ملخص
المحللون توقعوا ارتفاع معدلات التضخم وسط مخاوف من استمرار خروج "الأموال الساخنة" بفعل التبعات السلبية للحرب في الإقليم.
انزلق الجنيه المصري من جديد صوب مستوى قياسي غير مسبوق للمرة الأولى في تاريخه مسجلاً ما يزيد على 53 جنيهاً للدولار الأميركي في البنوك المصرية ليفقد بذلك قرابة 10 في المئة من قيمته خلال شهر، وسط تبعات سلبية للحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد، مما أدى إلى خروج مئات الملايين من "الأموال الساخنة" من السوق.
سجلت العملة المصرية مع استئناف عمل البنوك، اليوم الأحد، مستوى 53.66 جنيه للدولار في بنوك "التنمية الصناعية"، و"مصرف أبوظبي الإسلامي" و"بنك بيت التمويل الكويتي"، وهو السعر الأعلى للبيع من بين البنوك العاملة في السوق، بينما كان السعر الأقل أمام العملة الأميركية لدى "بنك الإمارات دبي الوطني" عند مستوى 52.75 جنيه للبيع.
ومع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني من دون ظهور أي بادرة لتراجع وتيرتها، تخارجت استثمارات للأجانب في أدوات الدين بمصر، في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وسط توقعات بمزيد من التخارج خلال الأيام المقبلة.
أسعار الفائدة
يأتي تراجع الجنيه المصري الأخير قبيل أيام من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، إذ من المقرر أن تراجع اللجنة أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض الخميس المقبل، وسط توقعات بإبقاء أسعار الفائدة في مصر من دون تغيير لكبح جماح التضخم.
سجلت الأسعار الحالية لعائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسة للبنك المركزي 19 و20 و19.5 في المئة على التوالي، بعد سلسلة خفض لأسعار الفائدة بلغت إجمالاً 725 نقطة أساس خلال 2025، تلاها خفض بواقع 100 نقطة أساس بأول اجتماعات هذا العام في فبراير (شباط) الماضي.
رجحت محلل الاقتصاد الكلي بشركة "أتش سي"، هبة منير، أن تُبقي لجنة السياسة النقدية علي أسعار الفائدة من دون تغيير في اجتماعها الخميس، وقالت في مذكرة، إن الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب تؤثر في الاقتصاد العالمي وفي مصر أيضاً.
تخارج الأموال الساخنة
أظهر الوضع الخارجي للاقتصاد المصري مؤشرات قوية قبل اندلاع الحرب، مما خفف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً، ومنها ارتفاع صافي الاحتياط النقدي الاجنبي بنحو 11 في المئة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير، بجانب ارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، بحسب منير.
وتضيف أن صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي اتسع بشكل ملحوظ بنحو 16 في المئة على أساس شهري و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي إلا أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ أول مارس (آذار) حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو تسعة في المئة منذ الـ28 من فبراير الماضي ليصل إلى 52.6 جنيه للدولار، الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.
5 قرارت من التعويم
وعانت البلاد أزمة في سعر الصرف منذ جائحة كورونا مما استدعى من البنك المركزي المصري تحرير السعر عبر خمسة قرارات لـ"التعويم" آخرها في مارس 2024، ضمن اتفاق للإنقاذ المالي مع صندوق النقد الدولي مقابل قرض قيمته 8 مليارات دولار.
ويتخوف الشارع من تبعات انفلات سعر الجنيه بفعل آثاره التضخمية في معيشة المواطنين، بعدما بلغ التضخم ذروته التاريخية عند 38 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أن يبدأ في التراجع إلى 11.9 في المئة في يناير الماضي من 12.3 في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وسبق أن قالت شركة الأبحاث "فيتش سوليوشنز" إن مصر تواجه تحديات متزايدة بسبب الحرب الإيرانية، متوقعة استمرار تخارجات الأجانب خلال الأسابيع المقبلة، بما يزيد الضغوط على سعر الصرف ويرفع احتمالات تجاوز سعر الـ47 جنيهاً الذي كان سائداً.
أسعار الوقود
وتواجه القاهرة التزامات خارجية بنحو 50.8 مليار دولار من الديون التي يتعين سدادها بحلول نهاية سبتمبر المقبل، وفقاً لجدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، من بينها قرابة 21 مليار دولار من الودائع والعملات لدى البنك المركزي المصري، وغالبها يخص دولاً خليجية ويُجدد بصورة دورية.
أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المئة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المئة في المتوسط في الـ10 من مارس، التي سيكون لها تأثير في معدلات التضخم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقعت محللة "أتش سي" ارتفاع التضخم السنوي الرئيس لمارس إلى 14.3 في المئة على أساس سنوي و2.4 في المئة على أساس شهري، ليراوح ما بين 13 و14 في المئة على أساس سنوي خلال عام 2026، مقارنة بمتوسط توقعاتها السابقة ما بين 10-11 في المئة على أساس سنوي قبل اندلاع النزاع، وهو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي.
السيناريو الأقرب في الوقت الراهن
المتخصص الاقتصادي محمد عبدالوهاب، وافق الرأي السابق حيال توقعات الفائدة، إذ يرى أن "المركزي المصري" يتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية، في ظل توازن دقيق بين احتواء التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي.
عبدالوهاب قال إن قرار التثبيت يُعد السيناريو الأقرب في الوقت الراهن، خصوصاً مع متابعة البنك المركزي لتداعيات رفع أسعار الوقود الأخيرة، وهو ما قد ينعكس تدريجاً على مستويات الأسعار في السوق، لافتاً إلى أن الزيادة في أسعار الوقود من المتوقع أن تدفع معدل التضخم للارتفاع بنحو اثنين إلى ثلاثة في المئة خلال الفترة المقبلة، نتيجة انتقال تأثير الكلفة إلى قطاعات النقل والخدمات وسلاسل الإمداد، وهو ما قد يظهر في بيانات التضخم خلال الأشهر المقبلة.
التدرج في القرارات الصعبة
ويشير المتخصص الاقتصادي إلى أن تثبيت أسعار الفائدة سيمنح صناع السياسة النقدية فرصة لتقييم الأثر الكامل لقرارات تسعير الطاقة، قبل اتخاذ أي خطوات إضافية، بخاصة أن الاقتصاد المصري لا يزال في مرحلة استيعاب موجة الإصلاحات الاقتصادية وإجراءات ضبط المالية العامة، بجانب الظروف الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية بالمنطقة التي دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثرت في سلاسل الإمداد.
أمس السبت، قال رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، إن حكومته تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، ولذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك من دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.
وشدد رئيس مجلس الوزراء المصري على أن حكومته تتبع سياسة التدرج في اتخاذ القرارات لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان، محذراً في الوقت ذاته من اللجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر للإنفاق، حال استمرار هذه الأزمة فترة أطول.