلى 50 دولاراً، مما يجعله استثماراً أضمن من الاحتفاظ بالسيولة النقدية التي تفقد قيمتها أمام غلاء الأسعار".

في غزة، يعني امتلاك لوح شمسي في مركز نزوح امتلاك ماكينة لإنتاج المال يومياً، ونتيجة هذه الأهمية قفز سعر لوح الطاقة الشمسية 600 واط من 130 دولاراً قبل الحرب إلى مبالغ تصل إلى 3 آلاف دولار تبعاً لحالته وجودته.

غزة من بين المدن الأكثر اعتماداً على الألواح الشمسية

مع انتصاف النهار تتحول خيمة أبو عزام إلى خلية نحل حيث لا مكان للراحة، لم تعد الكهرباء هنا مجرد إنارة، بل هي المحرك الذي يدير اقتصاد الخيام المحيطة، خلف غابة الأسلاك يجلس ابنه ساري وقد تحول إلى ما يشبه موظف بنك، يمسك بدفتر الحسابات، يسجل الهواتف الداخلة والخارجة، ويصنفها حسب "نوع الشحنة".

يصرخ ساري "خيمة أم العبد بدها شحنة تبخيرة للولد الصغير"، يفسح له أبو عزام مكاناً، ويفصل شاحن هاتف ليضع مكانه قابس جهاز التبخيرة، يقدم العم "الواطات الطبية" مجاناً.

قبل اندلاع الحرب كان قطاع غزة يمتلك واحدة من أعلى كثافات أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح في العالم، تشير بيانات سلطة الطاقة الفلسطينية إلى أنه في تلك الحقبة كان عدد أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح نحو 13 ألف نظام موزعة على المنازل والمنشآت.

في الكيلومتر المربع الواحد بلغت كثافة الانتشار نحو 655 لوحاً شمسياً وهي كثافة عالمية غير مسبوقة، كان يعتمد عليها ما لا يقل عن ثلث سكان القطاع وأكثر من 50 في المئة من المنشآت التجارية والخدمية لتوليد الكهرباء، وتسهم في إنتاج 70 ميغاواط.

أدى الاستهداف المباشر وغير المباشر للمباني والمنشآت في قطاع غزة إلى تدمير شبه كامل للمنظومة الشمسية، مما حول القطاع من نموذج عالمي في الطاقة المتجددة إلى أطلال طاقة ترمم بالوسائل البدائية، إذ تشير التقديرات إلى أن 90 في المئة من هذه الأنظمة قد تضررت أو دمرت بالكامل.

من تحت الركام

لم تكن بداية أبو عزام مع هذه البورصة سهلة، بل كانت معمودية من نار وركام، لم يشتر ألواحه من متجر، بل خاض لأجلها معركة تنقيب بين أنقاض منزله الذي دمره الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة.

يتذكر أبو عزام تلك اللحظة وكأنها حدثت قبل دهر، حين عاد إلى أنقاض بيته بعد انسحاب الآليات، لم يبحث عن أثاثه أو ثيابه بل كان هتافه الوحيد "الألواح… أين الألواح؟"، تحت سقف الطابق الثالث الذي انهار، لمح طرفاً زجاجياً يلمع تحت غبار الركام.

بدأ التنقيب بأظافره قبل معوله، رفع كتلة أسمنتية ضخمة بمساعدة جيرانه، لم تكن الألواح كما تركها لامعة ومستوية فوق القواعد الحديدية بل خرجت وهي تحمل "وشم الحرب".

كان اللوح الشمسي الأول مجزأً، إذ اخترقت شظية قذيفة وسطه فأحدثت ثقباً بقطر كف اليد، وتفرعت منه شقوق عنكبوتية امتدت لتغطي نصف مساحته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما اللوح الثاني فقد تضرر بشدة، إذ تحطم زجاجه العلوي بالكامل تحت ضغط الانفجار، فغدا سطحه خشناً كجلد السمك، غير أن خلاياه الداخلية ظلت تعمل بإصرار على رغم الأذى.

مسح أبو عزام الغبار بقميصه، كانت حال الألواح تصنف في "بورصة الأنقاض" بأنها "ألواح فئة ج"، وهي الألواح التي فقدت 40 في المئة من كفاءتها، لكنها تمتلك روحاً قادرة على توليد تيار يكفي لشحن الهواتف.

قام أبو عزام بعملية الترقيع التقني، فاستعان بمادة "السيليكون" الشفاف لسد الثقوب ومنع تسرب الرطوبة للخلايا، وغلف اللوح المكسور بطبقة من النايلون الحراري ليعوض الزجاج المفقود ويحمي الأسلاك العارية.

وصرخ فرحاً حين تبين له أن اللوح الشمسي فعال.

دمار لم يسبق له مثيل

في الواقع، جاءت الألواح الشمسية في غزة من ثلاث مصادر أساسية، الأول الإرث المسبق قبل الحرب، والثاني الاستخراج من تحت الأنقاض، وأخيراً ما تبقى منها في مخازن الشركات التي لم تقصف.

في السياق قال رئيس سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية أيمن إسماعيل "تعمدت إسرائيل استهداف أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل والمستشفيات والمرافق العامة، لأنها كانت الملاذ الأخير والوحيد للمواطنين للحصول على الكهرباء والمياه بعد قطع المصادر التقليدية"، وأضاف "الدمار في قطاع الطاقة ككل لم يسبق له مثيل، أكثر من 70 في المئة من منظومة الطاقة الشمسية خرجت عن الخدمة بسبب القصف المباشر، مما أفقد القطاع عشرات الميغاواطات من الطاقة النظيفة. غزة تعيش حال ظلام تام، وتدمير الألواح الشمسية في مراكز الإيواء والمستشفيات كان يهدف إلى شل الخدمات الأساسية ومنع تشغيل آبار المياه ومحطات التحلية الصغيرة".

مبررات إسرائيل

تبرر إسرائيل تدمير قطاع الكهرباء وأنظمة الطاقة الشمسية في غزة بحجة الأهداف العسكرية ومنع وصول الموارد لحركة "حماس".

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "الكهرباء سواء من الخطوط الإسرائيلية أو محطة التوليد هي مورد مزدوج الاستخدام يخدم البنية التحتية لـ’حماس‘ وأنفاقها قبل أن يخدم المدنيين"، مضيفاً "أنظمة الطاقة الشمسية ليست مجرد وسيلة إضاءة للمدنيين، بل هي مصدر طاقة للأنفاق حيث ربطت ’حماس‘ شبكات الطاقة الشمسية فوق المنازل والمستشفيات بنظام تهوية وإضاءة الأنفاق الأرضية، المشكلة ليست في نقص الطاقة، بل في أن ’حماس‘ تضع يدها على كل موارد الطاقة المتوافرة وتستخدمها لأغراضها، تدمير الألواح والشبكات يأتي لمنع ’حماس‘ من الاستيلاء على هذا المورد لتعزيز صمودها العسكري وهو جزء من تجفيف المنابع".

كل تلك المبررات لا تهم أبو عزام الذي يبدأ مع مغيب الشمس، بإجراءات إغلاق نقطة الشحن، يسحب الأسلاك الطويلة الممتدة لخيمة الحلاق مروان، ويعتذر بابتسامة متعبة لمن جاء متأخراً "انتهى اليوم... الشمس لم يعد فيها حيل" (في إشارة إلى أن الشمس لم تعد قادرة على تلبية حاجات الشحن بالطاقة).

واط القراءة

في هذه اللحظة تتحول الألواح من تجارة إلى حياة خاصة، نظر أبو عزام إلى جهاز قياس البطارية، لقد احتفظ بالواطات الأخيرة ككنز استراتيجي، هذه الطاقة المتبقية ليست للبيع، مهما دفع الزبائن، فهي مخصصة لغرض ساعة العلم.

داخل الخيمة، وفي زاوية بعيدة من ضجيج اليوم يضاء مصباح صغير، يمكن ساري وأخته الصغيرة، من قراءة كتاب مهترئ نجوَا به من تحت الأنقاض.

ختم أبو عزام كلامه وهو يراقبهم "كل ما جمعناه من الشحن اليوم لا يعادل هذه اللحظة، بالنسبة إليَّ الواط الذي يشحن هاتفاً هو خبز، والواط الذي يشغل ماكينة حلاقة هو سترة، لكن الواط الذي يضيء كتاب صغاري هو المستقبل الذي يحاول القصف إطفاءه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير