Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة الموت لجلب الحطب في غزة

يحتاج القطاع إلى 3 آلاف طن منه يومياً أو 400 طن غاز طهي

معاناة يومية لأبناء القطاع في جمع الحطب (أ ف ب)

ملخص

قبل الحرب كانت غزة تستهلك نحو 400 طن من غاز الطهي يومياً ومع توقف توريد الغاز بصورة شبه كاملة، فإن سد هذه الفجوة يتطلب آلاف الأطنان من الأخشاب يومياً لتعويض الطاقة المفقودة.

على صوت سعال أطفاله الصغار الذي يتردد صداه داخل خيمة النزوح الرقيقة، استيقظ إياد من نوم عميق وسرق نظرة سريعة على شاشة هاتفه، كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً، في هذا الوقت يلف الصقيع أطراف النازحين، وحين شعر ببرودة أطرافه فهم أن "نار الكانون" التي انطفأت بالأمس يجب أن تشتعل مجدداً قبل شروق الشمس، وإلا فإن صيام أطفاله سيمتد لليوم الثاني على التوالي لا لقلة الطعام بل لغياب "النار" التي تنضجه.

قفز مسرعاً من مضجعه، ضرب بقدمه أنبوبة الغاز الفارغة، وبدأ يتحرك بصمت يتفقد "عدته" المتواضعة التي يصطحبها معه في رحلة جلب الحطب، فأساً صدئة ورثها عن والده وحبلاً متيناً وعربة يدوية حديدية مجرورة يطلق صرير عجلاتها أنيناً يشبه أنين الأرض، يرافقه ابن أخيه مروان الذي أصبح خبيراً في تمييز صوت طائرة الكواد كابتر المسيرة من بين آلاف الأصوات.

دخول منطقة التماس

توجه الاثنان نحو المناطق الشرقية لمدينة خان يونس حيث ينتشر الجيش الإسرائيلي شرق الخط الأصفر، في تلك المنطقة كانت تمتد بيارات الزيتون التي جرفها الجيش، الطريق هناك ليس مجرد مسار بل خريطة خطر، الأرض مكشوفة تماماً، والأشجار التي كانت يوماً تظلل العابرين أصبحت الآن جذوعاً ملقاة كالجثث، تغطيها أتربة السواتر العسكرية.

ويقول إياد بصوت منخفض وهو يمسح العرق عن جبينه على رغم البرد، "جئنا هنا لنجلب حطباً نشعله لنطهو لأطفالنا طعاماً ونعقم المياه الملوثة. عيوننا ليست على الأرض تبحث عن الخشب، عيوننا في السماء تراقب الطيارات، كل قطعة خشب نسحبها نشعر كأننا نسحب روحنا من بين سنان الموت".

بمجرد الوصول إلى المناطق القريبة من الجيش والعصابات المسلحة تبدأ المعركة الحقيقية، ينحني إياد فوق جذع شجرة زيتون معمرة، غرزت الجرافات العسكرية نصفها في التراب، يبدأ بضرب الفأس بقوة وحذر في آن، كل ضربة تصدر صوتاً يخشى أن يسمعه قناص خلف السواتر القريبة.

رحلة عسكرية خطرة

بينما يراقب مروان الأفق، ينجح إياد في انتزاع "عرق" صلب من جذور الشجرة. هذا هو "الذهب" يصيح، ثم يقول "خشب الزيتون يحترق ببطء ويدوم طويلاً ولا يترك دخاناً يخنق الأطفال داخل الخيمة كما تفعل أنواع الأخشاب الأخرى السامة".

تكتسب رحلة إياد طابعاً عسكرياً بامتياز بمجرد اقترابه من الحواف الشرقية لقطاع غزة، يعني أنه وصل إلى المنطقة التي تتنافس فيها الحياة والموت، حيث يقاس البقاء هناك بمدى قدرته على التماهي مع الأرض والاختفاء عن أعين الطائرة المسيرة وقناصي الأبراج العسكرية.

 

لا يرتدي إياد ملابس زاهية، يختار دائماً الألوان الترابية أو الرمادية الباهتة التي تشبه لون الأسمنت المحطم والغبار، وقبل الدخول إلى المنطقة المكشوفة يمرغ إياد يديه ووجهه بشيء من الرماد أو التراب، ليس فقط للتمويه البصري بل ليمنع انعكاس الضوء على بشرته، وليبدو من الأعلى وكأنه مجرد كتلة حجرية أخرى وسط الخراب.

مراوغة المخاطر

يعمل إياد وحواسه الخمس في حال استنفار قصوى، يمنع الكلام نهائياً ويتواصل مع مرافقه عبر إشارات اليد فحسب، وبينما ينحني هو لقطع الخشب يظل مروان مستلقياً على ظهره ينظر إلى السماء، إذا تغير صوت طائرة الاستطلاع من الدوران الهادئ إلى الانقضاض السريع فهذا يعني أنهما رُصدا.

والحيلة الأهم عند سماع صوت طائرة الكواد كابتر هي التجمد التام، يرمي إياد نفسه إلى جانب أقرب ساتر ترابي أو كتلة أسمنتية ويظل بلا حراك، فالمسيرات غالباً ما تستهدف الأجسام المتحركة، وعندما يصل إياد إلى جذوع الزيتون المقتلع لا يقف منتصباً أبداً بل يبدأ بتقطيع الحطب وهو جالس أو منبطح، يستخدم المنشار اليدوي أكثر من الفأس في البداية، لأن صوت ضربات الفأس يتردد صداه في الأراضي المفتوحة وقد ينبه الجنود خلف السواتر.

لا يجمع الحطب في مكان واحد مكشوف، يقوم بتجميع رزم صغيرة تحت الأشجار المجرفة أو خلف الجدران المهدومة، ثم يقوم بنقلها بسرعة إلى العربة اليدوية التي يخبئها في منخفض أرضي بعيداً من أعين القناصين. يسير بمحاذاة بقايا الجدران المائلة مستغلاً الظلال التي توفرها في الصباح الباكر لتقليل ظهوره الحراري والبصري.

لحظة الانسحاب

يحرص إياد على تغطية أي معدن يلمع في أدواته بقطع من القماش البالي أو الخيش، فارتداد ضوء الشمس عن حد الفأس قد يكون كافياً ليعطي إشارة للقناص بمكانه، ولا يعود من الطريق نفسه الذي سلكه ولكنه يمر عبر فجوات في جدران المنازل المهدمة لضمان عدم ملاحقته.

في بعض الأحيان، يضطر إياد لاستخدام حيلة التضحية بالحطب إذا شعر بخطر داهم، يترك العربة بما عليها ويهرب في اتجاه معاكس تحت غطاء الغبار. ويقول "الخشب يعوض لكن الروح لا تعوض، صحيح الحطب كنز ينتظره ابني في الخيمة لكن أراعي أن حياتي ثمينة على رغم كل هذه المخاطرة".

من دون تبادل الكلمات، يلقيان بما جمعاه فوق العربة، ويربطانه بالحبل على عجل، يهرولان بعيداً من المنطقة المكشوفة، بينما يتردد صدى طلقات تحذيرية في الأفق. ففي غزة، لا تنتظر لتعرف إن كانت الرصاصة موجهة إليك إذ أنت هدف حتى يثبت العكس.

 

في طريق العودة، كان إياد يتفحص الأغصان التي جمعها كما يتفحص الصائغ قطع الذهب، لم تعد تلك القطع الخشبية الملتوية مجرد "حطب" في نظره، بل تحولت إلى صك أمان يضمن لعائلته البقاء يوماً إضافياً.

ويقول "في غزة انقلبت الموازين، فما نفْع كيس الطحين إذا ظل مسجوناً في خيشته؟ وما قيمة حفنة العدس إذا بقيت قاسية كالحجر؟ لقد أصبح الغصن الجاف هو المفتاح الوحيد الذي يفك أسر الجوع"، يصمت ليربط حزمة من أغصان الليمون اليابسة.

يتابع إياد "أحياناً نجد معلبات لكن ننظر إليها وأيدينا على خدنا، الأكل من دون نار هو والموت سواء، الغصن صار كنزاً، إذا وجدت غصن زيتون ناشفاً كأنك عثرت على كنز علي بابا، الطحين تحصل عليه من المساعدات، لكن النار يجب أن تجلبها من بين سنان الموت".

جمع بعناية

وسط هذا الخراب تجري مقايضة الوجود، فالغزي يقطع المسافات ويواجه القناصين ويخاطر بترك أطفاله يتامى، ليس من أجل قطعة لحم أو فاكهة بل من أجل قطعة حطب تمنح الطنجرة السوداء شرعية الغليان، لقد غدا الخشب عملة صعبة حقيقية، فمن دونه يظل الغذاء مجرد جماد وتظل الخيمة كفناً بارداً والجوع وحشاً لا يمكن ترويضه.

حتى تلك الأغصان الرفيعة التي كانت تُداس بالأقدام قديماً، تُجمع بالواحدة وتُنظف من الرماد بعناية وتُخزن في زوايا الخيام كأثمن ما يملكه النازح، إنها الرحلة التي لا تنتهي حيث يطارد الغزي الأخضر الذي صار يابساً ليشعل به أملاً يرفض أن ينطفئ.

يعود إياد إلى الخيمة محملاً بغنائمه، وجهه مغطى بالغبار ويداه تملؤهما الشقوق والجروح بعد رحلة الهرب والزحف التي حبست الأنفاس، يبدأ جسده بالارتخاء قليلاً لكن المهمة لم تنته بعد، فالحطب الذي جلب من أرض الموت لا يزال جثثاً خشبية صلبة تحتاج إلى تطويع قبل أن تلامس النار.

في الخيمة لم تنته المهمة

يضع إياد مقبض العربة اليدوية الثقيلة، ويمسح جبهته بطرف كوفيته التي اصطبغت بلون تراب المناطق الحدودية، وتخرج زوجته من فتحة الخيمة تتبادل معه نظرة صامتة تلخص كل شيء، نظرة الحمد على السلامة أولاً ثم النصر بالظفر بهذا الصيد الخشبي الثمين.

يبدأ إياد المرحلة الثانية من العمل الشاق، يختار زاوية صغيرة خلف الخيمة بعيداً من ممرات النازحين ويبدأ بتفريغ العربة، يُنحي عروق الزيتون الصلبة جانباً متمتماً "هذه هي ذخيرة المساء التي ستحافظ على الجمر مشتعلاً لساعات"، أما أغصان الحمضيات الرفيعة والقشور الجافة فيضعها في كومة منفصلة، فهي فتيل الاشتعال الذي سيبدأ به المعركة.

 

يمسك بالفأس مجدداً، الضربات الآن أكثر ثقة لأن الخوف من القناص تراجع، لكنها ضربات مدروسة لقطع الجذوع الكبيرة إلى شقف صغيرة تناسب حجم الكانون المصنوع من حجرين وبقايا صفيحة حديدية.

إشعال النار

داخل زاوية الطبخ الصغيرة المحاطة بسواتر من القماش المهترئ لصد الريح يبدأ إياد هندسة النار، إذ يضع في قاع الموقد بضع أوراق من دفاتر المدرسة القديمة التي غُيبت عن تلاميذها، ويضيف فوقها قشور الليمون اليابسة وبعض الأعشاب الجافة، يشعل عود ثقاب شحيحاً وينحني بظهره المقوس ليؤدي طقس النفخ، فيخرج الدخان الأبيض الكثيف أولاً يملأ عينيه بالدموع ويهيج صدره الذي أنهكه غبار الركام، ثم ينفخ بقوة وكأنه ينفخ الحياة في جسد ميت، حتى تتحول الشرارة إلى لهب صغير يتسلق أغصان الحمضيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بمجرد أن تتشبث النار بالخشب، يضع إياد قطعة كبيرة من خشب الزيتون في القلب، فتفوح رائحة الزيتون المحروق التي تمزج بين وجع البلاد ودفء البيت المفقود.

تضع زوجته طنجرة سوداء تفحم جدارها من كثرة الاستخدام فوق النار، وينظر إياد إلى أطفاله الذين اقتربوا من الموقد وتحول لون وجوههم إلى اللون البرتقالي بفعل اللهب، واختلط الشحوار بملامحهم، ليصبحوا جميعاً جزءاً من هذه النار التي لا تُنضج الطعام فحسب، بل تطبخ صمودهم اليومي في وجه الخراب.

حاجة غزة من الحطب والغاز

يشير إياد إلى أنه في ظل الانقطاع التام لإمدادات غاز الطهي والوقود، تحولت عملية البحث عن الحطب من مجرد وسيلة بدائية إلى رحلة شاقة، إذ يذهب إلى مناطق مثل بيت حانون شمال غزة وخان يونس، لكنه يبين أن المشكلة الأساس في هذا المصدر أن الخشب غالباً ما يكون أخضر ويحوي نسبة عالية من الرطوبة والماء مما يعني أنه لا يشتعل بسهولة، ويخرج دخاناً أبيض كثيفاً جداً يؤذي العيون والجهاز التنفسي، وبخاصة داخل الخيام أو الأماكن المغلقة.

يقول إياد "نحن لا نحرق الحطب… نحن نحرق سنوات من عمرنا، كل غصن نضعه في النار كان يوماً ما يحمل ثماراً أطعمنا منها أطفالنا، واليوم يحترق ليمنحهم مجرد دفء عابر أو رغيف خبز يابس".

يلجأ إياد وسكان غزة للحطب اضطرارياً لانعدام البدائل، فغياب غاز الطهي منذ بداية الحرب لا توجد له بدائل، إذ تراوح حاجة العائلة الغزية المتوسطة إلى خمسة كيلوغرامات من الحطب يومياً لإتمام المهام الأساس فقط مثل طهي الوجبات وخبز الطحين وتسخين المياه لغرض النظافة الشخصية أو غلي المياه الملوثة لجعلها صالحة للشرب، وهي عملية تستهلك الحطب بصورة يومية ومستمرة.

قبل الحرب كانت غزة تستهلك نحو 400 طن من غاز الطهي يومياً، ومع توقف توريد الغاز بصورة شبه كاملة فإن سد هذه الفجوة يتطلب آلاف الأطنان من الأخشاب يومياً لتعويض الطاقة المفقودة، إذ يحتاج القطاع إلى ما لا يقل عن 3 آلاف طن من الحطب يومياً لتغطية الحد الأدنى من حاجات الطهي والتدفئة لمليوني إنسان.

تبرر إسرائيل القيود المفروضة على إمداد غزة بالغاز في إطار دخوله ضمن الاستخدامات المزدوجة، إذ يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "’حماس‘ تستولي على الغاز والوقود لاستخدامه في تشغيل أنظمة التهوية داخل الأنفاق وقد يستخدم في أغراض تصنيعية عسكرية، لكن على رغم ذلك ندخل كميات كافية للاستخدام المدني".

المزيد من تقارير