Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جنيهان"... عملة مصرية جديدة لحل أزمة "الفكة" أم تآكل القيمة؟

تتوسع الدولة في شمول المواطنين بجميع فئاتهم مالياً وتحفيز التعامل اللانقدي عبر المحافظ الإلكترونية المختلفة

تعتزم الحكومة طرح العملة الجديدة خلال أسابيع قليلة من الآن (اندبندنت عربية)

ملخص

تقرير برلماني تضمن الإشارة إلى أن قيمة النحاس المستخرج من صهر الجنيه المعدني هي 3 جنيهات، لكن مسؤولين واقتصاديين شككوا في الجدوى الاقتصادية للعملية.

بين اختفاء نسبي للجنيه المعدني عن التداول في مصر بفعل "أزمة الفكة"، وتدنٍّ سريع في القيمة الشرائية بفعل قرارات التعويم وارتفاع كلفة سك العملة، يبدو الجنيه المصري في الآونة الأخيرة أمام تحولات تاريخية جديدة.

أحد التحولات التاريخية السابقة للجنيه كانت عام 2005، حين توارى الجنيه الورقي عن الأنظار بعد عقود من التداول انتهت بإزاحته نسبياً من قبل الجنيه المعدني تحت دعاوى التلف السريع وارتفاع كلفة الإنتاج من الأقطان والأحبار الخاصة المستخدمة.

المحطة التاريخية الثانية كانت في منتصف عام 2022، حين استبدلت السلطات بفئتي الـ10 والـ20 جنيهاً الورقيتين عملتين أخريين من مادة الـ"بوليمر" البلاستيكية للمبررات ذاتها.

تحول تاريخي للجنيه المصري

لكن يبدو أن يوليو (تموز) المقبل سيكون هو الآخر موعد تحول تاريخي للجنيه المصري الذي عرفناه، إذ تعتزم وزارة المالية طرح عملة معدنية جديدة من فئة 2 جنيه ضمن خطة تطوير تشمل تحديث عملتي الجنيه و"نصف الجنيه" المعدنيين.

تحظى العملات المعدنية الأصغر بأهمية كبرى وتشغل حيزاً جيداً في منظومة التعاملات اليومية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الفئات النقدية الصغيرة وكسور العملات، في المواصلات العامة وأسواق التجزئة، وهو ما يجعلها موضع تداول حتى الآن.

مع ذلك، يعترف تقرير لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ، الصادر قبل أيام، بارتفاع كلفة المعادن المستخدمة في تصنيع العملات مقارنة بقيمتها الاسمية، مما يدفع البعض إلى تجميعها وإذابتها لتحقيق أرباح من مادة النحاس الموجودة بداخلها، وهو ما يؤدي إلى اضطراب دورة التداول النقدي.

صهر الجنيه المعدن بـ3 جنيهات

ويشير تقرير اللجنة البرلمانية بمجلس الشيوخ وما تضمنه من رد حكومي، إلى ارتفاع كلفة المعادن المستخدمة في تصنيع العملات مقارنة بقيمتها الاسمية، ويقدم ذلك باعتباره سبباً وجيهاً في اختفاء العملات، إذ يدفع ذلك بعض الأفراد إلى صهر تلك العملات لجني مكاسب مادية سريعة.

ويقدر التقرير قيمة العملة الواحدة بعد عملية الصهر بأكثر من ثلاثة جنيهات، من دون احتساب كلفة التصنيع، وهو ما جعل اللجنة البرلمانية إلى الحث على مراجعة عاجلة وشاملة لمنظومة إصدار وتداول العملات المعدنية، لما يشكله ذلك من إهدار صريح للأصول النقدية.

في بيان صحافي قال رئيس مصلحة الخزانة العامة وسك العملة المصرية جمال حسين إن ممارسات الصهر والاتجار غير المشروع في العملات المعدنية دفعت إلى طرح عملة الـ2 جنيه، وتحديث بعض العملات المعدنية المتداولة، والاستمرار في تداول الفئات الحالية من دون إلغاء.

الإبقاء على العملات المتداولة

ولمح حسين إلى تدني القيمة الفعلية للجنيه المعدني عن قيمته الاسمية، إذ يقول عن الخطة المقررة "تشمل الإبقاء على العملات المعدنية المتداولة بمختلف فئاتها، وعلى رأسها فئة الجنيه، مع طرحها بمواصفات فنية محدثة تعزز من كفاءتها وجودتها، بما في ذلك تحديث التركيب المعدني السبيكة لبعض الفئات، خصوصاً الجنيه، باستخدام خامات اقتصادية تحقق التوازن بين القيمة الاسمية وكلفة الإنتاج، وتحد من ممارسات الصهر والاتجار غير المشروع".

لكن في المقابل، ينفى مستشار وزير المالية للشؤون الهندسية شريف حازم في تصريحات إعلامية، وجود جدوى اقتصادية من صهر العملات المعدنية، وأن خليط معادن التصنيع يجعل من كلفة الصهر أعلى من قيمة العملة المعدنية.

ثم يضيف مستشار وزير المالية أن تحديث العملات الحالية وطرح عملة الـ2 جنيه سيخفضان كلفة إنتاج تلك العملات نحو 40 في المئة مع ارتفاع أسعار المعادن في البورصات العالمية.

حل أزمة "الفكة" وكلفة الإنتاج

على رغم التضارب في التصريحات، تأتي الخطوة المزمع اتخاذها خلال الأسابيع القليلة المقبلة على ما يبدو كإجراء يحقق عديداً من الأهداف، كحل أزمة "الفكة" التي تعانيها البلاد، والتي يعزوها التقرير البرلماني إلى نشاط الصهر، وأيضاً خفض كلفة إنتاج تلك العملات لتصبح أكثر جدوى اقتصادياً بحيث تناسب كلفة الإنتاج القيمة الفعلية للعملة.

لكن ذلك لا ينفي تراجع سعر صرف الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة أمام الدولار الأميركي، ليلامس 54 جنيهاً للدولار الواحد في البنوك المصرية، فهل يختفي الجنيه المعدني شيئاً فشيئاً ويتوارى عن الأنظار بفعل تدني القيمة؟

لا يتفق المتخصص الاقتصادي عز الدين حسنين مع ما يثار حول وقوف عمليات صهر العملات خلف أزمة "الفكة"، فلا جدوى اقتصادية ترتجى من عمليات الصهر تلك، كما يقول.

كم نسبة النحاس؟

وأوضح حسنين أن الدولة تستورد أقراص العملات المعدنية، وتتكون من الصلب بنسبة 94 في المئة تقريباً مقابل 6 في المئة من النحاس، وعند تطبيق النسبة على كيلوغرام واحد من العملات المعدنية، فإن نسبة النحاس المستخرجة تبدو ضئيلة للغاية. ولفت حسنين إلى أن فصل النحاس عن الصلب يحتاج إلى عمليات تقنية وتكنولوجيا عالية غير متوافرة لدى المصاهر، إلى جانب كلفة مرتفعة للغاية، وهي العوامل التي تجعل من الصعب نجاح تلك العملية. واعتبر أن إنتاج الجنيه المعدني يكلف الدولة نحو 25 في المئة زيادة على قيمته، أي تصبح كلفة الإنتاج "جنيه وربع" لكن ما يعوض ذلك هو طول عمر هذا الجنيه في التداول لفترات تصل إلى 20 عاماً، بعكس الجنيه الورقي الأسرع تلفاً، والأعلى كلفة.

سد فجوة الفئات النقدية الصغيرة

ورأى المتخصص الاقتصادي أن طرح عملة جديدة فئة 2 جنيه يستهدف الإبقاء على كلفة الإنتاج مع إعطاء العملة قيمة شرائية أكبر، موضحاً "بدلاً من إنتاج جنيه واحد معدني يمكن إنتاج عملة معدنية جديدة تحمل اسم 2 جنيه وبالكلفة ذاتها، مع زيادة قيمتها الشرائية، والأفضل من ذلك كله هو التحول نحو الجنيه الرقمي مستقبلاً".

المتخصص الاقتصادي حسام المنسي رأى هو الآخر أن الهدف من طرح عملة الـ2 جنيه المعدنية سد فجوة الفئات النقدية الصغيرة، والتي تمثل بمجموعها قرابة 1.1 مليار جنيه (21 مليون دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار المنسي إلى أن تداول الـ2 جنيه المعدنية لن تزيح الجنيه المعدني بقدر ما سيساعد في عملية التداول اليومي، معتبراً أن الحاجة إلى وجود جنيه معدني واحد ستظل باقية، مع تيسير تداول النقد من الفئات المعدنية في وسائل المواصلات وقطاع التجزئة وغيرها من قطاعات التعامل اليومية.

التداول الرقمي للعملات

على جانب آخر تتوسع الدولة في شمول المصريين بجميع فئاتهم مالياً وتحفيز التعامل اللانقدي عبر المحافظ الإلكترونية المختلفة، إذ تشير البيانات إلى تنامي سلوك التداول الرقمي للعملات في عمليات البيع والشراء.

بحسب بيانات البنك المركزي المصري ارتفع عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تتيح لهم إجراء معاملات مالية، سواء عبر البنوك أو البريد أو محافظ الهاتف المحمول أو البطاقات المدفوعة مقدماً، نحو 52 مليون مواطن من إجمال 69.6 مليون في الفئة العمرية 15 سنة فأكثر.

المصرفية سهر الدماطي رأت أن النقد "الكاش" ماضٍ جنباً إلى جنب مع الدفع الإلكتروني، لكن الانتقال من مجتمع نقدي تقليدي إلى مجتمع إلكتروني أكثر انضباطاً، يقلل من أخطار ضياع الأموال ويضمن انسياب الموارد إلى خزانة الدولة بوتيرة أسرع.

أكثر كفاءة للموارد العامة

واعتبرت النائبة السابقة لرئيس بنك "مصر" أن هذا التحول لا يقتصر على البعد المالي فحسب، بل يفتح المجال أمام إدارة أكثر كفاءة للموارد العامة وتسريع توجيهها نحو الأولويات الاقتصادية، مما ينعكس بصورة غير مباشرة على زيادة معدلات النمو وتعزيز الدخل القومي.

مما سبق، وسواء كان الجنيه المعدني في طور النهاية أم أنه مستمر بصورة أخرى، فإن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة السياسات النقدية والمالية على الحفاظ على قيمته ووظيفته في تسهيل التعاملات اليومية.

وفي ظل هذا التحول قد يكون مستقبل الجنيه أقل ارتباطاً بصورته المادية، وأكثر اتصالاً بكفاءته داخل منظومة مالية تتجه تدريجاً نحو الرقمنة.

اقرأ المزيد