ملخص
يرى حقوقيون أن غياب العدالة الانتقالية وتحديد المجرمين وأنصار نظام الأسد ومحاسبتهم على أفعالهم دفع إلى شيوع هذا المصطلح، حتى بات مطاطاً لدرجة يمكن إلصاقه بأي شخص يعارض الحكومة الحالية.
على غير عادة الشارع السوري بعد سقوط نظام الأسد وما ترافق معه من هدوء واستقرار تسرب الانقسام مجدداً بعد عام مليء بأفراح الخلاص من الديكتاتورية. اعتصام "الكرامة والقانون" هو ما أطلقه ناشطون في أعقاب مواجهات نشبت بين شارعين في تطور لافت وضع الحكومة السورية أمام معضلة، إما إيجاد حلول أو ترك الاحتجاجات تمتد إلى بقية المدن والبلدات.
ومن المرجح خروج مظاهرات في مدينة الرقة بدوار النعيم، وأخرى بمدينة حلب، الجمعة المقبل كإمداد لاعتصام "بدنا نعيش" أو حراك "القانون والكرامة" الذي بدأه ناشطون حقوقيون ومدنيون بمشاركة شعبية في ساحة المحافظة وسط العاصمة دمشق.
مطالب معيشية
وإذا ما كانت المطالب التي رفعها المعتصمون في العاصمة السورية تنحصر في ملفات خدمية ومعيشية وقانونية فإن الشارع المقابل "المؤيد للحكومة" يراها غير محقة، ومدفوعة من قبل من يوصفون بـ "فلول النظام" السابق، وهو اصطلاح يندرج تحته كل من عمل وناصر حكم الأسد.
يرى حقوقيون أن غياب العدالة الانتقالية وتحديد المجرمين وأنصار نظام الأسد ومحاسبتهم على أفعالهم دفع إلى شيوع هذا المصطلح، حتى بات مطاطاً لدرجة يمكن إلصاقه بأي شخص يعارض الحكومة الحالية.
وتعرض المحتجون في ساحة المحافظة الجمعة الماضي، للضرب والشتم تحت ذريعة أن التجمع يضم أنصاراً للنظام البائد بعدما رفع المحتجون لافتات كُتِب عليها عبارات تطالب بتحسين المستوى المعيشي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجاء الاعتصام بالتزامن مع موعد ذكرى عيد الجلاء (احتفال سوري كل عام بجلاء آخر جندي فرنسي عن سوريا فترة أربعينيات القرن الماضي)، وشهد هجوماً من قبل المؤيدين للحكومة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، في حين رد ناشطون حقوقيون أسباب هذا الهجوم إلى حملات تحريض سبقت موعد التظاهرة، بالتوازي مع حملات تشويه بحق شخصيات ثورية وقفت ضد نظام الأسد منذ عقود لتصفهم بأنهم "فلول" لنظامه.
ولفت الناشط الحقوقي المشارك في الاعتصام سامر بارودي، إلى دور عناصر الأمن العام وقوى الأمن الداخلي الحاسم في حماية المتظاهرين ممن وصفهم بمخربي الاحتجاج السلمي، واقتصار الحراك على مناشدة الحكومة بتحسين الظروف المعيشية والاقتصادية، ومكافحة الفساد، وصون الحريات الفردية، وعدم رفع أسعار الطاقة ومنها سعر الكهرباء، والابتعاد عن الوساطات والمحسوبيات، فضلاً عن المطالبة بتعيين المسؤولين من ذوي الكفاءة.
وأضاف "كان بإمكان هؤلاء اختيار موعد ومكان ثان للتعبير عن تضامنهم مع الحكومة وتركنا ننهي اعتصامنا الذي نُظِم ليكون حضارياً وسلمياً، ولولا وجود قوى الأمن لكان من المرجح سقوط إصابات عقب الهجوم بالضرب والشتم، إضافة إلى تحليق كاميرات مراقبة مسيّرة، ولم يعلم أحد من المحتجين إلى أية جهة تتبع وما الغاية منها، وهل هي لرصد تحركات المحتجين أم لمعرفة هوياتهم".
في المقابل، طالب أحد الموالين للحكومة باتخاذ إجراءات صارمة وحازمة تجاه المعتصمين ومن يقف وراءهم لما يشكلونه من تهديد لأمن البلاد، على حد قوله، وطالب بـ"عدم منح ترخيص لمثل تلك الاعتصامات، مع ضورة محاسبة الدولة رؤوس الحكم السابق مثل فادي صقر ومحمد حمشو وغيرهم على جرائمهم، وهذا مطلب يتفق عليه الجميع، فلو أن المحاسبة قائمة لما ثارت الناس تطالب بالعدالة الانتقالية، بل المستغرب إعطاء الأمان لهم، وإجراء تسوية لتلك الشخصيات للبقاء في البلد".
ملاحقة المهاجمين
في غضون ذلك أشار حقوقيون مشاركون في التظاهرة إلى ضرورة تطبيق القانون بحق كل من تهجم على أفراد الحراك، وتكفل فريق من منظمة "العدالة للجميع" بمتابعة الملاحقة القانونية، وأكد بيان نشر على الصفحة الرسمية لاعتصام "قانون وكرامة" اتخاذ إجراءات ملاحقة ضد كل من تورط في الاعتداء الجسدي أو التحريض الإلكتروني ضد المعتصمين.
وثمة منشورات خرجت تعترض على الاعتصام، مرفقة بمشاهد وصور لشخصيات شاركت في التظاهرة، منها صورة قيل إنها تعود لضابط برتبة عميد من آل خضر ويتبع لمجموعة مقداد فتيحة (الخارجة عن القانون في الساحل السوري)، ليتبين بعد التدقيق أنها تعود لضابط سابق بالجيش اعتقل وسرح بعد قضاء 13 عاماً في السجن على خلفية انقلاب على حكم الأسد، واسمه محمد فاضل فطوم، مع تكرار تشويه شخصيات ثورية كانت مشاركة في التظاهرة ومنهم نساء.
إزاء هذا يعزو موالون لحكومة الشرع حدوث هذه الفوضى إلى كون الاعتصام غير مرخص، وفي حديث مع الناشط عادل حداد من مدينة دمشق، قال إن "من غير المجدي اليوم العودة إلى المظاهرات، فالمرحلة اليوم تتطلب منا جميعاً الوقوف مع الحكومة لسنوات، وإعطاء الوقت الكافي لها لبناء البلد".
وأضاف، "الحكومة اليوم تعاني شحاً اقتصادياً وإفلاساً بالخزينة، والمطالب التي يرى المتظاهرون أنها محقة يجب التريث بطرحها، لأن هذه النوع من التحركات مشبوه وتقف خلفه جماعات خارجية هدفها زعزعة الاستقراره، وأغلبهم مدفوعون من نظام الأسد وبتحريض منه، ولا بد من الضرب بيد من حديد والحفاظ على الثورة وما حققناه خلال عقد من الألم والفقدان، أريد أن أسأل أين كان هؤلاء حينما كانت مناطق في ريف دمشق أو حمص أو حلب تُباد؟ الأمر فيه كثير من الدهشة".
مع هذا، أوصى فريق من الحقوقيين في منظمة "العدالة للجميع" بضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق مروجي خطاب التحريض والكراهية والعنف، وأفاد تقرير نهائي أعده الفريق بفتح تحقيق مستقل وشفاف في جميع الانتهاكات التي رافقت الاعتصام وملاحقة المسؤولين عن الاعتداءات الجسدية واللفظية بحق المشاركين، علاوة على فتح تحقيق فوري بحق المركبة التي حاولت دهس المعتصمين، مع ضمان حماية الصحافيين والعاملين في الإعلام أثناء تغطية الفعاليات العامة.
بموازاة ذلك، يطرح الباحث الأكاديمي في القانون رامي عكش، رأياً ثالثاً محايداً مفاده أن "الاعتصام والرد عليه على رغم كل ما حدث في ظاهره، حال تشي بالانقسام في الشارع السوري، ولكنها صحية أيضاً، فالجميع عبر عن رأيه، ومن المهم في المرات المقبلة الحفاظ على حق التظاهر وعدم الاعتداء والانجرار وراء المؤثرين الذين يعبثون بالدماء ويسعون لدمار البلد على حساب الشهرة وجمع الاعجاب، فهذا حق طبيعي يكفله القانون، ولا بد أن تكون كل الاعتصامات السلمية اللاحقة محمية، وأن يبدي الشعب السوري رأيه بحرية تامة، وهذا بالأساس هدف أساس للثورة التي أسقطت نظام تكميم الأفواه".