ملخص
تجرى انتخابات دير البلح اليوم وسط حقل من الألغام اللوجيستية والسياسية وأول التحديات أن هذه المدينة كان يسكنها قبل الحرب نحو 100 ألف نسمة، لكنها اليوم تحتضن ما يقارب مليون نازح
داخل خيمة نزحت إليها عائلة رمزي في أطراف دير البلح، يبدأ الصباح بصوت الرياح التي تداعب أطراف القماش المهترئ، اليوم ليس كأي يوم، ففي وسط الركام والنزوح، يستعد الرجل وجميع سكان مدينته للذهاب إلى صناديق الاقتراع وهي رحلة من خيمة السكن إلى خيمة السيادة.
صباح اليوم، انطلقت في محافظة دير البلح فقط وهي مدينة وسط قطاع غزة، عملية الاقتراع لاختيار مجلس محلي جديد عن طريق التصويت، وذلك بعد عقدين من الزمن من دون ممارسة هذا الحق.
بالعودة إلى الشريط الزمني للانتخابات، فإن آخر عملية اقتراع في غزة جرت عام 2006، وكانت انتخابات تشريعية وهي التي فازت بها حركة "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، أما آخر انتخابات بلدية فكانت في أواخر عام 2004، ومنذ ذلك الحين كانت المجالس المحلية في القطاع تدار عبر التعيين أو التكليف من قبل السلطات القائمة، بسبب تداعيات الانقسام السياسي.
فتح صناديق الاقتراع اليوم في دير البلح رغم أنها مدينة واحدة من أصل القطاع يعد حدثاً استثنائياً ثقيلاً، كونه يكسر جموداً انتخابياً استمر حوالى 20 عاماً عاش خلالهم جيلاً كاملاً من الشباب لم يسبق لهم التصويت في حياتهم.
يقف رمزي أمام مرآة صغيرة مكسورة معلقة على وتد الخيمة، يحاول تسوية ياقة قميصه الذي غسله بماء مالح وتجعد بفعل الرطوبة، يمسح حذاءه بقطعة قماش مبللة، فاليوم لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل كرامة عائلته في مشهد حضاري، يضع هويته الفلسطينية في جيبه العلوي، ويغادر الخيمة متخطياً حبال الغسيل المشدودة بين الجيران، متوجهاً إلى حيث "الخيمة الكبيرة" التي تحمل شعار لجنة الانتخابات.
حبر قاتم
على بوابة خيمة مركز الاقتراع، وقف رمزي يمسح عرقاً امتزج بغبار الخيام عن جبينه، لكن المشهد الأقوى لم يكن في عينيه المتعبتين، بل في إصبع السبابة الذي يستعد لغمسه في وعاء الحبر البنفسجي.
يقول رمزي، "الغبار هو ذلك المسحوق الرمادي الذي غطى مسام جلدي طوال أشهر، يحمل ذرات من بيتي الذي قصف، وطرقات المخيم التي سرت فيها حافياً، وعناء انتظار صهريج المياه، هو غبار يمثل الفوضى والشتات، وجئت لأضع أصبعي في حبر الانتخابات السائل الثقيل البنفسجي القاتم، لاختار النظام والسيادة الحق المحروم منه".
يدخل الرجل الفلسطيني إلى خيمة الاقتراع، المشهد سريالي، أرضية ترابية وطواقم بسترهم الفوسفورية يعملون بصمت خلف أجهزة حاسوب تعمل بالطاقة الشمسية، يقف خلف "الستارة" الكرتونية، هنا يختفي ضجيج الطائرات المسيرة في الخارج، وتختفي زحمة النازحين، هو والورقة فقط، يمسك القلم بيد أتعبها حمل غالونات المياه، ويضع علامة (إكس) بجانب القائمة التي اختارها.
وبعدها وضع إصبعه في الحبر القاتم، بدا المشهد وكأن الدولة الفلسطينية، بوقارها وقوانينها، تحاول أن تجد مكاناً لها وسط ركام الواقع. لم يختف غبار النزوح تحت الحبر، بل تداخلا معاً، ليصبح إصبع رمزي المصبوغ بالبنفسجي أشبه بوثيقة رسمية مكتوبة على ورق محترق.
يضيف رمزي "هذا الحبر في دير البلح اليوم ليس للتباهي بالديمقراطية فحسب، بل هو صرخة صامتة". يصمت قليلاً قبل أن يتابع، "رغم أنني أسكن في خيمة هشة، لا تزال إرادتي صلبة، هذه اللحظة التي استرددت فيها لقبي كمواطن بعد أن أرهقتني لشهور لقب نازح".
عندما غمس إصبعه في الحبر البنفسجي، لم يره رمزي مجرد حبر، إنما ختم بقاء، يخرج من خيمة الاقتراع وهو يرفع إصبعه المصبوغ للسماء، وكأنه يقول للكون "أنا هنا، أنا أقرر، وأنا لا أزال مواطناً رغم أنني أسكن خيمة".
أسئلة صعبة
يغادر مركز التصويت، يسير رويداً وينظر خلفه إلى شعار لجنة الانتخابات المركزية ثم يهمس لنفسه "هل سيتغير شيء فعلاً أم إن المجلس الجديد سيصطدم بجدار الحصار والدمار كما حدث سابقاً؟ وما هي نتائج اليوم التالي للانتخابات".
خائف رمزي من خيبة الأمل، يتابع "أخشى أن تتحول وعود مشاريع المياه والكهرباء إلى مجرد شعارات انتخابية تذروها الرياح فور إعلان النتائج، وخائف من أن يجري استهداف مراكز الخدمة أو أن ترفض الأطراف الدولية التعامل مع المجلس المنتخب، مما يعمق الأزمة المعيشية".
لكنه يبدد قلقه، بآمال يحلم بها، يوضح "حلمي أن أفتح الصنبور في خيمتي يوماً ما وأجد مياهاً عذبة بدلاً من انتظار سيارات نقل المياه لساعات في الطوابير، آمالي أن تعبد الطرق المتهالكة التي تؤذي أقدام أطفالي وهم في طريقهم للمدرسة أو لجلب المساعدات، وأن يكون هناك رئيس بلدية أستطيع أن أطرق بابه وأطالب بحقي في خدمات تليق بإنسان، من دون أن أشعر أني مجرد رقم في سجلات الإغاثة الدولية".
في دير البلح فقط
تجري الانتخابات المحلية اليوم في دير البلح فقط، وهي الاستثناء الوحيد في غزة، حيث كان من المفترض أن تشمل الانتخابات كل الهيئات المحلية في خان يونس ورفح وغزة وبيت حانون وجميع محافظات القطاع، إلا أن الظروف الميدانية الصعبة حصرت العملية الانتخابية في محافظة واحدة فقط كنموذج أولي، وذلك لكونها الأقل تضرراً نسبياً من الحرب.
صحيح أن دير البلح هي المدينة الوحيدة في قطاع غزة التي تقترع اليوم، لكن الانتخابات فيها تسير بالتوازي مع التصويت في الضفة الغربية، التي تصوت اليوم لانتخاب 183 هيئة محلية، ينافس على رئاستها قوائم يغلب عليها الطابع العشائري والمستقلين بشكل كبير، حيث يشكل المستقلون حوالى 88 في المئة من المرشحين، وسط غياب رسمي لبعض الفصائل الكبرى، ويشارك في هذه العملية أكثر من مليون ناخب، ويتنافس آلاف المرشحين بينهم نسبة جيدة من النساء تصل إلى حوالى 32 في المئة في القوائم.
في ما يتعلق بمدينة دير البلح بالتحديد، فإن حوالى 70 ألف ناخب مسجل يشاركون في الاقتراع، ويذهبون لنحو 12 مركز اقتراع موزعة جغرافياً لتغطية كافة أحياء المدينة وضواحيها تضم هذه المراكز ما يقارب من 60 محطة انتخابية، لانتخاب قائمة من بين أربعة تضم في مجموعها 64 مرشحاً ومرشحة، جميعهم يتنافسون على مقاعد المجلس البلدي البالغ عددها 15 مقعداً.
4 قوائم تتنافس
رأت الأربعة قوائم في نفسها القدرة على دخول مبنى بلدية دير البلح لإدارة خدمات السكان، والقائمة الأولى هي "دير البلح تجمعنا" وتحمل صفة قائمة ائتلافية مستقلة، وتطرح برنامجاً يركز على إعادة إعمار المرافق المتضررة في المدينة وتحسين شبكات المياه والصرف الصحي التي تعاني ضغطاً كبيراً بسبب موجات النزوح.
أما القائمة الثانية وهي "الوفاء للأرض والإنسان" وتضم كفاءات ومهنيين ويغلب على برنامجها الطابع الخدمي التقني مع وعود بتطوير المنظومة الصحية والتعليمية التابعة للبلدية داخل المدينة، أما القائمة الثالثة "بصمة أمل" وهي قائمة شبابية مدعومة من بعض الشخصيات المجتمعية، تركز بشكل أساس على قضايا الشباب والبطالة وتدعو لإشراك الجيل الجديد في مراكز صنع القرار داخل البلدية.
أما القائمة الأخيرة "القرار الوطني المستقل" قائمة مستقلة ذات توجهات وطنية عامة، تركز على تعزيز صمود المواطنين في دير البلح وتفعيل دور لجان الأحياء في إدارة الأزمات الطارئة، وجميع تلك القوائم تلتزم بـ"الكوتا" النسائية.
خلال يوم واحد
تجري عملية الاقتراع في مدينة دير البلح خلال يوم واحد فقط، إذ فتحت صناديق الاقتراع في تمام الساعة السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، ومن المقرر إغلاق المراكز في تمام الساعة السابعة مساء، على أن تبدأ عملية فرز الأصوات مباشرة داخل محطات الاقتراع فور إغلاق الأبواب وبحضور المراقبين ووكلاء القوائم.
بسبب الدمار الكبير الذي ضرب غزة وخلق ظروفاً استثنائية، اعتمدت اللجنة نموذجاً هجيناً للمراكز، الأول المدارس الحكومية و"الأونروا" وهي المراكز التقليدية التي لا تزال صالحة للاستخدام ولم تخصص بالكامل كلياً كمراكز إيواء، أو جرى إخلاء أجزاء منها لتسهيل العملية، والثاني الخيام المجهزة في المناطق التي تعاني من ضغط النازحين أو تضرر المدارس حيث قامت اللجنة بإنشاء مراكز اقتراع داخل خيام ضخمة ومجهزة فنياً، وهي مزودة بكافة المستلزمات.
في الواقع، تعد هذه أول عملية اقتراع حقيقية منذ أعوام طويلة، وتأتي في ظل استمرار الانقسام السياسي، لكن بتنسيق فني من لجنة الانتخابات المركزية، وسط حال من الترقب الشعبي لما ستسفر عنه النتائج في دير البلح، كونه اختباراً لإمكانية تعميم التجربة لاحقاً في بقية مناطق القطاع إذا سمحت الظروف.
تحت حماية شركات أمن
لضمان نزاهة الانتخابات، كثفت لجنة الانتخابات المركزية من وجود العنصر الرقابي كأداة تأمين معنوية وقانونية، إذ جرى اعتماد 292 مراقباً يمثلون 10 مؤسسات رقابية وحقوقية داخل القطاع لمتابعة سير العملية، كما يوجد وكلاء معتمدون عن القوائم الأربع المتنافسة داخل كل محطة، ولهم الحق في الاعتراض وتقديم الشكاوى وتوثيق أي تجاوز أمني أو فني، ويدير العملية ميدانياً 675 موظفاً من طواقم لجنة الانتخابات المركزية، وهم المسؤولون المباشرون عن إدارة المحطات.
يجري الاقتراع تحت تأمين عناصر أمنية بملابس مدنية غير مسلحين في شرطة غزة، لضمان سير العملية بسلاسة، إذ ترفض إسرائيل انتشار أجهزة الأمن الرسمية وتربطهم بأنهم عناصر تابعين لحركة "حماس"، لذلك تأمين العملية الانتخابية في دير البلح اليوم يتم من خلال تنسيق ميداني دقيق يراعي خصوصية الوضع في قطاع غزة، ووفقاً للضوابط.
يقول المتحدث باسم لجنة الانتخابات فريد طعم الله "قامت اللجنة بتوظيف أفراد من مؤسسات المجتمع المدني، كما استأجرت شركة أمنية خاصة لتأمين مراكز الاقتراع في غزة"، وجرى هذا التعاقد لتجنب أي تعقيدات سياسية أو قانونية مع الأطراف الدولية أو الجانب الإسرائيلي.
يضيف طعم الله، "نحن ندفع رواتب هؤلاء الأفراد، وهم يتبعون إدارياً وفنياً للجنة الانتخابات المركزية خلال فترة العملية الانتخابية". والهدف من ذلك التصريح الرسمي التأكيد على أن العملية مدنية بالكامل ولا تخضع لإدارة أي فصيل سياسي أو أمني.
تؤكد لجنة الانتخابات أن طواقم الأمن التابعة لها داخل وبمحيط المراكز ترتدي ملابس مدنية مع سترات خاصة تحمل شعار "لجنة الانتخابات المركزية" بوضوح وذلك لضمان قبول نتائج الانتخابات من قبل المانحين والمجتمع الدولي الذين يشترطون عدم التعامل مع أجهزة أمنية فصائلية.
التزام السلطة الفلسطينية
يحكم الانتخابات البلدية في دير البلح قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لعام 2005 وتعديلاته، وهي قانونياً وسياسياً مرتبطة بكيان السلطة الوطنية الفلسطينية، لكنها تحمل طابعاً خدماتياً يمنحها هامشاً مختلفاً عن الانتخابات السياسية التشريعية والرئاسية.
وتجرى الانتخابات بقرار من مجلس الوزراء الفلسطيني في رام الله، وتشرف عليها لجنة الانتخابات المركزية، وهي مؤسسة أنشئت بموجب المراسيم الرئاسية للسلطة، مما يعني أن المجلس البلدي المنتخب سيكون معترفاً به رسمياً من قبل وزارة الحكم المحلي في رام الله إذا التزم في التعديلات القانونية الأخيرة لعام 2025 التي أقرتها السلطة، واشترطت فيها على القوائم المترشحة الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والاتفاقات الموقعة، وهو ما كان محل جدل سياسي واسع وأدى لانسحاب أو عدم مشاركة بعض القوى بشكل رسمي.
آمال ومخاوف المواطنين
في طوابير الاقتراع الممتدة أمام مدارس دير البلح وخيام التصويت يختلط ضجيج "الزنانات" في السماء بجدل انتخابي لم تشهده المدينة منذ عقدين، يقول المواطن رجب "المياه والكهرباء قبل السياسة، نريد منهم توفير فرص عمل للمواطنين ولا نريد منهم خطابات رنانة".
أما المواطنة أزهار فتقول، "هناك إجماع شعبي على أن التصويت اليوم ليس لفصيل أو أيديولوجيا، بل لصهريج المياه وشاحنة النفايات، سأختار من وعدني بحل مشكلة الصرف الصحي".
بين جيل الشباب الذين لم يسبق لهم الانتخاب، يسود نوع من الزهو المشوب بالارتباك، يقول مهند "أول مرة أشعر أن لإصبعي قيمة، لكني خائف أنتخب اليوم وغداً يبقى كل شيء كما ما هو، نريد بلدية تنظر إلى حال الخيام، وهل ستتعامل رام الله أو العالم مع هذا المجلس لو فاز".
لم يخل جو الانتخابات اليوم في غزة من الشكاوى التي تعكس لسان حال الشارع في دير البلح وهي نتاج طبيعي لإجراء عملية ديمقراطية في بيئة غير طبيعية على الإطلاق، يقول المواطن قصي "الخيارات محدودة والناخبون يشعرون أن الخيارات المتاحة لا تلبي طموحاتهم، إذ غالت المنافسة السياسية الحادة، والتنافس انحصر في قوالب مستقلة أو عشائرية، مما جعل البرامج الانتخابية تبدو متشابهة إلى حد كبير وتركز على الوعود الخدمية العامة من دون خطط إنقاذ واضحة".
ومن بين الصعوبات الأخرى، يقول الناخب شادي، "هناك جيل كامل بين 18 و38 سنة يمارس الاقتراع لأول مرة في حياته، الكثير من هؤلاء الشباب اشتكوا من عدم وضوح الإجراءات داخل المحطات أو حاجتهم لشرح مطول حول كيفية اختيار القائمة بدلاً من الأفراد".
انتخابات وسط حقل ألغام
في الواقع، تجرى انتخابات دير البلح اليوم وسط حقل من الألغام اللوجيستية والسياسية وأول التحديات أن هذه المدينة كان يسكنها قبل الحرب نحو 100 ألف نسمة، لكنها اليوم تحتضن ما يقارب مليون نازح. وعن هذا يقول الباحث الحقوقي خميس الدمياطي، "القوائم المترشحة تواجه معضلة في وعودها، هل ستخدم الناخب المسجل فقط أم مليون إنسان يعيشون في خيام المدينة، متسائلاً: "كيف يمكن الموازنة بين حاجات السكان الأصليين والكتلة البشرية الهائلة من النازحين التي تضغط على البنية التحتية والخدمات".
ويؤكد أن "أكبر تحد يواجه القوائم بعد الفوز هو اليوم التالي، هو إسرائيل التي لا تزال تمنع دخول كثير من معدات الصيانة ومواد البناء الأساسية منذ أعوام، وفي هذه الحال هل سيتمكن المجلس المنتخب من تنفيذ وعوده بالإعمار وتحسين الخدمات في ظل إغلاق المعابر ونقص التمويل الدولي المباشر للبلديات في غزة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في ظل الأجواء الانتخابية التي تعيشها مدينة دير البلح يقول رئيس قائمة دير البلح تجمعنا عدنان الفليت، "عهدنا عبارة ميثاق مع المواطن في دير البلح لإعادة الحياة إلى شوارعنا ومرافقنا، أولويتنا القصوى هي إصلاح شبكات الصرف الصحي والمياه التي دمرت، وتوفير بيئة كريمة لكل من يسكن دير البلح اليوم، أصليين ونازحين". ويضيف "أعضاء المجلس البلدي الحاليين المعينين من ’حماس‘ أبلغونا رسمياً بنيتهم تسليم الإدارة فور انتخاب مجلس جديد".
أما رئيس قائمة "الوفاء للأرض والإنسان" محمد مرتضى فيقول، "الانتخابات هي الفرصة الذهبية لبدء عهد جديد من الإدارة المهنية، لا نملك ترف الوقت للشعارات، نحن بحاجة لمهندسين وأطباء يديرون موارد البلدية المحدودة بكفاءة عالية لإنقاذ المنظومة الصحية والبيئية في المدينة".
وبدوره يوضح رئيس قائمة "بصمة أمل" أحمد السواركة "لقد سئم الشباب من الانتظار، ونحن اليوم هنا لنضع بصمتنا في صنع القرار، دير البلح اليوم هي مركز ثقل سكاني، ولا يمكن إدارتها بعقلية الماضي، سنخلق فرص عمل موقتة للشباب من خلال مشاريع ترميم البنية التحتية".
ومن جانبه يقول رئيس قائمة، "القرار الوطني المستقل" يحيى أبو خاطر "قرارنا مستقل ونابع من معاناة الناس في أزقة دير البلح، نحن ملتزمون بتقديم نموذج للإدارة الوطنية النزيهة التي تحمي صمود المواطن فوق أرضه، ولن نسمح بأن تظل المدينة غارقة في أزمات المياه والكهرباء".
لماذا لم تشمل باقي غزة؟
لكن لماذا لم تشمل الانتخابات جميع محافظات قطاع غزة؟ يجيب رئيس لجنة الانتخابات المركزية رامي الحمد لله "اختارنا مدينة دير البلح تحديداً لأنها تعد الأقل تضرراً نسبياً من الناحية الإنشائية والأمنية مقارنة بشمال غزة أو خان يونس ورفح، وتوفر فيها مراكز اقتراع كما أن سكانها الأصليين المسجلين في دوائرها الانتخابية لا يزال جزء كبير منهم موجوداً فيها، مما سهل عملية حصر الناخبين وتجهيز القوائم".
ويضيف، "في بقية المحافظات، الوضع لا يزال معقداً جداً لإجراء عملية ديمقراطية، في مدينة غزة والشمال، يصعب الوصول إلى مراكز الاقتراع أو تأمين مسارات آمنة للناخبين، ما يحدث اليوم هو كسر للحصار الانتخابي وخطوة رمزية لإثبات أن الوحدة الجغرافية لا تزال قائمة، مع الأمل في استكمال العملية في بقية الهيئات مثل غزة وخان يونس ورفح في مراحل لاحقة فور توفر البيئة الملائمة".
تؤيد السلطة الفلسطينية انتخابات دير البلح وتعدها بمثابة معركة تثبيت سيادة وخطوة رمزية لاستعادة الحضور الرسمي في قطاع غزة، يقول وزير الحكم المحلي سامي حجاوي، "الانتخابات في دير البلح تقدم صورة رمزية على الأقل للوحدة بين غزة والضفة، وتؤكد أن القطاع ليس كياناً منفصلاً بل هو جزء أصيل من الدولة الفلسطينية العتيدة، ننظر لهذه الانتخابات كمدخل لإعادة ربط بلديات غزة بالمنظومة القانونية والمالية للسلطة الفلسطينية".
"حماس" وإسرائيل لم تعرقلا العملية
رغم أن "حماس" لم تمنع إجراء الانتخابات في دير البلح بل سهلتها تقنياً عبر سماحها للجنة بممارسة عملها، إلا أنها انتقدت حصرها في منطقة واحدة، حيث يقول متحدثها حازم قاسم "نرفض تحويل الانتخابات البلدية إلى مدخل لفرض اعتراف سياسي مسبق، ونعتبر اشتراط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير قيداً يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها ويستهدف إقصاء قوى فلسطينية فاعلة، الانتخابات يجب أن تكون شاملة وتوافقية وتشمل كافة محافظات الوطن، واقتطاع غزة بهذا الشكل دير البلح فقط يعزز من حالة التفرد بالقرار ولا يخدم الوحدة الوطنية التي يدعون إليها".
تتسم المواقف الإسرائيلية تجاه انتخابات دير البلح بحال من الرفض السياسي الصارم إذ تعارض حكومة بنيامين نتنياهو أي نشاط يعزز سيادة السلطة الفلسطينية أو "حماس" في غزة، إلا أنها لم تتدخل لمنع العملية اليوم. ويقول نتنياهو "أي تحركات إدارية في غزة حالياً هي مجرد إجراءات شكلية لا تغير من الواقع العسكري الذي تفرضه إسرائيل"، مشدداً على أن "السيادة الأمنية في قطاع غزة ستبقى بيد تل أبيب في المدى المنظور".