Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شعراء غزة يكتبون وصاياهم الأخيرة بمداد الجوع والنزوح

أكثر من 45 فناناً وكاتباً وناشطاً ثقافياً سقطوا في الحرب والباقون يجمعهم الإبداع في الخيم

تشهد خيام النازحين حراكاً ثقافياً يشمل أنشطة متعددة (أ ف ب)

ملخص

بين ركام البيوت وتحت سقف الخيم التي لا ترد برداً ولا تستر وجعاً، برزت أصوات شعرية كثيرة اتخذت من الخيم واليوميات القاسية موضوعاً لكتاباتها، محولةً الألم الفردي والجمعي إلى نصوص توثيقية وشاهدة على المرحلة الصعبة التي تعيشها غزة.

تحت سقف من قماش لا يرد بأس الريح، وفي زاوية ضيقة من خيمة نازح، يجلس الشاعر ناصر رباح، يرتكز بظهره إلى وسادة محشوة بالقلق، واضعاً ركبته "مكتباً" اضطرارياً، بينما يملأ صوت  طائرة الاستطلاع الإسرائيلية "الزنانة" الفراغ الثقيل، كأنها تحاول اختراق مسودة قصيدته الجديدة.

لقد عاد ناصر للتو من رحلة "البحث عن الحياة" رحلة بدأت منذ الفجر في طابور الخبز الممتد كأفعى بشرية، هناك حيث يختلط عرق الآباء بغبار الطحين، رصد بعين الشاعر كيف يتحول الرغيف من طعام بسيط إلى "أمنية مستحيلة"، وعندما عاد إلى مأواه في  معسكر النزوح جلس يكتب قصيدة تجسد الواقع المأسوي الذي يعيشه مجتمعه في قطاع غزة.

على كرياتين المساعدات

لم يجد ورقاً ليفرغ ثقل المشهد، فتناول ناصر كرتونة معلبات فارغة قد تسلمها كمساعدة غذائية طارئة من برنامج الأغذية العالمي، وبقلم جاف يصارع النفاد، بدأ يحفر كلماته حفراً، محولاً خشونة الورق إلى نص ينبض بالواقعية المفرطة.

كتب ناصر في مسودته، وهو يستذكر عجز الأب أمام صغاره "نحن الآن لا نكتب قصائد، نحنُ نكتب كشفاً بأسماء ما نسيناه من رغبات… الخبز ليس رغيفاً دائرياً وحسب، إنه المعجزة التي ننتظرها خلف شاحنة الطحين".

لم تكن مجرد قطعة كرتون، بل كانت "خريطة النجاة" لروحه، فمسوداته الكرتونية التي كتبت بعرق الطوابير ودموع الليالي الباردة، يعتبرها طفله يخبئها بعناية بين قميصه وجلده، يصطحبها معه إلى كل صالون ثقافي يحضره، يسير بها ويشعر بمدبات (الزوايا المدببة) الكرتون تغرس في صدره مع كل خطوة، لكنه لم يبال، ففي تلك القصاصات يسكن رفاقه الذين استشهدوا، وأسماء صغار جاعوا، ورائحة بيته الذي صار أثراً بعد عين.

منتدى ثقافي

لم يكتف ناصر بتدوين الألم وحده، بل قرر أن يجعل من خيمته الصامتة "ميداناً للبوح"، بدأ بالتحشيد لصالون ثقافي عفوي، داعياً من تبقى من "نخبة الوجع" من شعراء وكتاب نازحين في الخيم المجاورة، وتحت ضوء هاتف محمول شحيح، بسرعة اكتظت الخيمة بالحضور، جلسوا على الحصير، تشاركوا همس الكلام هرباً من ضجيج الموت، وألقى ناصر قصيدته التي كتبت على الكرتون، ليعلن أن "الإنسانية" هي الرغيف الحقيقي الذي يتقاسمونه الآن.

 

بعدما انتهى من إلقاء كلمات "وطنه الورقي" يقول الشاعر ناصر "البيوت قد تسقط، والخيم قد تمزق، لكن النص الذي كتب على كرتونة مساعدات سيظل شاهداً على أننا مررنا من هنا، وأننا رغم كل شيء لا زلنا نمل لغة لا تستطيع المدافع كسر أوزانها".

أنهى ناصر أمسيته باقتباسٍ يصف حال الخيمة التي احتضنتهم قائلاً "ليست الخيم بيوتاً، إنما هي جروح بيضاء على جسد الرمل... الخيمة لا تحمي من القصف، لكنها تخجل من دمعنا".

في ذلك المساء، لم يطعم ناصر ضيوفه خبزاً، لكنه أطعم أرواحهم قصائد جعلت من "الخيمة المهترئة" وطناً شامخاً يتسع لكل أحلامهم الموءودة، غادر الجمع الصالون الثقافي ولكن الشاعر بدأ يفكر كيف يوسع اللقاءات الشعرية وينهض بها من تحت الأنقاض لتجسد الأبيات واقعاً مؤلماً يعيشه سكان غزة.

القلم وسيلة بقاء

بين ركام البيوت وتحت سقف الخيم التي لا ترد برداً ولا تستر وجعاً، برزت أصوات شعرية كثيرة اتخذت من الخيم واليوميات القاسية موضوعاً لكتاباتها، محولةً الألم الفردي والجمعي إلى نصوص توثيقية وشاهدة على المرحلة الصعبة التي تعيشها غزة.

تحول القلم من أداة للتعبير إلى وسيلة للبقاء، فلم يعد الشاعر في غزة هناك يبحث عن "الاستعارة" البعيدة، بل أصبحت القصيدة هي الخبز والماء والصرخة، سليمان الحزين وثق جريمة الإبادة في كتاب شعري بعنوان "صيحة الحنظل"، يقول "تبدل القاموس الشعري الغزي تماماً، فغابت مفردات البحر والغروب بمعناه الشاعري القديم، وحلت محلها مفردات قاسية فرضها الواقع، مثل الجوع الذي لم يعد فكرة فلسفية، بل صار قصائد عن رائحة الخبز المفقود وطنين البطون الخاوية".

والخيمة المهترئة تحولت من رمز للجوء التاريخي إلى واقع يومي يحاصر الشاعر، حيث يكتب الحزين عن صوت المطر الذي يخترق القماش، والبرد الذي ينهش العظام، ويغزل كلماته عن فقد الأصدقاء والبيوت والمكتبات التي سويت بالأرض.

يضيف الحزين "الكتابة هي الوصية الأخيرة، وفي ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، يلجأ كثر إلى التدوين على ورق الكرتون أو بقايا الدفاتر المدرسية، وينشرون المقاطع الشعرية عبر رسائل نصية قصيرة كلما توفرت إشارة تغطية، ويوثقون أسماء الضحايا وحكاياتهم لئلا يتحولوا إلى مجرد أرقام في النشرات الإخبارية".

الخيمة هي السر

السر الذي يكتب عنه الشعراء اليوم ليس غامضاً، بل هو سر الصمود الأسطوري، خلف القماش البالي، تقام أمسيات شعرية عفوية ويقرأ الشعر للأطفال لتشتيت انتباههم عن صوت الطائرات، ويؤكد الحزين أن "الخيمة ليست مجرد مأوى وإنما هي جسد الشاعر الجديد الرقيق أمام الشظايا والقوي أمام النسيان".

ويبين الحزين أن ما يكتبه شعراء غزة اليوم هو "تأريخ بالدم"، حيث تصبح الكلمة هي الشهادة الوحيدة الناجية من تحت الأنقاض، والسر الحقيقي يكمن في قدرة هؤلاء المبدعين على تحويل الجوع إلى كرامة، والخيمة إلى منبر حر لا يطاوله الحصار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مشهد يدمج بين الرعب والأمل، يعبر الشعراء عن قسوة الحياة في خيم النزوح، في وقت لا تمنحهم الحرب ترف المجاز، لكن شعراء الخيمة صنعوا نصاً أدبياً مفتوحاً على القهر والصمود وأعادوا صياغة اليوميات القاسية لتصبح توثيقاً إبداعياً يتجاوز البكاء إلى رصد فلسفة البقاء وسط الجوع والموت.

كتب الشاعر حيدر الغزالي عن الجوع في الشمال قائلاً "الجوع ليس فراغاً في المعدة، إنه أنياب تنهش ذاكرتنا... أن ننسى طعم الفاكهة ونحفظ عن ظهر قلبٍ رائحة الحطب المبلل".

يقول الغزالي "الخيمة أصبحت غرفة كتابة قسرية، وفيها تراجع الرمز لمصلحة الواقعية المفرطة، فالكتابة عن الخبز والمعلبات وعتمة الليل ليست مجرد وصف، بل هي محاولة لاستعادة الإنسانية التي يحاول الحصار سحقها".

شعراء كتبوا وجسدوا الحرب

من أبرز الأسماء التي كتبت من قلب المعاناة، كان مصعب أبو توهة شاعر نال شهرة عالمية وجوائز أدبية مثل جائزة "بوليتزر" 2025 وجائزة الكتاب الأميركي، وصدرت له مجموعات شعرية مثل غابة الضجيج ترصد تفاصيل الحياة تحت القصف، ومن قصائده "في غزة، حتى حين ننام، نفتح عيناً واحدة لنرى إن كان السقف سيهبط فوقنا، أو إن كانت الشمس ستشرق من جهة القصف".

وآلاء القطراوي، وهي شاعرة كتبت قصائد مؤثرة معجونة بالقهر، وبخاصة بعد فقدان أطفالها الأربعة في الحرب، وصورت من خلال شعرها عمق الفقد الإنساني.

وللشاعرة آلاء القطراوي في رثاء صغارها، "لم تكن الخيمة بيتاً، كانت كفناً واسعاً يضم أحلامنا التي جاعت حتى الموت… كيف أكتب عن الياسمين وأصابعي متسخة بغبار الركام؟"، وكذلك قولها "لقد تركوا ابنَ قلبي ذبيحاً… يسد الركامُ بهِ المَشرِقين… وأحملُ فوق انكساري انكساراً… ويصرخ ظَهرٌ على خنجرَين".

الشعراء يبتعدون عن التذوق اللفظي

ومصطفى لقان الشاعر الذي أسهم في تنظيم أمسيات وصالونات ثقافية داخل الخيم محولاً المأوى القماش إلى "وطن صغير" يحتضن الحلم والكلمة، يقول "تتميز نصوص الشعراء بكونها واقعية صادمة، فهي تبتعد عن الترف اللغوي لتقترب من أنفاس الناس المنهكة، وتعكس هذه الكتابات تحولاً في اللغة الشعرية إلى الواقعية المباشرة التي تحاول اللحاق بسرعة وقوع المأساة".

ويضيف لقان "لم يتوقف الشعراء عن الكتابة في الحرب، بل تحولت الكتابة لديهم من ترف فني إلى أداة للبقاء وشهادة حية على المجزرة، يصف النقاد ما يحدث بأنه انفجار إبداعي تحت القصف، حيث يكتب الشعراء قصائدهم من داخل الخيم، وعلى شاشات الهواتف ببطاريات متهالكة، لتكون صوتاً لمن فقدوا".

 

ويوضح المتحدث أن الشاعر يبتعد عن التزويق اللفظي لأن الجوع مثلاً حقيقة بيولوجية ونفسية قاهرة لا تحتمل التأويل، وما صدم الشعراء أن عناصر الطبيعة تحولت إلى أدوات تعذيب إذ أصبح المطر كأنه رصاص، في الظروف العادية المطر رمز للخير والرومانسية، لكن للنازح داخل خيمة يصبح صوت ارتطام القطرات بالقماش صوتاً مزعجاً ومرعباً يشبه زخات الرصاص.

يصف لقان الخيمة بغرفة الكتابة التي يستخدمها ليتجاوز جدران القماش، ويحاول ترميم واقعه بالكلمات، ويوضح أن الشاعر في غزة لم يعد يكتب عن الخيمة من بعيد بل يكتب من داخلها وهنا انكسرت الصورة النمطية للشاعر الذي يكتب في مكتب هادئ.

تغيرت مواضيع الشعراء

في الحرب تغيرت مواضيع الشعراء، ويشير لقان إلى أنهم ناقشوا خصوصية الجسد والروح وكيف تضطر العائلات إلى العيش في مساحات ضيقة جداً، وظهر أدب الطوابير حيث وصفوا طابور الماء، طابور الخبز، طابور الحمام، ويكتبون عن مفتاح البيت الذي لا يزال في الجيب، عن صورة معلقة على جدار لم يعد موجوداً، وعن رائحة الفراش القديم، وعن عظمة الأم التي تخلق من العدم وجبة طعام.

قتلت العمليات العسكرية الإسرائيلية عدداً من الشعراء لكن بقيت كلماتهم، وبحسب بيانات وزارة الثقافة الفلسطينية فإن ما لا يقل عن 45 فناناً وكاتباً وناشطاً ثقافياً سقطوا في الحرب، بينهم 23 شاعراً.

من بين الضحايا من الشعراء كان سليم النفار الذي كتب قبل قتله "يا ليل غزة الثقيل.. ليس لنا قمرٌ نغازله... لنا شظايا تضيء في عروقنا... ولنا صمتٌ يصرخُ في جدراننا المهدمة".

تجمع المؤسسات الثقافية على أن حرب غزة تعد الأشد فتكاً بالمجتمع الأدبي في التاريخ الحديث، حيث فقدت غزة جيلاً من المبدعين الذين كانوا يحملون هويتها الثقافية إلى العالم.

على وسائل التواصل وفي الصالونات

ينشر معظم شعراء غزة قصائدهم على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب انعدام دور النشر، ثم يتم تداولها كأيقونات صمود دون أن تحمل دائماً اسم ديوان مطبوع، لأن الديوان في غزة الآن هو الخيمة نفسها، وبسبب اللجوء إلى "الفيسبوك" و"تيليغرام" تحولت القصائد من المطولات إلى الومضة، الإيجاز الشديد، أو المقطوعة المكونة من ثلاثة إلى خمسة أسطر، وهذا الطول يسمح بقراءتها بسرعة بين غارتين ويجعلها قابلة للمشاركة، وبسبب هذه المنصات، أصبحت قصيدة غزة هي الأسرع وصولاً في تاريخ الأدب العربي الحديث.

لا تبقى نصوص الشعراء على منصات التواصل الاجتماعي بل يعرضون مبادراتهم الثقافية في صالونات أدبية تقام في الخيم يتم فيها تنظيم أمسيات شعرية يلقي فيها الشعراء نصوصهم التي كتبوها تحت النار، وتتحول هذه الجلسات إلى مساحة للبوح وتوثيق المأساة شفهياً.

تعتبر الصالونات الأدبية في الخيم هي "القلب النابض" للحركة الثقافية في غزة الآن، فهي ليست مجرد مجالس للشعر، بل هي فعل مقاومة وجودي يعيد ترتيب شتات الروح.

وتُعد الصالونات الأدبية في خيم غزة اليوم بمثابة "برلمانات شعبية" للوجع والصمود، وهي النقطة الأكثر إثارة للإعجاب لأنها تُقام في ظروف يستحيل فيها التفكير في الفن، ومع ذلك تكتظ بالحاضرين.

فعل مقاومة

يقول وكيل وزارة الثقافة جاد عزت الغزاوي "قصائد الخيم والنزوح هي السجل الحقيقي للتاريخ الفلسطيني المعاصر، وهي التي ستفضح الرواية الإسرائيلية مستقبلاً، واستهداف النخبة المثقفة من شعراء وكتاب وتدمير المراكز الثقافية والمكتبات، هما محاولة لمحو الهوية الوطنية.

ويضيف الغزاوي "تحول الخيم إلى صالونات أدبية، دليل على أن الثقافة فعل مقاومة لا يقل أهمية عن أي فعل آخر، لذلك يجب حماية الهوية الوطنية من الاختراق، المثقفون الفلسطينيون جنود الرواية الذين يواجهون محاولات محو الذاكرة، هؤلاء الشعراء الخط الأول للدفاع عن الهوية وقصائدهم هي وثائق صمود تتجاوز القيمة الجمالية لتصبح شهادات تاريخية قانونية وإنسانية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير