ملخص
تحاول التنظيمات السياسية السريانية إثبات وجودها وتحقيق المشاركة في تأسيس العهد الجديد في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لا سيما أن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا حققت لها شراكة في الإدارة والتمثيل السياسي والعسكري والأمني، إضافة إلى انتعاش وتطور اللغة السريانية التي تدرس في المدارس وفق منهاج دراسي كامل.
لا يكترث السريان في مناطق الجزيرة ومحافظة الحسكة السورية بقلة أعدادهم، لا سيما مع اشتداد الحرب في سوريا واستهداف المسيحيين، بخاصة في محافظة الحسكة (شمال شرق) خصوصاً من قبل تنظيم "داعش".
عدم الاكتراث هذا نابع من ثقة السريان بأنهم مكون أصيل في المنطقة، ويرفضون وصفهم بالأقلية في البلاد مرجحين كفة وصفهم بالمكون الأصيل مقارنة بغيرهم كالعرب والكرد والتركمان وغيرهم.
ثمة مقاربة تاريخية يرددها السريان حتى الآن بأن سوريا هي تسمية نسبة إلى السريان والآشوريين، ودرجت هذه التسمية مع المستشرقين، ثم اعتمدتها فرنسا في سنوات انتدابها هذه البلاد مقابل تسمية الشام التي كانت معتمدة في العصور الإسلامية، بما فيها السلطنة العثمانية التي كانت ترى بلاد الشام ولايات عدة تشكلت من بعض أجزائها سوريا الحالية بحدودها السياسية المعروفة.
إلى جانب وجود مئات البلدات والقرى بأسماء سريانية قديمة في عموم المناطق السورية فإن اللغة التي كان يتحدث بها السيد المسيح هي ذات أصول سريانية، وتمثل الثقافة لدى السريان جزءاً من تكوين المنطقة في جوانبها الفنية والعلمية، لا سيما في حركة الترجمة من اليونانية والإغريقية القديمة، وإلى العربية في عصور النهضة الإسلامية، فضلاً عن تأثرهم بالحملات الصليبية وانكفائهم في مراحل وبروز دورهم في مراحل أخرى ومشاركاتهم في مختلف تحولات المنطقة.
حضور سرياني بارز
شهدت سوريا، عقب تشكلها في ظل الانتداب الفرنسي، حضوراً سريانياً بارزاً في بنيتها السياسية، لا سيما في منطقة الجزيرة التي تمتعت بوضع خاص وتأخر انضمامها إلى الدولة السورية الناشئة من أربع دويلات. ويعزى ذلك إلى الإرث الإداري العثماني، وقيام تركيا الحديثة، فضلاً عن الوجود البريطاني في ولاية الموصل سابقاً والعراق الحديث، مما جعل المكون السرياني - الآشوري يتأثر بالتحولات الإقليمية في العقود الأولى من القرن الـ20.
وخلال تلك المرحلة، ازداد حضورهم في سوريا نتيجة أحداث دامية في الجوار، أبرزها مجازر السيفو عام 1915، التي دفعت كثيرين إلى النزوح جنوباً نحو مناطق النفوذ الفرنسي. وشهدت منطقة الجزيرة تدفق آلاف العائلات الآشورية من نينوى، حيث استقرت على ضفاف نهر الخابور، مشكلة ما يعرف اليوم بقرى الخابور، التي تجاوز عددها 30 قرية. وقد تعرضت هذه القرى لهجمات عنيفة من تنظيم "داعش" عام 2015، مما أدى إلى تهجير معظم سكانها وتدمير عدد من كنائسها.
في سوريا انتعشت حياة السريان بعد استقرار الأوضاع فيها نسبياً، لا سيما في مجال التجارة والصناعة كما في حلب، وكذلك في المجالين الزراعي والتجاري في الجزيرة السورية، إضافة إلى انتظامهم في الحياة المدنية والثقافية التي بدأت تزدهر بعد خروج المناطق من سيطرة السلطنة العثمانية، إضافة إلى تشكل المدن الصغيرة في الجزيرة وازدهار القديمة فيها.
مع وصول الحكم العسكري وترسخ الاستبداد في سوريا، انكمش الحراك السرياني وأصبح أكثر محدودية، واقتصر في معظمه على النشاط الكنسي وبعض الأنشطة الكشفية للشبيبة، إضافة إلى حضورهم في وظائف رسمية محلية، ونادراً ما وصل تمثيلهم إلى البرلمان، غالباً في إطار توظيف السلطة ورقة تمثيل الأقليات المسيحية.
في المقابل، لم يحظَ هذا المكون بأي اعتراف رسمي في الدستور، ولا في الخطابات أو المناسبات الحكومية، فيما اقتصر السماح بتعلم اللغة السريانية على نحو ساعتين أسبوعياً، ضمن نطاق الطقوس الكنسية.
انتعاش الهوية
مع ظهور الإدارة الذاتية أصبح الوجود السرياني فيها أساساً من حيث التمثيل وتبوُّؤ المناصب واعتماد السريانية لغة أساسية رسمية إلى جانب العربية والكردية، كذلك زاد في هذه الفترة الممتدة على مدى 10 سنوات النشاط السياسي والثقافي واللغوي والنسوي إضافة إلى تشكيلات عسكرية وأمنية في إطار "قوات سوريا الديمقراطية" والأجهزة الأمنية المحلية في محافظة الحسكة، إلا أن هذه المشاركة بقيت مقتصرة على فصيلين من السريان والآشوريين في حين بقيت "المنظمة الآثورية الديمقراطية" مع القوى المعارضة السورية في إطار الائتلاف الوطني السوري المعارض، فضلاً عن طيف واسع غير منظم في إطار حزبي بقي مع النظام السوري المخلوع ومؤسساته من دون الانتظام في أعمال عسكرية واضحة في المنطقة.
شكل سقوط النظام المخلوع في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 لحظة الحقيقة بالنسبة إلى السريان في هذه البلاد، آملين أن ترتقي المكتسبات التي حققوها في المناطق التي يوجدون فيها، لا سيما في شمال وشرق سوريا، إلى مكتسبات رسمية في البلاد.
قلق الحاضر
من أجل هذا الأمل سعت الأطراف السياسية السريانية البارزة إلى توحيد رؤيتها السياسية بخصوص الأوضاع في البلاد، وفق خصوصياتها السياسية والعرقية والدينية، على أن تكون للسريان خصوصيتهم الثقافية والهوياتية على أساس الاعتراف باللغة وضمان مشاركتهم في إدارة البلاد.
كذلك شارك حزب "المنظمة الآثورية الديمقراطية"، وهي من أقدم التنظيمات السياسية السريانية ويعود تأسيسها إلى عام 1957، في مؤتمر الحوار الوطني في أواخر فبراير (شباط) من العام الماضي، وطرحت المنظمة رؤية السريان ومطالبهم في البلاد، كذلك عقدت لقاءات رسمية بين المسؤولين السوريين والأطراف الفاعلة السريانية، لكن غالباً، جرى اعتبارهم من قبل الحكومة على أنهم جماعة مسيحية من دون صفة قومية رسمية.
مسيحيون... ولكن!
مسؤول "المنظمة الآثورية الديمقراطية" كبرئيل موشي قال إن الوجود السرياني قديم في سوريا، "وعلى رغم توزعهم دينياً على كنائس مسيحية عدة، فإن الاعتزاز بهذه الهوية الدينية المسيحية لا يلغي الرغبة بالاعتراف بها كهوية قومية"، مضيفاً "من الضروري الاعتراف بعيد أكيتو (عيد رأس السنة السريانية الأشورية)، والذي كان عيداً قومياً لآلاف السنين في سوريا وبلاد ما بين النهرين ويجري الاحتفال به في الأول من أبريل (نيسان) من كل عام"، مطالباً الحكومة السورية بأن تولي اهتماماً بالثقافة والتراث السرياني كجزء من غنى التنوع في البلاد.
وطالب موشي بأن يكون للسريان الآشوريين تمثيل على أساس الكفاءة وباعتبارهم مكوناً ويكون لهم تمثيل متكافئ "وطبعاً هذا ينسحب على كل المكونات، سواء على المستويات المحلية أو الوطنية بالنسبة إلى الحكومة"، مستنداً بذلك إلى المادة السابعة للإعلان الدستوري الموقت التي تناولت احترام التنوع الثقافي الموجود في سوريا "نأمل أن تترجم هذه المادة الموجودة في الإعلان الدستوري"، ومستشهداً أيضاً بالمرسوم رقم 13 الذي اعترف بالعيد القومي للكرد في سوريا واعتبار لغتهم لغة وطنية، واصفاً الخطوة بالجريئة "في المشهد الوطني السوري بعد سنوات من الحرمان والإقصاء"، وعليها طالب مسؤول "المنظمة الآثورية" بإصدار مراسيم خاصة بالسريان الأشوريين وببقية المكونات القومية الموجودة في سوريا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مؤشرات ومآخذ
خلال الفترة السابقة تقدم عديد من المسؤولين الحكوميين بالتهنئة والتبريك للسريان مع احتفالهم بعيد "أكيتو"، وتلقوا اتصالات من الجانب الحكومي، إضافة إلى أن وفداً من السريان التقى وزير الداخلية أنس خطاب بغية شرح الواقع والمطالب السريانية في البلاد مما قيمه مسؤول "المنظمة الآثورية الديمقراطية" بالخطوات الإيجابية من قبل الحكومة.
في المقابل، هناك مآخذ سريانية على الحكومة، إذ على رغم تفهم السريان التعقيدات التي ورثتها البلاد من النظام المخلوع في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي تشكل ملفات ضاغطة على أي حكومة بحسب مسؤول "المنظمة الآثورية الديمقراطية"، فإنه لفت إلى "غياب إرادة حقيقية لمعالجة هذه الملفات، لا سيما ما يخص معالجة حال التنوع القومي بطريقة حقيقة تخلق أجواء مريحة عند المجتمع السوري"، إضافة إلى وجود نهج أحادي اعتمد على أساس الولاء وليس على أساس الكفاءة أو توسيع إطار المشاركة في بناء الدول، في حين أن "المرحلة الانتقالية تحتاج لمشاركة كل أطياف في المجتمع السوري من دون استثناء".
ولفت موشي أيضاً إلى أن الفترة السابقة شهدت "حالة شيطنة الأقليات ووصمهم بأشياء ليست موجودة كتحالف الأقليات وغيرها"، مما خلق حالاً من التوتر في عدد من المناطق.
تراجع الاعتراف
ومع بدء تنفيذ اتفاق الـ29 من يناير (كانون الثاني) ارتفعت وتيرة انتقاد السريان لواقع عدم الاعتراف الرسمي بهم، وبدا ذلك واضحاً مع وضع لافتات بأسماء المؤسسات الحكومية حملت اللغتين العربية والكردية، في حين أن أسماء المؤسسات لدى الإدارة الذاتية كانت تضم اللغة السريانية أيضاً، فضلاً عن وجود شراكة سياسية وإدارية للمكون السرياني بصورة واضحة في مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
في السياق قال موشي "كانت السريانية إلى جانب اللغتين العربية والكردية لغة رسمية في مؤسسات الإدارة الذاتية بموجب العقد الاجتماعي الصادر عن مجلس سوريا الديمقراطية، وهذه الخطوة بالنسبة إلينا تمثل تراجعاً وعليه نطالب السلطات بإدراج اللغة السريانية أيضاً في لافتات أسماء المؤسسات".
مخاوف أمنية
وعبر موشي عن خوف السريان والمسيحيين المتزايد، وارتفاع نبرة الخطاب الطائفي، مستشهداً بعدد من الحوادث التي تعرض لها المسيحيون في مناطق مختلفة في البلاد، وأشار إلى قرار كنسي، هو الأول من نوعه منذ عقود، اتخذته الكنائس في سوريا نص على إلغاء مظاهر الاحتفال بالأعياد الدينية بما فيها تزيين الشوارع، واقتصار إحياء الأعياد على الطقوس والصلوات الكنسية فحسب، ولفت إلى أن "الخوف الموجود، للأسف، ليس من السلطة القائمة بقدر ما هو خوف من حاضنة وبيئة هذه السلطة التي تقوم بممارسات وتصرفات متطرفة"، وأشار السياسي السرياني إلى أن تشكيل القوات الأمنية والعسكرية أصبحت الآن "مقتصرة على مكون سوري واحد وهو المكون العربي السني"، في حين أن "المؤسسة العسكرية الآن تخلو من وجود مسيحي أو كردي أو درزي".