Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين السادات وعون... عقدة "حزب الله" ليست إسرائيل بل صورة السلام

عدم التفاوض لن يعاقب تل أبيب بالضرورة بل قد يعاقب بيروت

يجري التعامل مع احتمال لقاء الرئيس عون ونتنياهو وكأنه سقوط سياسي أو تطبيع كامل (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

إذا كان التفاوض غير المباشر على الغاز والحدود مقبولاً لأنه يحفظ "المصلحة الوطنية"، فلماذا يصبح أي مسار سياسي أو أمني اليوم محرّماً بالكامل؟ وإذا كانت إسرائيل ليست "عدواً يُمنع التفاوض معه" عندما تعلق الأمر بحقول الغاز، فلماذا تتحول فجأة إلى "خط أحمر" عندما يصبح التفاوض بيد الدولة لا بيد الحزب؟

كان لافتاً تصريح السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى بأن "لقاء الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليس خسارة أو تنازلاً"، مردفاً "شو نتنياهو بعبع؟". وقال السفير عيسى من بكركي (مقر البطريرك الماروني بشارة الراعي) "عبرت للبطريرك الماروني بشارة الراعي عن دعمي له"، وأشار إلى أن "لبنان بلد العيش المشترك"، و"مَن هاجموا البطريرك يروحوا يشوفوا بلد يعيشوا فيه غير هون (أي إن من هاجم البطريرك فليبحث عن بلد آخر للعيش فيه غير لبنان)". وقال إن "زيارة عون إلى أميركا ستسمح بوضع طلبات لبنان على الطاولة، وأميركا تريد الحفاظ على استقلال وشرف واقتصاد لبنان".

لقاء عون - نتنياهو ليس خيانة أو تنازلاً

كالعادة، ومع كل تصريح يكسر النمط اللبناني التقليدي، تنفجر البلاد بين موجات الترحيب والتخوين والرفض والمزايدات، وكأن المشكلة دائماً في الكلام لا في الانهيار والحرب التي تسيطر على البلد اليوم.

غير أن كلام السفير ميشال عيسى يسلط الضوء على لبّ الأزمة التي تعصف بالساحة السياسية اللبنانية اليوم. ولم يعد السؤال، هل يلتقي الرئيس عون برئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟ بل أصبح هل تستطيع واشنطن أن تنقل اللقاء من خانة "التطبيع" إلى خانة انتزاع المكاسب للبنان وإسرائيل بالوقت نفسه؟ فتصريح عيسى لم يكن عفوياً، بل محاولة لكسر الحاجز النفسي والسياسي أمام اللقاء، لا داخل بعبدا (القصر الجمهوري) فقط، بل أمام الرأي العام اللبناني أيضاً. ويريد أن يقول للبنانيين "لا تتعاملوا مع اللقاء كخيانة أو تنازل، بل كأداة لعرض شروط لبنان، من السيادة، والانسحاب، ووقف النار، وعودة النازحين، وحصر السلاح بيد الدولة".

 

لكن المشكلة أن نتنياهو ليس "بعبعاً" بالمعنى النفسي، بل هو طرف يفاوض من موقع القوة، وفرض شروط التفاوض تحت وقع الغارات والتمدد داخل الجنوب اللبناني. وهنا تكمن العقدة الأساسية، فعون لا يستطيع أن يذهب إلى لقاء رئاسي، بينما إسرائيل تواصل ضرباتها أو تمسك بأراض لبنانية، أو ترسم خطوطاً أمنية جديدة في الجنوب. لذلك قال عون إن التوقيت غير مناسب الآن للقاء نتنياهو، و"علينا أولاً أن نتوصل إلى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية علينا، قبل أن نطرح مسألة اللقاء بيننا"، وتابع "لا عودة عن مسار المفاوضات مع إسرائيل، لأنه لا خيار آخر أمامنا"، مشيراً إلى أن لقاءات واشنطن تشكل إنجازاً مهماً للبنان و"فرصة كبيرة يجب الاستفادة منها".

وفي المعلومات التي حصلت عليها "اندبندنت عربية"، يجري التحضير للقاء ثالث يجمع بين السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر خلال الأيام القليلة المقبلة.

ولكن كيف ينظر "الثنائي الشيعي" (حزب الله وحركة أمل) إلى أي لقاء محتمل بين الرئيس عون ونتنياهو؟

ربط الساحة اللبنانية بلقاءات إسلام آباد

بنظر "الثنائي الشيعي" إن أي لقاء محتمل بين الرئيس عون ونتنياهو هو أكثر من مجرد خطوة دبلوماسية، بل تحول استراتيجي في هوية لبنان السياسية والأمنية. وبالنسبة إليهما، المسألة ليست صورة أو بروتوكولاً، بل هي خوف من أن يتحول اللقاء إلى إعلان سقوط آخر الخطوط الفاصلة بين مسار الدولة اللبنانية، ومسار التطبيع الإقليمي الذي تقوده واشنطن في المنطقة. لذلك يربط "الثنائي"، وبحسب مصادر مطلعة، بين مسار لبنان ولقاء إسلام آباد (الولايات المتحدة - إيران)، لأنهم يقرأون المشهد من زاوية أوسع، الولايات المتحدة، برأي المصادر، "تحاول بناء تسوية شاملة تمتد من إيران إلى لبنان مروراً بالخليج، أي إن ما يجري في لبنان ليس ملفاً مستقلاً، بل هو جزء من إعادة رسم توازنات المنطقة بعد الحرب. من هنا جاءت الإشارات المتكررة من بيئة الحزب (حزب الله) إلى أن أي تفاوض لبناني مباشر، لا يمكن فصله عن مصير التفاوض الأميركي-الإيراني، وعن اللقاءات غير المعلنة التي تدور عبر وسطاء في أكثر من عاصمة بينها إسلام آباد".

ويعتبر "الثنائي الشيعي" أن واشنطن تريد استخدام لبنان كورقة ضغط إضافية على إيران، أي انتزاع تنازلات لبنانية في ملف السلاح والحدود والأمن، قبل اتضاح صورة التسوية الكبرى مع طهران. لذلك يرفضان أن يظهر لبنان كأنه الحلقة الأضعف التي تقدم التنازلات أولاً، بينما التفاوض الأميركي-الإيراني لم ينضج بعد، وذلك كان واضحاً في تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كرر، في أكثر من مناسبة، أنه "لا جدوى من التفاوض تحت النار"، وهذه قاعدة سياسية "للثنائي". يقول بري عملياً إن أي لقاء أو تفاوض، بينما إسرائيل تواصل القصف وتثبت وقائع ميدانية، سيبدو كاستسلام لا كتفاوض متكافئ. أما أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم فذهب أبعد عندما اعتبر أن "هذه المفاوضات المباشرة ومخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة إلينا، ولا تعنينا من قريب ولا بعيد"، وأن "المقاومة" مستمرة بغض النظر عن المسار الرسمي.

هنا يظهر الانقسام الحقيقي بين الدولة اللبنانية التي تريد تحويل مسار الحرب إلى نافذة تفاوضية، بينما الحزب وبري يريدان أن يبقى التفاوض محكوماً بميزان الميدان.

أخطر ما في التفاوض بالنسبة إلى "الثنائي" ليس السلام بحد ذاته

أما إذا عُقد اللقاء فـ"الثنائي" في الأرجح لن يذهب فوراً إلى مواجهة شاملة مع عون، لكنه سيتصرف على مستويات عدة، وسيحاول نزع الشرعية الوطنية عن اللقاء عبر تصويره كتنازل مجاني تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي. وسيشدد أكثر على أن سلاح الحزب باقٍ لأن إسرائيل "لا تزال تحتل وتقتل وتقصف"، بمعنى أن أي لقاء لن يغير معادلة "المقاومة" بل سيؤكد ضرورتها. وسيذهب إلى الفصل بين "الدولة التي تفاوض" و"المقاومة التي تحمي"، أي ترك الدولة تتحمل كلفة التفاوض السياسية، فيما يحتفظ الحزب بورقة القوة العسكرية. وأخيراً، قد يذهب إلى تصعيد ميداني مضبوط، إذا شعر أن اللقاء يمهد فعلاً لمسار يهدد سلاحه أو بيئته الاستراتيجية، لأن الحزب يعتبر أن أخطر ما في التفاوض ليس السلام بحد ذاته، بل تحويل سلاحه من "ورقة قوة" إلى "عبء داخلي" برعاية أميركية.

أما ما يعتبره "الثنائي" بديلاً من التفاوض، فهو ليس الحرب المفتوحة بالضرورة كما يُشاع، بل معادلة "التفاوض غير المباشر تحت توازن الردع"، أي العودة إلى نموذج وقف النار، ووسطاء، وتفاوض عبر الأميركيين أو الفرنسيين أو الأمم المتحدة، من دون صور مباشرة أو اعتراف سياسي متبادل، مع بقاء سلاح الحزب جزءاً من معادلة الردع إلى حين انسحاب إسرائيل الكامل ووقف خروقاتها.

بمعنى آخر، لا يرفض "الثنائي" أي تسوية، لكنه يرفض "التسوية" التي تبدأ من سحب أوراق قوته، قبل حصوله على ضمانات إقليمية تتعلق بإيران والمنطقة كلها. ولهذا يربط لبنان بإسلام آباد، وبأي قناة تفاوض تخص طهران، لأنه لا يرى لبنان ملفاً مستقلاً، بل يراه جزءاً من صراع أكبر على شكل الشرق الأوسط بعد الحرب.

مفارقة اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل عام 2022

نهار الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية، نتيجة للجهود الدبلوماسية التي بذلها حينها، مستشار شؤون الطاقة في وزارة الخارجية الأميركية آموس هوكستين، الاتفاق الذي أنهى الخلاف على خطوط الحدود المقترحة للتنقيب عن الغاز والنفط في الطرف الشرقي للبحر المتوسط. وأتى الاتفاق في ذلك الوقت بعد قبول لبنان بالخط 23 بدلاً من الخط 29 خلال المفاوضات، وكان الخط 29 يتيح للبنان الحصول على قسم من "حقل كاريش" الذي تسعى إسرائيل إلى استخراج المواد الهيدروكربونية منه. المفارقة أن أمين عام الحزب الراحل حسن نصرالله، وبحسب "مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط"، "أعطى ضمانات أمنية للقيادة الإسرائيلية بعدم استهداف حقل كاريش، ودقق كبار المسؤولين في الحزب بالاتفاق كاملاً قبل الموافقة عليه، في مؤشر عن التخلي عن الموقف الرافض للتنازلات الذي تمسك به (حزب الله) طوال أعوام في موضوع المفاوضات الحدودية مع إسرائيل". علماً أن نصرالله رحب في ذلك الوقت باتفاق الحدود البحرية، وقال إنه "انتصار كبير للبنان".

والمفارقة أيضاً التي يصعب على "الثنائي الشيعي" الهرب منها اليوم، أنه هو نفسه الذي وافق عام 2022 على الاتفاق المذكور، وهو اتفاق لم يكن تقنياً فقط كما حاول تسويقه حينها، بل اعترافاً عملياً بأن هناك دولة اسمها إسرائيل يجري التفاوض معها على الحقوق والحدود والمصالح. يومها لم يُعتبر التفاوض خيانة، ولم يُقدّم كتنازل سيادي، بل قيل إن "المقاومة" فرضت شروطها وانتزعت حقوق لبنان.

أما اليوم، فيجري التعامل مع احتمال لقاء الرئيس عون ونتنياهو وكأنه سقوط سياسي أو تطبيع كامل، عدا عن حملات التخوين والتهديدات الضمنية من قبل بيئة الحزب، التي استحضرت مصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات، على رغم أن الدولة اللبنانية تقول إنها تفاوض تحت عنوان وقف الحرب واستعادة الأرض وتثبيت السيادة.

اتفاق ترسيم الحدود البحرية اعترف بدولة إسرائيل كطرف مفاوض

والسؤال الذي يتهرب كثير من الإجابة عنه بوضوح، وهو إذا كان لبنان وقع عام 2022 اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، أليس ذلك اعترافاً عملياً بالدولة الإسرائيلية ولو من دون إعلان سياسي مباشر؟

واقعياً، أي اتفاق حدودي بين طرفين يفترض الاعتراف المتبادل بوجود كل طرف ككيان صاحب سيادة وحقوق وحدود ومصالح، فلبنان لم يوقع اتفاقاً مع فراغ، بل مع دولة موجودة على الضفة المقابلة، جرى التفاوض معها على الخطوط والحقول والحقوق وآليات التنفيذ. وحتى لو تم التوقيع بصورة غير مباشرة وعبر الوسيط الأميركي، فإن جوهر الاتفاق بقي اتفاقاً بين دولتين. التناقض هنا ليس في المبدأ فقط، بل في المعايير، فإذا كان التفاوض غير المباشر على الغاز والحدود مقبولاً لأنه يحفظ "المصلحة الوطنية"، فلماذا يصبح أي مسار سياسي أو أمني اليوم محرّماً بالكامل؟ وإذا كانت إسرائيل ليست "عدواً يُمنع التفاوض معه" عندما تعلق الأمر بحقول الغاز، فلماذا تتحول فجأة إلى "خط أحمر" عندما يصبح التفاوض بيد الدولة لا بيد الحزب؟

وعليه، يبدو أن المشكلة بالنسبة إلى "الثنائي" ليست في مبدأ التفاوض نفسه، بل في من يملك قرار التفاوض. ففي اتفاق الترسيم البحري كان الحزب قادراً على تقديم نفسه شريكاً في فرض المعادلة، أما اليوم فهو يخشى أن يتحول مسار التفاوض المباشر، إلى منصة تعيد للدولة اللبنانية احتكار قرار الحرب والسلم، وتضع سلاحه أمام سؤال الشرعية داخلياً وخارجياً.

وتبعاً للمعطيات السابقة، ماذا أمام الدولة اللبنانية إذا لم تذهب إلى التفاوض؟ وماذا إذا لم يذهب الرئيس عون لمقابلة نتنياهو؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التفاوض من دون الصورة

المشكلة ليست في "الصورة البروتوكولية" وحسب، بل في السؤال الأخطر، هل تملك الدولة اللبنانية بديلاً عملياً عن التفاوض المباشر؟ أضف إلى ضغوط واشنطن التي اعتبرت أنه "انتهى زمن التردد"، ويريدون من عون أن يحسم، هل الدولة هي التي تفاوض؟ أم "حزب الله" هو الذي يقرر الحرب والسلم؟

المعطى الأساس اليوم أن واشنطن تضغط باتجاه مسار مباشر، وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو "أعتقد أن اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل أمر قابل للتحقق تماماً، بل ينبغي أن يتحقق، والمشكلة القائمة بين إسرائيل ولبنان لا تكمن في إسرائيل أو لبنان بحد ذاتهما، وإنما في حزب الله".

ويعلم الرئيس عون أن اللقاء مع نتنياهو ليس تفصيلاً، وفي بلد مثل لبنان، حيث الصورة تسبق المضمون، فإن صورة الرئيس اللبناني مع نتنياهو، من دون وقف نار وانسحاب، قد تتحول إلى سلاح بيد خصومه، أما الصورة نفسها بعد اتفاق أمني واضح، فقد تتحول إلى لحظة انتزاع للدولة من يد الحرب، فإذا كان اللقاء سيعيد الأرض ويوقف النار ويُسقط ذريعة السلاح يصبح خياراً سيادياً، أما إذا كان سيُستخدم لتجميل الأمر الواقع الإسرائيلي فسيكون فخاً سياسياً للرئيس والدولة معاً.

في المقاربة الواقعية، إذا ذهب الرئيس عون سريعاً سيبدو كأنه يمنح نتنياهو صورة انتصار تحت النار. من هنا، قد لا يذهب الآن إلى لقاء مباشر، لكنه لن يقفل الباب، وسيحاول أن يرفع السعر السياسي للقاء، أي أن يصبح اللقاء نتيجة لمسار، لا بداية مجانية له. بمعنى، أعطوني وقف نار جدياً، وانسحاباً واضحاً، وضمانات أميركية مكتوبة، وآلية مراقبة، بعدها يمكن البحث في مستوى التمثيل.

أما إذا رفض كلياً فسيترك لإسرائيل أن تفرض وقائعها الميدانية، وسيمنح "حزب الله" فرصة القول إنه استطاع أن يفرض سرديته ومنطقه مرة جديدة على الدولة، لذلك الخيار الأرجح هو التفاوض من دون الصورة، أي وفود أمنية وسياسية، ووساطة أميركية، وربما لقاء غير مباشر، إلى حين يصبح اللقاء الرئاسي قابلاً للتبرير داخلياً.

سيناريوهات اللقاء من عدمه

ويبدو أن الخيار الأكثر واقعية اليوم هو ألا يذهب عون إلى لقاء نتنياهو، لكن ألا يقطع مسار التفاوض، بمعنى أن يرفض اللقاء السياسي المباشر، لا التفاوض كفكرة، وبهذا يقول إن لبنان ليس في موقع الهرب من الحل، لكنه ليس في موقع إعطاء نتنياهو صورة مجانية. في هذه الحال يمكن نقل التفاوض إلى مستوى أمني وعسكري ودبلوماسي عبر لجنة المراقبة، أو عبر واشنطن، أو عبر وفود تقنية، مع تثبيت ثلاث نقاط، وقف النار أولاً، وانسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها، ثم بحث الترتيبات الأمنية جنوب الليطاني.

هذا الخيار يحفظ للرئيس شيئاً من الشرعية الداخلية، لأنه لا يظهر كأنه ذهب إلى لقاء سياسي بينما الجنوب يُقصف. وفي الوقت نفسه لا يعطي "حزب الله" حق القول إن الدولة أغلقت باب الحل وتجاهلت الإجماع الداخلي. وتكمن قوة هذا الحل في أنه يحول اللقاء مع نتنياهو إلى نتيجة محتملة لا إلى شرط سابق، أما نقطة ضعفه فقد تعتبره واشنطن تباطؤاً، وستستغله إسرائيل للاستمرار في فرض الأمر الواقع.

أما في حال الرفض الكامل للتفاوض، وهذا أخطر خيار على لبنان، لأن رفض التفاوض لا يعني أن الحرب ستتوقف، بل يعني أن الميدان يصبح هو المسار التفاوضي الوحيد، عندها ستتذرع إسرائيل بأنه لا يوجد شريك لبناني قادر أو راغب بالتعهد، ومن ثم سنرسم أمننا بأيدينا. وهذا يفتح الباب أمام توسيع المنطقة الأمنية العازلة، واستمرار الضربات، وتهجير أعمق للقرى، وربما تثبيت خط ميداني جديد تحت عنوان "الأمن"، وهي بدأت فعلياً برسم هذه الخطوط عبر رسمها ما عرف بالخط الأصفر، و"خط دفاع أمامي" لا يقتصر على قرى "الخط الأول" القريبة من الحدود الإسرائيلية، بل يشمل أكثر من 84 بلدة وقرية، بعضها يتجاوز عمق 10 كيلومترات عن الحدود، ويقترب من تخوم صيدا (جنوب) والبقاع الغربي (شرق)، أضف إلى استمرار الغارات والإنذارات والإخلاءات على رغم قرار وقف النار، وأكثر من مليون نازح.

وبعبارة أخرى، إن عدم التفاوض لن يعاقب إسرائيل بالضرورة، بل قد يعاقب لبنان، لأنه سيترك لإسرائيل أن تقتطع وتحتل وتهجر وتحول بلدات وقرى إلى ركام، ويترك لـ"حزب الله" أن يتفاوض بالنار وبربط الساحة اللبنانية بمسار التفاوض مع إيران، وتجاهل لدور المؤسسات الشرعية.

أما في حال حسم الرئيس عون قراره وذهب إلى لقاء مباشر مع نتنياهو بلا وقف نار واضح، فإن هذا الخيار سيكون شديد الكلفة داخلياً. صحيح أنه سيرضي واشنطن لكنه سيضرب صورة الرئيس عون في الداخل، وسيمنح "الثنائي الشيعي" مادة سياسية جاهزة، بأن الرئيس يفاوض تحت النار، والاحتلال. وهنا سيتحول اللقاء، وبدل أن يكون أداة لحماية لبنان، سيصبح عبئاً على الدولة نفسها. لذلك جاء موقف عون برفض اللقاء قبل وقف الهجمات واتفاق أمني، في محاولة للفصل بين مبدأ التفاوض وفخ الصورة السياسية.

في المحصلة، لا يقف لبنان أمام خيار مريح بين الحرب والسلام، بل أمام معادلة أكثر تعقيداً، وهي أن المشكلة لم تعد فقط في لقاء عون بنتنياهو أو رفضه، بل في سؤال أعمق، هل تستطيع الدولة اللبنانية إنتاج قرارها بنفسها؟ أم أن لبنان سيبقى ضمن مرحلة تُرسم فيها حدوده السياسية والأمنية من الخارج بينما يكتفي الداخل بالصراخ والانقسام؟

المزيد من تحلیل