Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"البديل" يهز الجدار العازل... ألمانيا أمام اختبار أقصى اليمين

يفاقم ذلك مخاوف المهاجرين والأجانب في ظل تنامي الخطاب المناهض للهجرة

أولريش زيغموند متحدثاً خلال مؤتمر لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية ساكسونيا أنهالت، في 11 يوليو الماضي (أ ف ب)

ملخص

يرفض حزب "البديل من أجل ألمانيا" الاتهامات بأنه غير ديمقراطي أو مناهض للدستور، ويؤكد أن سياساته تستهدف تنظيم الهجرة وتعزيز الأمن، كما يرى أن استبعاده من التحالفات السياسية يمثل إقصاء لملايين الناخبين الذين منحوه أصواتهم.

وهكذا تجد ألمانيا نفسها أمام معادلة سياسية ومجتمعية دقيقة، حزب يزداد نفوذاً في صناديق الاقتراع، وأحزاب تقليدية تصر على إبقائه خارج السلطة، ومهاجرون يتساءلون عن مستقبلهم في ظل هذا التحول.

بعد سقوط النازية بنت ألمانيا الغربية منظومة سياسية ومؤسساتية متكاملة للحيلولة دون عودة نظام شمولي جديد. وأصبحت التربية على الديمقراطية، ومواجهة التطرف، وسَنّ القوانين التي تجرّم التحريض والعنصرية والنازية، جزءاً أساساً من هوية الجمهورية الألمانية الجديدة. لكن بعد أكثر من ثمانية عقود على سقوط أدولف هتلر، تبرز مفارقة يصعب تجاهلها، حزب يُصنَّف ضمن طيف أقصى اليمين بات قادراً على تحقيق نتائج انتخابية غير مسبوقة، لا سيما في شرق ألمانيا.
وفي ماغديبورغ، احتفل أنصار حزب "البديل من أجل ألمانيا" بفوز مرشحه أولريش زيغموند. وبحصوله على نحو 44 في المئة من الأصوات، حقق الحزب المذكور نتيجة تاريخية في الولاية، وإن كان من دون أغلبية مطلقة تتيح له الحكم منفرداً.

تزايد الضغوط على "الجدار العازل"

وهنا تبرز مفارقة أخرى، فصعود "البديل من أجل ألمانيا" لا يضع الحزب في موقع قوة انتخابية متزايدة فحسب، بل يضع الأحزاب التقليدية أيضاً أمام اختبار حقيقي، وأمام سؤال: إلى أي مدى تستطيع إبقاء أقصى اليمين خارج السلطة؟ فالأحزاب الألمانية الرئيسة تتمسك بما يُعرف بـ"الجدار العازل" القائم على رفض أي تحالف أو تعاون حكومي مع "البديل من أجل ألمانيا"، لكن مع اتساع القاعدة الانتخابية للحزب وبلوغه مستويات غير مسبوقة من التأييد في بعض الولايات، تتزايد الضغوط على هذا "الجدار"، وتصبح مهمة الحفاظ عليه أكثر تعقيداً.

وتكتسب هذه المواجهة حساسية مضاعفة في ألمانيا، البلد الذي لا يزال إرث النازية حاضراً بقوة في ذاكرته السياسية. فعلى مدى عقود، ساد الاعتقاد بأن مواجهة الماضي النازي، عبر التعليم والقوانين والمؤسسات الديمقراطية، جعلت المجتمع الألماني أكثر تحصيناً ضد القومية المتطرفة وأفكار التفوق العرقي، لكن صعود "البديل من أجل ألمانيا" يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل تكفي ذاكرة الماضي وحدها لحماية الديمقراطية؟ فالتجربة الألمانية تكشف أن الديمقراطية لا تكتسب مناعة نهائية، وأن مواجهة التطرف ليست معركة حُسمت بسقوط النازية، بل اختباراً متجدداً مع كل أزمة سياسية واجتماعية. 
غير أن تداعيات هذا الصعود لا تتوقف عند صناديق الاقتراع أو موازين القوى داخل البرلمان، بل تمتد إلى المجتمع نفسه، لا سيما إلى الفئات التي تقع في صلب خطاب أقصى اليمين، وفي مقدمها المهاجرين. وتتخذ هذه المسألة أهمية خاصة في "ساكسونيا-أنهالت"، حيث يأتي صعود "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية تواجه تحديات اقتصادية وديموغرافية، وتحتاج في الوقت ذاته إلى المهاجرين لسد النقص في اليد العاملة. وبينما يحقق الحزب مكاسب انتخابية متتالية، يجد المهاجرون أنفسهم أمام سؤال مختلف: ماذا يعني هذا الصعود بالنسبة إلى حياتهم اليومية، وأمنهم، ومستقبلهم في المنطقة؟

بالنسبة إلى المهاجرين العرب الذين يعيشون في شرق ألمانيا، لا تبدو الانتخابات مجرد أرقام على الخريطة السياسية، بل هي مصدر لمخاوف متزايدة بشأن مستقبلهم وشعورهم بالأمان والانتماء. فمع تنامي نفوذ "البديل من أجل ألمانيا"، يخشى مهاجرون من أن ينعكس الخطاب المناهض للهجرة على حياتهم اليومية، سواء من خلال تصاعد خطاب الكراهية والتمييز، أو الخشية من الاعتداءات العنصرية، أو تشديد المواقف تجاه الهجرة واللجوء.
في المقابل، يرفض الحزب الاتهامات بأنه غير ديمقراطي أو مناهض للدستور، ويؤكد أن سياساته تستهدف تنظيم الهجرة وتعزيز الأمن، كما يرى أن استبعاده من التحالفات السياسية يمثل إقصاء لملايين الناخبين الذين منحوه أصواتهم.

وهكذا تجد ألمانيا نفسها أمام معادلة سياسية ومجتمعية دقيقة، حزب يزداد نفوذاً في صناديق الاقتراع، وأحزاب تقليدية تصر على إبقائه خارج السلطة، ومهاجرون يتساءلون عن مستقبلهم في ظل هذا التحول. فهل يبقى "الجدار العازل" قادراً على الصمود أمام اتساع القاعدة الانتخابية لأقصى اليمين؟ وهل يظل صعود "البديل من أجل ألمانيا" مجر تحول في الخريطة السياسية، أم إنه بدأ بالفعل في تغيير شعور المهاجرين بالأمان والانتماء؟

 

مفارقة صعود "البديل" في ساكسونيا

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الأوروبي صلاح سليمان، أن فوز "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية "ساكسونيا أنهالت" شرقي البلاد قد يفاقم مخاوف المهاجرين والأجانب المقيمين فيها، في ظل تنامي الخطاب المناهض للهجرة.

ويحذر سليمان من أن تداعيات هذا الفوز قد تدفع بعض المهاجرين إلى مغادرة الولاية، خشية تصاعد مظاهر العنصرية والتمييز، معتبراً أن نتائج الانتخابات قد تنعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار داخل المجتمع المحلي.
ويوضح سليمان أن تداعيات صعود أقصى اليمين قد تصبح أكثر وضوحاً على أرض الواقع، مضيفاً "قد تصبح هذه الممارسات علنية وواضحة في ظل حزب يتبنى الدعوة إلى الترحيل الجماعي للأجانب، والتضييق عليهم، بما في ذلك الحد من المساعدات التي يحصلون عليها بموجب القوانين الاتحادية. وتكمن المشكلة أيضاً في أن هذا الحزب، الذي صنّفته هيئة حماية الدستور الألمانية حزباً يمينياً متطرفاً، يعتمد في خطابه الموجه إلى الجمهور على التعميم، بما قد يعزز الصور النمطية والمواقف المعادية للمهاجرين الأجانب، رغم أن الولاية مثلاً يعمل فيها 25 في المئة من الأطباء الذين لا يحملون جوازات سفر ألمانية ويسدون عجزاً كبيراً في ذلك القطاع الذي تعاني منه ألمانيا بشكل عام".

ويلفت سليمان إلى أنه "وفقاً للمعهد الاقتصادي الألماني، ضخّ المستثمرون الأجانب والعاملون وأصحاب المشاريع مليارات اليوروهات في اقتصاد الولاية، التي تُعد من الولايات الألمانية الفقيرة نسبياً". ويضيف أن "هذه المقاربة لا تقتصر على حزب 'البديل من أجل ألمانيا'، وإنما تتبعها أيضاً أحزاب ألمانية أخرى، من خلال توظيف قضية الهجرة واللجوء في كل استحقاق انتخابي بهدف استقطاب أصوات الناخبين". ويشير سليمان إلى أن زعيمة الحزب، أليس فايدل، سارعت، عقب هذا الفوز الكبير، إلى مخاطبة الأجانب، مؤكدة أن الحزب ليس ضد الأجانب الذين يعملون ويجتهدون ويقدمون إضافة إلى ألمانيا، وإنما يعارض أولئك الذين يأتون إلى البلاد للاستفادة من المساعدات الاجتماعية والخدمات الصحية التي توفرها الدولة.
ويرى سليمان أن "هذا التصريح يمكن فهمه باعتباره رسالة لطمأنة سكان الولاية من أصول أجنبية، في وقت بدأ بعضهم يفكر بالمغادرة، خشية تشدد السياسات تجاه المهاجرين والأجانب في أعقاب الصعود الانتخابي الكبير لحزب البديل من أجل ألمانيا".

وفي رده على سؤال حول ما إذا كان الخوف من خطاب سياسي معادٍ للهجرة قد يتحول إلى قرارات فعلية بالترحيل، استبعد المحلل السياسي صلاح سليمان حدوث ذلك على الفور، موضحاً أن "القوانين في ألمانيا اتحادية وليست إقليمية، غير أنه يحذر من أن تطبيق هذه القوانين يخضع في النهاية لموظفين ومسؤولين على المستوى المحلي، قد ينتمون إلى الحزب الفائز، وهو ما قد يفتح الباب أمام تشدد أو تعنت في تطبيقها".

 

سياق عام مناهض للهجرة

ويشير سليمان في الوقت ذاته إلى أن "المخاوف المرتبطة بالهجرة تأتي في سياق اقتصادي وسياسي صعب تمر به ألمانيا، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، وانعكاساته على قطاعات واسعة من الاقتصاد والأعمال، إلى جانب ارتفاع الأسعار، وتأثر حركة التجارة بالتوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز". ويرى أن "المستشار الألماني فريدريش ميرتس لم ينجح حتى الآن في تقديم إصلاحات قادرة على احتواء هذه الأوضاع، بل انتهج سياسة تقشفية أثارت احتجاجات وانتقادات واسعة وأدت إلى تراجع شعبيته"، وهو ما أسهم، بحسب تقديره، في دفع جزء من الناخبين إلى التصويت لمصلحة حزب "البديل من أجل ألمانيا".

ويضيف سليمان أن "الأجانب وجدوا أنفسهم، نتيجة لذلك، في قلب الصراع السياسي والحزبي، بعدما جرى تقديمهم في الخطاب السياسي باعتبارهم أحد أسباب المشكلات التي تواجهها البلاد". ومع ذلك، يشدد المحلل على أن تراجع الهجرة إلى ألمانيا ليس مرتبطاً فقط بصعود أقصى اليمين أو بفوز حزب "البديل من أجل ألمانيا"، إذ بدأ هذا التراجع في وقت سابق، على خلفية تشدد السياسات الألمانية تجاه الهجرة، حيث انخفضت أعداد الوافدين بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية.

وفي ما يتعلق بمدى تأثير هذه السياسات، وما إذا كان أثرها يقتصر على المهاجرين غير النظاميين، أم يمتد أيضاً إلى العرب المقيمين بصورة قانونية، أو الحاصلين على الجنسية الألمانية، أو المولودين في ألمانيا، يوضح الباحث المتخصص في الشأن الأوروبي، أن ألمانيا "دولة قوانين" وتحترم الإطار القانوني إلى حد كبير.

ويشير سليمان إلى أن فوز "البديل من أجل ألمانيا" في هذه الولاية دفع عدداً من السياسيين الألمان إلى التأكيد على أن النتيجة الانتخابية تعكس خيار الناخبين، وأنه ينبغي احترام هذا الخيار في إطار القواعد الديمقراطية.

ويضيف أن صحيفة "بيلد تسايتونغ"، إحدى الصحف الألمانية الكبرى، دعت الأحزاب التي ترفض التحالف مع "البديل من أجل ألمانيا" إلى إعادة النظر في موقفها، احتراماً للديمقراطية وخيار الناخبين.

ويرى سليمان أن "ذلك يعني، من الناحية القانونية، أن المواطنين الألمان، بمن فيهم المتحدرون من أصول مهاجرة، وكذلك المولودون في ألمانيا، لا يمكن استهدافهم أو الإضرار بحقوقهم لمجرد أصولهم أو خلفياتهم، ما داموا يتمتعون بالحماية التي يكفلها القانون".

في المقابل، يعتقد سليمان أن "المهاجرين غير النظاميين سيكونون الفئة الأكثر تعرضاً لتداعيات هذا التوجه السياسي، خصوصاً أولئك الذين ظلوا لفترات طويلة داخل الأراضي الألمانية في انتظار تسوية أوضاعهم".

ويشير إلى أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" يدفع باتجاه تسريع عمليات الترحيل، بما في ذلك ترحيل المهاجرين غير النظاميين بشكل فوري، أو نقلهم إلى مراكز احتجاز تمهيداً لترحيلهم، بل وطرح خيار نقل بعضهم إلى دول ثالثة يتم التوصل إلى اتفاقات معها.

ويختم سليمان بالقول إن "التشدد تجاه الهجرة غير النظامية لا يقتصر على حزب 'البديل من أجل ألمانيا'، وإنما أصبح جزءاً من توجه سياسي أوسع داخل ألمانيا، وإن كانت مواقف الأحزاب تختلف في درجة التشدد وآليات التنفيذ".

المهاجرون بين الخوف والرحيل

من جهة أخرى، يرى المحلل السياسي المتخصص في الشأن الفرنسي، نبيل شوفان، أن الفوز التاريخي لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في "ساكسونيا أنهالت" يثير مخاوف واسعة بين المهاجرين المقيمين في الولاية، حيث يعيش نحو 192 ألف أجنبي، بحسب السجل المركزي للأجانب، بينهم نحو 29 ألف سوري، مما يجعل السوريين إحدى أكبر الجاليات الأجنبية فيها.

وتحدثت منظمات معنية باللاجئين عن "خوف كبير" يسود أوساطهم، فيما قال بعض المهاجرين إنهم يفكرون في مغادرة الولاية، بينما بدأ آخرون بالفعل وضع خطط أكثر جدية للرحيل، بحسب ما ذكرت وكالة "رويترز".

وعن مصدر هذه المخاوف، يعتبر شوفان أنها "تنبع من برنامج الحزب نفسه وخطابه المتشدد تجاه الهجرة". فالحزب يدعو إلى تشديد عمليات الترحيل، وطرح مفهوم "إعادة الهجرة"، إلى جانب توسيع مراكز احتجاز المرحلين، وفرض العمل على طالبي اللجوء. كما سبق لمرشحه لرئاسة حكومة الولاية، أولريش زيغموند، أن دعا صراحة إلى إعادة السوريين الذين يرى أن أسباب حمايتهم في ألمانيا انتهت بعد سقوط نظام بشار الأسد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن، في المقابل، يشير شوفان إلى أن "حكومة الولاية لا تملك صلاحية إلغاء حق اللجوء، باعتباره حقاً ينظمه الإطار القانوني الاتحادي، كما لا تستطيع تغيير قانون الجنسية أو ترحيل مواطن ألماني بسبب أصوله العربية أو السورية. إلا أنها تستطيع التأثير في كيفية تنفيذ بعض سياسات الإقامة والترحيل، فضلاً عن ملفات الشرطة والتعليم وتمويل برامج الاندماج".

ويرى شوفان أن "التهديد الأكثر مباشرة بالنسبة إلى المهاجرين قد يكون أمنياً واجتماعياً ونفسياً، إذ أسهمت الاعتداءات العنصرية السابقة، إلى جانب تصاعد الخطاب المعادي للهجرة، في تعزيز شعور بعض العرب والسوريين بأن انتماءهم إلى المجتمع الألماني بات موضع تساؤل". كما يشير إلى أن تقارير تحدثت عن مهاجرين وطلاب وعاملين في القطاع الصحي يخشون على سلامتهم ومستقبلهم، فيما تخشى منظمات مدنية من أن يمنح الفوز الكبير لحزب "البديل من أجل ألمانيا" مزيداً من الشرعية الاجتماعية للخطاب المعادي للأجانب.

وتكمن المفارقة، في نظر شوفان، في أن "ساكسونيا أنهالت" تعاني أصلاً الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة، وتعتمد قطاعات حيوية، من بينها القطاع الصحي، على المهاجرين والأطباء الأجانب. وبالتالي، فإن دفع هؤلاء إلى الرحيل قد يحوّل الانتصار السياسي لليمين المتطرف إلى مشكلة ديموغرافية واقتصادية تواجه الولاية نفسها.

ختاماً، بين "جدار واقٍ" تتمسك به الأحزاب السياسية، وحزب تتسع قاعدته الانتخابية، ومجتمع يحتاج إلى المهاجرين اقتصادياً وديموغرافياً، تجد ألمانيا نفسها أمام مفارقة تاريخية: هل تستطيع ديمقراطية نجحت في منع عودة النظام النازي أن تمنع، في الوقت ذاته، أفكار طيف أقصى اليمين من التقدم من داخلها؟

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات