Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أعراس غزة... شباب يتلمسون الفرحة فوق ركام الحرب

تسبب القتال في انخفاض معدلات الزواج داخل القطاع ولا يزال السكان يرون مراسم الفرح فرصة لاسترداد الحياة

لم تعد الأفراح أفي قطاع غزة عراساً بالمعنى الباذخ بل غدت مراسم استرداد للحياة (أ ف ب)

ملخص

بين ركام البيوت وزوايا الخيام المثقلة برائحة النزوح تنبت في غزة أفراح لا تشبه غيرها، حيث تحول الفرح من مناسبة صاخبة تملأ الشوارع بالأغاني والدبكة، إلى محاولات خجولة لانتزاع لحظة حياة من قلب الركام، لقد فرضت الحرب والواقع الاقتصادي الصعب هندسة جديدة لطقوس الزواج، إذ غابت مظاهر البذخ وحلت محلها تقاليد "السترة" بأقل الكلف.

يقف إسماعيل أمام خيمته الجديدة، يلمس قماشها المهتز مع الريح وكأنه يتفقد جدران قصر كان يحلم به، الشاب الثلاثيني الذي أمضى أعوامه يجمع "الدولار فوق الدولار" ليؤسس بيتاً في وسط غزة، يجد نفسه اليوم يمارس طقوس زفافه فوق أرض من رمال، وبقلب مثقل بحسابات لا تقبل القسمة على الواقع.

كان إسماعيل يحلم بتلك الغرفة الخشبية ذات الرائحة الذكية التي اختارها مع خطيبته سارة قبل الحرب، كانت بـ1500 دولار، وكان يراها مبلغاً كبيراً حينها، اليوم يقف مذهولاً أمام نجار في المخيم يطلب منه 7 آلاف دولار مقابل سرير صنع من المنصات الخشبية المعاد تدويرها.

يقول إسماعيل بمرارة "لقد تبخرت تحويشة العمر في ثمن خشب لا يصلح لأن يكون وقوداً للنار، لكنه في زمن الحرب صار أغلى من الزان والمران"، اضطر العريس الذي يستعد لزفافه هذه الليلة في النهاية إلى الاستغناء عن الخزانة، واستبدل بها صناديق كرتونية رص فيها ملابس "البالة" التي اشتراها لسارة، لتتحول طقوس "فرش البيت" إلى عملية ترتيب للحد الأدنى من البقاء.

مفارقة عجيبة

في يوم الزفاف لم تكن هناك مواكب سيارات تطلق العنان لأبواقها، خرج إسماعيل من خيمة عائلته مرتدياً قميصاً استعاره من صديقه، وسار بضع خطوات باتجاه خيمة عروسه، لم تكن هناك صالة تلمع أضواؤها، بل شادر بلاستيكي نصب على عجل.

بينما كان إسماعيل يسير، كانت سارة تزف إليه فوق "عربة يجرها حمار"، وهي العربة ذاتها التي نقلت عائلتها قبل أشهر من الموت في أيام النزوح، زينت العربة ببقايا أقمشة بيضاء، لتبدو في عيون النازحين كـ"هودج" ملكي يصارع البؤس، لم تكن هناك موسيقى صاخبة، بل "مهاهاة" خجولة من نسوة المخيم، يغالبن بها صوت الطائرات الذي لا يغادر السماء.

بدلاً من ذبح الذبائح ومد السماط بما لذ وطاب من الرز واللحم، كان غداء العرس عبارة عن صحون بلاستيكية تحوي رزاً وبقوليات من "تكية" مجاورة، أما "الشبكة"، ذلك الطقس الذي كان يتباهى به العرسان، فقد اختزلها إسماعيل في "دبلة فضة" رقيقة، واعداً سارة بـ"طوق من الذهب" حين تضع الحرب أوزارها.

دخل إسماعيل وسارة خيمتهما في نهاية اليوم، لم يغلقا خلفهما باباً من خشب الزان، بل سحاباً من البلاستيك، جلس العروسان على "فرشات" إسفنجية رقيقة، يحيط بهما جنون الأسعار من كل جانب، فثمن "اللد الشمسي" الذي ينير خيمتهما كلفهما ما كان يكفي لإقامة حفل عشاء كامل قبل اندلاع القتال.

مراسم استرداد للحياة

قصة إسماعيل ليست مجرد حكاية زواج، بل هي رصد لاندثار الطقوس الاجتماعية لرحلة الزواج، هو عريس ببهجة مصادرة، دفع ثمن الزيجة أضعافاً مضاعفة، ليثبت للعالم أن الفرح في غزة وإن تبددت طقوسه يظل في جوهره فعلاً انتحارياً من أجل الحياة.

 

 

في غزة اليوم، لم تعد الأفراح أعراساً بالمعنى الباذخ، بل غدت مراسم استرداد للحياة، طقوساً بترتها الحرب، وشوهها جنون الأسعار، فخرجت من الصالات الفارهة إلى ضيق الخيام، ومن صخب الموسيقى إلى صمت الصمود.

بين ركام البيوت وزوايا الخيام المثقلة برائحة النزوح، تنبت في غزة أفراح لا تشبه غيرها، حيث تحول الفرح من مناسبة صاخبة تملأ الشوارع بالأغاني والدبكة، إلى محاولات خجولة لانتزاع لحظة حياة من قلب الركام، لقد فرضت الحرب والواقع الاقتصادي الصعب هندسة جديدة لطقوس الزواج، حيث غابت مظاهر البذخ وحلت محلها تقاليد "السترة" بأقل الكلف.

هذه هي التحولات التي طرأت على طقوس الزواج

وفي رصد للتحولات التي طرأت على هذه الطقوس في ظل الظروف الراهنة، يقول العريس طالب "بعدما كانت صالات الأفراح على شاطئ البحر هي المقصد الأول، أصبحت الخيمة مكان الزفاف، العرس اليوم غالباً ما يتم في مساحة ضيقة، وبدلاً من الإضاءة المبهرة ومكبرات الصوت، يكتفى أحياناً بضربات الدف البسيطة أو حتى بأهازيج يغنيها الأقارب لرفع الروح المعنوية".

ويضيف العريس "أصبح تأمين المهر والذهب تحدياً تعجيزياً في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار العملات والذهب، وانهيار القدرة الشرائية، لقد اضطررت إلى الاستغناء عن الأطقم الثقيلة، واستبدلت بها قطعاً رمزية جداً للمحابس".

ويوضح أن وليمة العرس التي كانت تشتهر باللحوم، استبدل بها في حالات كثيرة ما يتوفر من معلبات أو طعام بسيط يوزع على المحيطين في المخيم، وجرى تقليص عدد المدعوين وهذا لم يعد خياراً اجتماعياً بل ضرورة قسرية، فالعرس يقتصر على الدائرة الضيقة جداً من العائلة.

في مخيمات غزة وجد ثائر خيمته التي أصبحت عش الزوجية قد جعلته يقف أمام واقع صادم، فبدلاً من الغرفة التي اختارها مع خطيبته أسماء قبل الحرب، اضطر إلى شراء سرير صنع يدوياً من "أخشاب المشاتيح"، ويقول "دفعت ثلاثة أضعاف الثمن مقابل خشب لا يصلح لشيء، لكنني كنت مضطراً إلى ستر زوجتي تحت أي سقف".

استبدلت زوجته أسماء بخزانة الملابس صناديق كرتونية رصت فيها ما تبقى من ملابس النزوح، تقول "كانت العروس تخصص مبالغ كبيرة للملابس والمكياج، أما الآن فأصبح البحث عن فستان أبيض مستعمل أو بسيط رحلة شاقة في ظل إغلاق المحال وتدمير الأسواق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف أسماء "في ظل أزمة الوقود الخانقة وتدمير وسائل النقل اختفت مواكب السيارات الطويلة، الزفة الآن غالباً ما تكون سيراً على الأقدام لمسافات قصيرة بين الخيام".

على رغم كل هذا الوجع يصر الغزيون على إتمام مراسم الزواج كنوع من المقاومة الاجتماعية، فحفل الزفاف ليس مجرد ارتباط شخصين بل هو إعلان صريح عن الرغبة في البقاء والاستمرار على رغم كل أدوات الموت المحيطة.

مشروع إدارة الأزمات

يعقب الباحث الاجتماعي شادي العف "لقد تحول الزواج في غزة من فرحة العمر المنتظرة إلى مشروع لإدارة الأزمات، إذ يواجه الشاب والفتاة رحلة شاقة تبدأ من التفكير وتصطدم بواقع يفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار، لقد طوعت الحرب الفرح الغزاوي ليصبح أكثر تقشفاً وحزناً، لكنها لم تستطع إلغاءه تماماً، فبين جنون الأسعار والركام والأزمات يبقى العرس هو النافذة الوحيدة التي يطل منها الناس على الأمل".

ويضيف الباحث الاجتماعي "تغيرت ملامح هذه الرحلة عبر مراحلها المختلفة، في مرحلة البحث والخطوبة كان المعيار يعتمد على التوافق الاجتماعي والمهني، اليوم أصبحت التساؤلات مختلفة، أين سيعيش الزوجان؟ هل في خيمة؟ أم في غرفة مشتركة مع عائلة كبيرة؟ البحث عن الخصوصية أصبح ترفاً لا يملكه الغالبية".

ويوضح العف أن ما كان يكفي لتجهيز بيت كامل قبل الحرب، لا يكاد يكفي اليوم لشراء بعض الملابس والفرش البسيط بسبب التضخم الجنوني في أسعار السلع المهربة أو النادرة، مشيراً إلى أن الزواج بطبيعته يحتاج إلى طاقة إيجابية وتخطيط للمستقبل، لكن في غزة الخوف من الفقد المفاجئ يلقي بظلاله على كل خطوة، وعبء المسؤولية يتضاعف، فالعريس لا يفكر فقط في بناء أسرة، بل في كيفية حماية هذه الأسرة من القصف والنزوح والجوع.

ويلفت العف إلى أنه على رغم كل هذه المشقات، برزت ملامح اجتماعية جديدة تدل على مرونة المجتمع أبرزها تيسير المهور، إذ بدأت كثير من العائلات تتبنى مبادرات لتقليل المهور وتسهيل الشروط بصورة غير مسبوقة لستر بناتهن.

ويؤكد أن الحرب جردت الزواج في غزة من قشوره الاحتفالية، وبقي منه فقط جوهر الارتباط كفعل صمود، بخاصة لأن الرحلة شاقة جداً ومليئة بالخسائر المادية، لكنها تعكس في جوهرها إصراراً على أن تظل دورة الحياة مستمرة على رغم كل شيء.

انخفاض المعدلات

ما قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كانت معدلات الإقبال مرتفعة على الزواج على رغم التحديات الاقتصادية السابقة، إذ كانت تسجل المحاكم الشرعية 21 ألف عقد زواج سنوياً، حين كان الزواج يعتبر أولوية اجتماعية مدفوعة ببنية ديموغرافية شابة وقيم اجتماعية تشجع على بناء الأسرة مبكراً.

 

 

بسبب الحرب انخفضت الإحصاءات، وكان من الصعب تحديد رقم نهائي لعدد الزيجات التي تمت خلال الحرب نظراً إلى تدمير المقار الرسمية والمحاكم الشرعية والاعتماد على السجلات الورقية اليدوية في نقاط القضاء الشرعي الموزعة داخل مراكز الإيواء والنزوح.

يشير الباحث الاجتماعي العف إلى أنه على رغم الإصرار على الزواج، فإن الأعداد تبقى أقل بكثير من المعدلات الطبيعية، إذ الرقم انخفض بنسبة كبيرة جداً، مع تحول طبيعة هذه الزيجات من احتفالات اجتماعية كبرى إلى عقود سترة تتم في صمت وبأقل الكلف الممكنة، وغالباً ما تكون ورقية بانتظار استقرار الأوضاع.

آراء العرسان

تعد قصص الزواج في غزة توثيقاً حياً لزمن الفرح المستحيل، إذ تحول المبدأ من تأسيس حياة إلى انتزاع لحظة نجاة، خلف كل عقد زواج يكتب في خيمة تكمن تفاصيل لطقوس بددتها الحرب، وأحلام تحطمت على صخرة أسعار خيالية.

بينما تتنافس العرائس على أفخم السيارات المزينة بالورد، خرجت ليلى من خيمة عائلتها لتزف إلى عريسها فوق عربة يجرها حمار، إذ غابت أبواق السيارات المبهجة وحلت مكانها العربة التي كانت تستخدم لنقل المياه والجرحى وقد غطيت بقطعة قماش بيضاء قديمة لتداري بؤس المشهد.

يرى كثير من العرسان أن إتمام الزواج في خيمة وبأقل الكلف هو رد فعل سياسي واجتماعي أكثر منه طقساً عادياً، تقول ليلى "نحن لا نتزوج لأن الظروف مثالية بل لنثبت أننا ما زلنا أحياء، تبددت الصالة والموسيقى، لكن بقيت لدينا الرغبة في إغاظة الموت، فرحنا اليوم هو نوع من المقاومة الصامتة".

ويقول عريس آخر اسمه فادي "من المؤلم أن تدفع تحويشة خمسة أعوام من التعب لتشتري خزانة متهالكة أو فراشاً رخيصاً بسعر يفوق سعر أرقى غرف النوم قبل الحرب، نشعر أننا نتعرض للاستنزاف، فالفرح الذي كان يرفع الرأس أصبح اليوم يكسر الظهر بسبب الديون والأسعار الفلكية".

فعل صمود

يعقب رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في قطاع غزة حسن الجوجو "بات الزواج فعل صمود اجتماعي، إذ تعمد العائلات إلى تيسير المهور إلى أقصى حد لمواجهة مرارة الفقد والوحدة، لكنه تحول إلى مشروع لإدارة الأزمات، ويحمل في طياته رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلاً، وأن عقود الزواج التي تجرى في خيام النازحين هي أكبر دليل على إرادة البقاء".

ويضيف الجوجو "الحرب تسببت في اندثار البهجة تحت وطأة الحاجات الأساسية، وتحولت تفاصيل الفرح الصغيرة إلى أعباء مادية تفوق القدرة البشرية، لذلك أعراس غزة جردت من جوهرها لتصبح إصراراً على البقاء، بعدما بدد القتال العسكري تلك الطقوس التي توارثها الغزيون جيلاً بعد جيل".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير