Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأموال الساخنة تحرق جيوب المصريين من جديد... هل يسقط الجنيه؟

البورصة تهتز وتخسر 3% من قيمتها وخلاف بين المحللين ويرجعون ذلك لخروج أموال ساخنة وقضية ضرب إيران

خروج أموال ساخنة وضغوط جيوسياسية يعيدان الجدل حول التضخم في مصر (رويترز)

ملخص

تتباين قراءات المحللين في حديثهم إلى "اندبندنت عربية" للمشهد الراهن للعملة المحلية بصورة لافتة، فبينما يرى فريق أن المؤشرات الحالية لا تبعث على الاطمئنان، ويحذر من موجة تراجع جديدة للجنيه قد تدفع أسعار السلع والخدمات إلى مزيد من الارتفاع، يذهب فريق آخر إلى تهدئة المخاوف، معتبراً أن ما يحدث تقلب عابر في سوق اعتادت التحركات الحادة، وأن الأوضاع مرشحة للاستقرار خلال الفترة المقبلة.

مع كل قفزة في سعر الدولار، لا يتحرك رقم على شاشة تداول فحسب، بل ترتجف معه تفاصيل الحياة اليومية لملايين الأسر المصرية، حين كسر الدولار حاجز الـ48 جنيهاً والتخوفات تتعلق باستمرار الارتفاع لكسر حاجز الـ50 جنيهاً، لا يبدو الأمر مجرد خبر اقتصادي عابر، بل يتحول إلى سؤال ثقيل على موائد الطعام، كم سيزيد سعر الزيت؟ وكم سترتفع فاتورة الدواء؟ وهل يكفي الراتب حتى نهاية الشهر؟

بالنسبة إلى متوسطي ومحدودي الدخل، لا يُقاس ارتفاع الدولار بمنحنى بياني بل بقدرة تتآكل بصمت، فالموظف الذي يتقاضى راتباً ثابتاً يجد أن ما كان يغطي حاجات أسبوع، بات بالكاد يكفي أياماً.

وصاحب المعاش الذي ينتظر الزيادة السنوية يسبقه التضخم بخطوات، حتى الحرفي أو صاحب المشروع الصغير الذي لا يتعامل مباشرة بالدولار، يشعر بوطأة الزيادة حين ترتفع كلفة الخامات المستوردة أو السلع المرتبطة بسلاسل إمداد عالمية.

الدولار هنا ليس عملة أجنبية بعيدة، بل عامل خفي يتسلل إلى أسعار الأجهزة الكهربائية وقطع الغيار والأعلاف والقمح، وحتى مستلزمات المدارس.

ومع كل زيادة في كلف الاستيراد، تنتقل الضغوط تدرجياً إلى المستهلك النهائي، في صورة زيادات متفرقة قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها تتراكم لتشكل عبئاً حقيقياً على موازنة الأسرة.

الأكثر قسوة أن هذه التحركات غالباً ما تسبق أي تعديل في الدخول، فالأسعار تستجيب بسرعة، بينما الأجور تحتاج قرارات وإجراءات، وهكذا تتسع الفجوة بين الدخل والإنفاق، ويصبح التخطيط المالي للأسرة تحدياً يومياً، لا مجرد حسابات شهرية.

ضمن هذا السياق لا يعود ارتفاع الدولار خبراً في صفحات المال والأعمال، بل قضية معيشية تمس الاستقرار الاجتماعي، وتختبر قدرة الطبقة الوسطى على الصمود، وقدرة محدودي الدخل على الاحتمال.

لذا، عاد التوتر إلى أسواق المال المصرية مع اختراق سعر صرف الدولار حاجز الـ48 جنيهاً، في تحرك سريع أعقب خروجاً جزئياً لرؤوس أموال أجنبية من أدوات الدين المحلية، وتزامن مع موجة بيع في البورصة دفعت مؤشر EGX 30 إلى التراجع بأكثر من ثلاثة في المئة خلال جلسة واحدة.

التحركات الأخيرة أعادت إلى الأذهان مشاهد تقلبات سابقة منذ قرار تحرير سعر الصرف خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، لكنها تأتي هذه المرة في ظل نظام أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات.

وخلال ثلاثة أيام فحسب، خرج نحو 1.2 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين، بحسب بيانات السوق، مما أدى إلى تراجع الجنيه بنحو اثنين في المئة وفقدانه قرابة 69 قرشاً أمام الدولار.

مخاوف من تكرار سيناريو الأموال الساخنة

خلال الأعوام الماضية شهد الاقتصاد المصري خروج نحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة عام 2022، مما أسهم في الضغط على العملة وأزمة السيولة، مما دفع الحكومة لاتخاذ سياسات متنوعة لجذب النقد الأجنبي وتخفيف الضغط طويل الأمد، وحينها قال وزير المالية السابق محمد معيط "لقد تعلمنا الدرس جيداً" وكان يقصد حينها عدم الاعتماد بصورة كبيرة علي الأموال الساخنة.

وفي الوقت ذاته، باعت الحكومة أذون خزانة بقيمة 14.2 مليار جنيه خلال أسبوع، بينما صعد سعر الدولار في 11 بنكاً مع نهاية تعاملات أمس الأربعاء.

وسجل السعر في البنك الأهلي المصري وبنك مصر 47.88 جنيه للشراء و47.98 جنيه للبيع، بينما بلغ في البنك التجاري الدولي 47.88 جنيه للشراء و47.98 جنيه للبيع.

أما في مصرف أبوظبي الإسلامي فقد سجل 48.12 جنيه للشراء و48.22 جنيه للبيع، في أعلى سعر بين البنوك.

الضغوط لم تقتصر على سوق الصرف، فقد تصدر سهم البنك التجاري الدولي قائمة الخاسرين متراجعاً بنحو أربعة في المئة، وسط عمليات بيع مكثفة، خلال وقت كشفت فيه مصادر عن قيام مؤسسات أجنبية ومحلية بخفض مراكزها في الأسهم وأدوات الدين، مما عزز حالة التقلب.

تتباين قراءات المحللين في حديثهم إلى "اندبندنت عربية" للمشهد الراهن للعملة المحلية بصورة لافتة، فبينما يرى فريق أن المؤشرات الحالية لا تبعث على الاطمئنان، ويحذر من موجة تراجع جديدة للجنيه قد تدفع أسعار السلع والخدمات إلى مزيد من الارتفاع، يذهب فريق آخر إلى تهدئة المخاوف، معتبراً أن ما يحدث تقلب عابر في سوق اعتادت التحركات الحادة، وأن الأوضاع مرشحة للاستقرار خلال الفترة المقبلة.

"نتمنى ألا يحدث ذلك التراجع"، هكذا بدأ المحلل الاقتصادي هاني جنينة حديثه، قائلاً "لدينا اتجاهان، الأول تصعيد عسكري في منطقة الشرق الأوسط قد تشتبك فيه دول الإقليم ومن بينها دول الخليج وفي حالة اتساع الاشتباك ليضم إسرائيل فمن الممكن جداً أن نجد ضغوطاً قوية على الجنيه قد تدفعه إلى التراجع".

ويستدرك جنينة "لكن في ظل اتباع آلية سعر الصرف المرن قد تمتص العملة المحلية الصدمة بصورة نوعية حتى يحدث التوازن، ولكن إذا ثبتنا سعر الصرف سيكون الأمر ضاراً جداً".

وتابع "البنك المركزي المصري سيتريث كثيراً قبل خفض سعر الفائدة في ظل الظروف الحالية لبث الطمأنينة في نفوس المستثمرين، وخصوصاً المدخرين منهم، للحفاظ على مصدر الدخل الثابت".

 لكن بنظرة أكثر تشاؤماً يرى المحلل الاقتصادي هاني توفيق أن هناك صعوبة قد تواجه العملة المحلية خلال الفترة المقبلة، مرجعاً ارتفاع الدولار إلى تخارج جزئي للأجانب من أذون الخزانة، مرجعاً ذلك إلى مخاوف من تصعيد عسكري محتمل ضد إيران وتأثيره السلبي في اقتصاد مصر والمنطقة.

وضمن السياق ذاته، وجه الإعلامي محمد علي خير رسالة انتقادية إلى البنك المركزي المصري، متسائلاً عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن جدوى خفض أسعار الفائدة في ظل سوق صرف شديد الحساسية، محذراً من تكرار تجربة خروج الأموال الساخنة التي شهدتها البلاد عقب عام 2016.

وأشار خير إلى أن إجمال الأموال الساخنة في مصر يبلغ نحو 45 مليار دولار، متسائلاً عما إذا كان خروج 10 مليارات دولار قد يؤدي إلى تراجع أكبر في قيمة الجنيه، خصوصاً بعدما تسبب خروج 1.2 مليار دولار فحسب في انخفاض العملة بنسبة اثنين في المئة خلال أيام قليلة.

ودعا إلى دراسة شاملة للموقف في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وتأثير ذلك في الاقتصاد العالمي.

قراءة أكثر هدوءاً: مرونة لا انهيار

في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي الدكتور مدحت نافع أن التراجع الأخير يعد تحركاً طبيعياً في إطار نظام سعر صرف مرن، ولا يرتبط فقط بخروج جزئي للأجانب، بل يتأثر أيضاً بموسمية الطلب على الدولار وتحركات المحافظ الاستثمارية.

وأوضح أن السوق شهدت خلال أبريل (نيسان) 2025 خروج نحو 1.7 مليار دولار خلال شهر واحد من دون أثر مؤلم على المحصلة النهائية، خصوصاً أن الأشهر السبعة الأولى من العام ذاته سجلت تدفقات قاربت 10.7 مليار دولار إلى أدوات الدين، مما وفر غطاء قوياً.

وأشار نافع إلى أن شهر رمضان يمثل عامل ضغط موسمي بسبب زيادة الواردات والطلب على الدولار لأغراض العمرة والاستعدادات للعيد، مؤكداً أن هذه العوامل موقتة بطبيعتها، ولفت إلى أن عقود التأمين على الديون تتحرك حالياً في نطاقات معقولة مقارنة بمستويات قياسية سابقة، مما يقلل احتمالات عودة السوق الموازية في الأجل القريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية، أوضح أن بيانات التداول أظهرت صافي بيع من المستثمرين العرب في السندات وأذون الخزانة مقابل صافي شراء محدود من الأجانب، مما يعكس حالة ترقب إقليمي.

لكنه خلال الوقت نفسه، حذر من أن الأموال الساخنة بطبيعتها شديدة الحساسية لفروق الفائدة، مما يجعل الاعتماد الكبير عليها مصدر قلق دائم.

أدوات امتصاص السيولة

وسط هذه الأجواء، تحركت البنوك الحكومية لامتصاص السيولة، فقد طرح بنك مصر شهادة الادخار الثلاثية المتناقصة "ابن مصر" بعائد يصل إلى 22 في المئة خلال العام الأول بدورية صرف سنوية، ثم 17.5 في المئة و13.25 في المئة خلال العامين التاليين.

أما بدورية صرف شهرية، فيبلغ العائد 20.5 في المئة خلال العام الأول، و16.25 في المئة خلال العام الثاني، و12.25 في المئة في العام الذي يليه.

وتبدأ فئات الشهادة من 1000 جنيه ومضاعفاتها، مع إتاحة الاقتراض بضمانها وإصدار بطاقات ائتمانية، وإمكانية الاسترداد بعد ستة أشهر.

يأتي ذلك بعد قرار البنك المركزي خفض أسعار الفائدة الأساس واحداً في المئة الشهر الماضي، لتصل إلى 19 في المئة للإيداع و20 في المئة للإقراض و19.5 في المئة للعملية الرئيسة.

العوامل الهيكلية: دعم قائم وضغوط كامنة

وعلى رغم التقلبات، يشير نافع إلى تحسن العوامل الهيكلية، موضحاً أن تحويلات المصريين بالخارج سجلت مستوى قياسياً بلغ 41.5 مليار دولار عام 2025، إلى جانب تحسن إيرادات قناة السويس والسياحة.

لكنه شدد على أن الاستقرار المستدام لسعر الصرف يتطلب معالجة العجز في الميزان التجاري، الذي يبلغ نحو 50 مليار دولار، معتبراً أن الاتجاه الطبيعي للجنيه في ظل هذا العجز هو فقدان جزء من قيمته تدريجياً ما لم يتحسن هيكل التجارة الخارجية.

بين ذاكرة 2016 وواقع 2026

منذ تعويم 2016، تغيرت طبيعة إدارة سوق الصرف في مصر، ففي السابق، كان تثبيت السعر يؤدي إلى تراكم الضغوط ثم انفجارها دفعة واحدة.

أما اليوم، فيتحرك السعر فوراً لامتصاص الصدمات، السؤال لم يعد ما إذا كان الدولار سيرتفع أو ينخفض في جلسة بعينها، بل ما إذا كانت التدفقات الدولارية الحقيقية (تحويلات وسياحة وصادرات) قادرة على موازنة حساسية رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

في اقتصاد يعمل بسعر صرف مرن، تصبح التقلبات جزءاً من آلية التكيف، لا بالضرورة مؤشراً إلى أزمة، لكن استمرار الضغوط الجيوسياسية وخروج الأموال الساخنة يضعان صناع السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة، حماية الاستقرار من دون خنق النمو، واحتواء التوقعات التضخمية من دون العودة إلى دوامة الاعتماد المفرط على التدفقات قصيرة الأجل.

اقرأ المزيد