ملخص
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد اعتقال اليوسف بعد طول انتظار، وصاحب ذلك وصول سوريين إلى الحفرة ذاتها وهم يحتفلون ويرفعون الأعلام السورية ويهتفون معبرين عن فرحهم بتحقيق العدالة، في حين قال أحد المحتفلين لـ"اندبندنت عربية"، "كنا قبل أيام في هذه البقعة نحيي ذكرى المجزرة".
في صباح ربيعي قبل أعوام عدة من سقوط نظام بشار الأسد، سُلّم مجند جديد في ميليشيا سورية موالية جهاز كمبيوتر محمولاً تابعاً لأحد الأجنحة الأمنية، فتح الشاشة ونقر بفضول على ملف فيديو، وهي خطوة شجاعة بالنظر إلى العواقب، إذا كان أي شخص قد ضبطه وهو يتطفل.
كانت اللقطات غير ثابتة في البداية، قبل أن تقترب من حفرة محفورة حديثاً في الأرض بين مبنيين مثقوبين بالرصاص. بينما كان ضابط استخبارات يعرفه يركع قرب حافة الحفرة، مرتدياً بزّة عسكرية وقبعة صيد، ويلوح ببندقية هجومية ويصدر الأوامر.
جمّد الرعب رجل الميليشيا المبتدئ مع تتابع المشهد، إذ اقتيد رجل معصوب العينين من مرفقه، وطلب منه الركض نحو الحفرة العملاقة التي لم يكُن يعلم أنها تقع أمامه. كما لم يتوقع الرصاص الذي استقر في جسده، بينما كان يسقط على كومة من القتلى تحته، ثم تبعه مزيد من المعتقلين المطمئنين، قيل لبعضهم إنهم كانوا يركضون من قناص قريب، بينما تعرّض البعض الآخر للسخرية والإيذاء في اللحظات الأخيرة من حياتهم. بدا أن كثيراً منهم يعتقدون أن القتلة كانوا يقودونهم بطريقة ما إلى بر الأمان.
إلى جانب أكوام التراب المكدسة التي ستُستخدم قريباً لإنهاء المهمة، سكب القتلة الوقود على الجثث وأشعلوها، وقد تم ختم الفيديو بتاريخ الـ16 من أبريل (نيسان) 2013.
ساد شعور بالغثيان لدى المجند، الذي قرر على الفور أن اللقطات بحاجة إلى المشاهدة في مكان آخر، قاده هذا القرار، بعد ثلاثة أعوام، إلى رحلة محفوفة بالأخطار، في واحدة من أحلك اللحظات في تاريخ سوريا الحديث، انتهت بالأمان النسبي في أوروبا. وهي الرحلة التي خاضها معه اثنان من الأكاديميين أمضيا أعواماً في محاولة نقل المصدر الرئيس في تحقيق استثنائي إلى بر الأمان، مع تحديد الرجل الذي قاد المذبحة وإقناعه بالاعتراف بدوره.
أول المجزرة وآخرتها
كانت هذه بداية قصة أشهر جريمة حرب ارتكبها أحد أشهر منفذي جرائم النظام السوري السابق، الفرع 227 من جهاز الاستخبارات العسكرية في البلاد، إذ تُظهر اللقطات التي تم تسريبها على نطاق واسع، مذبحة ارتُكبت في الضاحية الجنوبية لدمشق، حيث تم القبض على مجموعات من المدنيين، معصوبي الأعين، مقيدي الأيدي، وساروا نحو حفرة الإعدام غير مدركين أنهم على وشك أن يُقتلوا بالرصاص.
لقي ما لا يقل عن 41 رجلاً مصرعهم في هذه المقبرة الجماعية بضاحية التضامن، وهي جبهة قتال في الصراع الدائر بين الزعيم السوري السابق والمتمردين الذين اصطفوا ضده، وسكب القتلة الوقود على جثثهم وأشعلوا فيها النيران، ضاحكين من الجريمة التي جرت على بعد أميال من مقر بشار الأسد.
هذا المشهد المرعب ظلّ محفوراً بذاكرة السوريين، لا سيما أن مرتكبيها وثقوا بأنفسهم وعبر هواتفهم المحمولة تفاصيل ساعة الرعب والدم والنار. ومنذ ذلك الوقت ظل طي الكتمان مع زحام أخبار الموت والقصف والصراع المسلح الدامي الذي عاشه السوريون حتى سقوط بشار الأسد، ومع غياب سطوة الأجهزة الأمنية التي ينتمي إليها المجرمون اختفى أحد المتورطين الرئيسين وأشهرهم، ويدعى أمجد اليوسف، في جبال وعرة بين حماة واللاذقية إلى أن ألقي القبض عليه أخيراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نبأ الإمساك بصاحب حفرة الموت في حي التضامن أثلج قلوب الشارع السوري المتعطش لمحاسبة مرتكبي مجازر مروعة في حق المدنيين طوال عقد الصراع المسلح (2011 - 2024). وقال وزير الداخلية أنس الخطاب في خبر إعلان القبض عليه "المجرم أمجد اليوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة".
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد اعتقال اليوسف بعد طول انتظار، وصاحب ذلك وصول سوريين إلى الحفرة ذاتها وهم يحتفلون ويرفعون الأعلام السورية ويهتفون معبرين عن فرحهم بتحقيق العدالة، في حين قال أحد المحتفلين لـ"اندبندنت عربية"، "كنا قبل أيام في هذه البقعة نحيي ذكرى المجزرة".
ويعتبر اليوسف أحد المتهمين الرئيسين في هذه الجريمة، إذ ظهر في الفيديو المسرب مرتدياً لباساً عسكرياً، ويضع على رأسه قبعة صيد، ويطلق الرصاص على الضحايا بدم بارد، متهكماً وساخراً بطريقة مفرطة أمام مشاهد إزهاق أرواح 41 ضحية من المدنيين بينهم سبع نساء وعدد من الأطفال، ضمن حملة تطهير وتصفية مارستها مجموعات مسلحة تتبع أجهزة الأمن والجيش التابعة لبشار الأسد.
في غضون ذلك، أبدى الشارع السوري سعادته بسقوط المجرم، بعدما كان يتنقل بين جبال وعرة تقع بين حماة واللاذقية وبيته في قرية نبع الطيب بريف حماة وسط سوريا متخفياً عن الأنظار.
أوان الفرح والقصاص
يرى الناشط الحقوقي يحيى السيد عمر، أن "هذه العملية نوعية بامتياز، فاليوسف شخصية عسكرية وأمنية عمل بصفة 'متطوع' ومحقق في الفرع 227 وهو جهاز استخباراتي سيئ السمعة، وسيفيد اعتقاله في عملية القبض على من أعطى الأوامر بالقتل والتصفية، وسيقود حتماً إلى معلومات في غاية الأهمية عن ضباط كبار في السلك الأمني وأسرارهم، لا سيما أنه كان يعمل في المربع الأمني في دمشق".
وجزم عمر لـ"اندبندنت عربية" بأن "وقوع هذا المجرم في قبضة الحكومة لا يكفي، فلا بد من محاسبته بشكل علني، وأن تنقل هذه المحاكمة على الهواء مباشرة، لتكون بداية الطريق لمحاسبة المجرمين، وتطبيق العدالة الانتقالية، وسط أخبار عن محاكمة العميد في الأمن السوري وقريب بشار الأسد، عاطف نجيب المتسبب الأول بثورة أبناء محافظة درعا جنوب سوريا".
ويفسّر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني، شهرة أمجد اليوسف بكونها جاءت نتيجة توثيقه لجرائمه بنفسه وهو يقتل ويحرق ويركل الضحايا بسادية نادرة وبهذا الشكل الصارخ، وهي بالنتيجة طبيعة المنظومة الأمنية المتوحشة التي كثيراً ما حذرت المنظمات الحقوقية منها.
ردود فعل القبض على اعتقال اليوسف تجاوزت المستوى المحلي إلى ترحيب دولي، إذ أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك بهذه العملية وعدّها "خطوة جادة نحو المحاسبة، بعيداً من الإفلات من العقاب، وتجسيداً لنموذج جديد للعدالة يتبلور في سوريا ما بعد الأسد"، وكتب في حسابه على منصة "إكس"، "النموذج الجديد للعدالة في سوريا قائم على سيادة القانون، والمصالحة الوطنية، وتطبيق العدالة على قدم المساواة، بصرف النظر عن الانتماءات السابقة".
وكان النظام السوري السابق نفى عام 2022 بعد إماطة اللثام عن المجزرة على لسان مصدر رسمي مسؤول في وزارة الخارجية، هذه المشاهد وقال إنها مفبركة ومجهولة المصدر.