ملخص
يظهر تحليل أداء محاكم الثورة خلال ما يقارب خمسة عقود أن هذه المؤسسة، على رغم طابعها القضائي الشكلي، تعد أحد الأعمدة الرئيسة للقمع في إيران، إذ لا يقتصر دورها على تصفية المعارضين والمحتجين، بل يمتد إلى توجيه رسالة ضمنية للمجتمع مفادها بأن أي احتجاج قد يترتب عليه خطر صدور أحكام قاسية.
شهدت السلطة القضائية في إيران، منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، مع اتساع الاحتجاجات، زيادة ملاحظة في تنفيذ أحكام الإعدام. وجاء ذلك على رغم ظروف الحرب خلال تلك الفترة، وتعطل عمل محاكم الثورة، وغياب شروط المحاكمة العادلة، مما ترافق مع تصاعد في إصدار هذه الأحكام. ويعد إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام في إيران، أحد أكثر أدوات القمع فتكاً، ويستخدم لفرض أجواء من الخوف وكبح الاحتجاجات الشعبية. وتتولى محاكم الثورة إصدار أحكام الإعدام في حق السجناء السياسيين والأمنيين، وهي جهة توصف بأنها من أكثر مؤسسات القضاء إثارة للجدل. وقد أنشئت هذه المحاكم في مارس (آذار) عام 1979 بأمر من مؤسس "الجمهورية الإسلامية" الخميني، ومنذ عهد صادق خلخالي، أول رئيس لها، وحتى اليوم في ظل رئاسة غلام حسين محسني إيجئي السلطة القضائية، أعدم آلاف الأشخاص بعد توجيه اتهامات وصفت بالواهية، ومن دون محاكمات عادلة.
وإذا كان صادق خلخالي، في السنوات الأولى بعد "الثورة الإسلامية"، قد تصدر المشهد بدافع الحماسة الثورية في إعدام معارضي النظام، فإن محسني إيجئي يتولى اليوم هذه المهمة في سياق يقال إنه يهدف إلى ضمان بقاء النظام، إذ يعدم محتجون، بعضهم لم يتجاوز الـ20 من العمر.
سياسات الانتقام التي تنتهجها السلطة القضائية تجاه المحتجين
منذ ديسمبر الماضي، دأب رئيس السلطة القضائية في إيران، في خطاباته وكذلك عبر منشوراته على منصة "إكس"، على تهديد المحتجين بإنزال أحكام قاسية في حقهم، مؤكداً أنه سيجري التعامل معهم بما يتناسب مع ظروف الحرب. وفي هذا السياق، أصدرت محاكم الثورة أحكاماً مشددة بالسجن والإعدام في حق المتظاهرين، وهي سياسة دأب النظام على اتباعها على مدى أكثر من أربعة عقود.
وتصدر محاكم الثورة هذه الأحكام الثقيلة بسرعة لافتة في قضايا السجناء السياسيين والأمنيين، في حين تستغرق إجراءات التقاضي في المحاكم الأخرى، بما في ذلك القضايا المالية والدعاوى ذات الطابع الخاص، فترات طويلة قد تمتد إلى عامين أو ثلاثة أعوام.
تعد محاكم الثورة أحد أبرز أذرع القمع في النظام الإيراني، إذ تعقد جلساتها وتصل إلى مرحلة إصدار الأحكام بسرعة لافتة، إلى حد يقوض عملياً مبدأ المحاكمة العادلة.
ومن بين المحتجين الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات التي انطلقت في الـ27 من ديسمبر عام 2025، وحكم عليهم بالإعدام في محاكمات وصفت بغير العادلة وغير الشفافة، ثم نفذت الأحكام في حقهم على نحو سريع، علي فهيم وصالح محمدي وسعيد داوودي ومهدي قاسمي وأمير حسين حاتمي ومحمد أمين بيكلري وشاهين واحد برست كلور وأمير علي مير جعفري. ويأتي ذلك في وقت لم تكن فيه محاكم الثورة تعمل بكامل طاقتها خلال أيام الحرب، نظراً إلى إدراجها ضمن قائمة الأهداف المحتملة للولايات المتحدة وإسرائيل.
آلة القتل في النظام الإسلامي تحت مسمى محاكم الثورة
تعد محاكم الثورة إحدى المحاكم الجنائية الأربع في مراكز المحافظات، ويجري تشكيلها أيضاً في المدن بقرار من رئيس السلطة القضائية، وتتولى النظر في طيف واسع من التهم، من بينها القضايا المرتبطة بالأمن الداخلي والخارجي، وتهم المحاربة والبغي، وقضايا المخدرات وتهريب السلاح، وإهانة المرشد، إضافة إلى الدعاوى المتعلقة بالمادة 49 من الدستور الإيراني.
وقد بدأ تأسيس محاكم الثورة بعد يوم واحد فقط من انتصار الثورة، في الـ11 من فبراير (شباط) عام 1979، حين أعلنت الصحف آنذاك تشكيل ما سمي محاكم الثورة الشعبية، قبل أن يعلن إبراهيم يزدي أن مسؤولي النظام السابق سيحاكمون أمام هذه المحاكم.
وعقدت أولى جلسات محكمة الثورة مطلع مارس من العام نفسه برئاسة صادق خلخالي، وأسفرت عن إعدام عدد من العسكريين وعناصر الشرطة في السادس من أبريل (نيسان) عام 1979. وفي اليوم التالي، قتل أمير عباس هويدا، آخر رئيس وزراء في عهد النظام البهلوي، بعد محاكمته أمام المحكمة ذاتها.
وعلى رغم الانتقادات التي وجهت في تلك الفترة إلى سلوك صادق خلخالي وأحكام محاكم الثورة، فإن شخصيات مثل علي خامنئي وأكبر هاشمي رفسنجاني وقفت في مواجهة تلك الاعتراضات، ودعمت استمرار عمل هذه المحاكم وصلاحياتها. ومع تصاعد الانتقادات، أقر مجلس الثورة في يونيو (حزيران) عام 1979، اللائحة التنظيمية لمحاكم الثورة.
وقد حددت هذه اللائحة اختصاص محاكم الثورة بمجموعة من التهم التي ارتبطت في معظمها بفترة حكم الشاه أو بقضايا مثل التجسس، غير أن الدستور الإيراني لا ينص أساساً على وجود محاكم الثورة، إذ تنص المادة 168 منه على أن الجرائم السياسية تنظر أمام محاكم علنية وبحضور هيئة محلفين، إلا أن التطبيق العملي جاء على خلاف ذلك، إذ أحيلت نسبة كبيرة من القضايا السياسية والأمنية إلى محاكم الثورة بدلاً من المحاكم العامة.
وبذلك، وجد النظام الإيراني، منذ سنواته الأولى، سبيلاً للالتفاف على الدستور عبر إلصاق تهم مثل التجسس والمحاربة بالأفراد، بما مكن محاكم الثورة من التحول إلى أحد أعمدة بقاء النظام.
وقد تحول هذا الكيان، في مايو (أيار) عام 1983، إلى جزء رسمي من السلطة القضائية، عقب إقرار ما عرف بـ "قانون تحديد صلاحيات النيابات العامة ومحاكم الثورة" في البرلمان الإيراني. ومنح هذا القانون هذه المحاكم صلاحيات واسعة، شملت النظر في قضايا الأمن الداخلي والخارجي، و"المحاربة" والإفساد في الأرض، ومحاولات اغتيال المسؤولين السياسيين، وجرائم المخدرات والتهريب، إضافة إلى قضايا نهب المال العام، وبذلك انتقلت محاكم الثورة من كونها آلية موقتة إلى مؤسسة دائمة ضمن البنية القضائية للنظام الإيراني.
وبالتوازي مع ذلك، اتجهت المنظومة القضائية نحو أسلمة أكبر، إذ فتح قانون شروط اختيار قضاة القضاء الصادر في مايو عام 1982 الباب أمام طلاب الحوزات الدينية لدخول السلك القضائي. ونتيجة لذلك، أسندت إدارة القضاء إلى شخصيات كان اعتمادها في إصدار الأحكام يستند، في كثير من الأحيان، إلى اعتبارات فقهية وسياسية أكثر من استناده إلى المعايير القانونية والمهنية.
وخلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما في السنوات الأخيرة من الحرب الإيرانية - العراقية، تصاعد القمع المنظم ضد المعارضين السياسيين، وأصبحت محاكم الثورة أكثر فأكثر أداة لإقصائهم. وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن آلاف الأشخاص أعدموا بين عامي 1987 و1990 عقب محاكمات وصفت بغير العادلة، ودفنوا في مقابر جماعية.
وبعد وفاة الخميني وبداية عهد علي خامنئي، ترسخت محاكم الثورة تدريجاً ضمن الهيكل الرسمي والدائم للسلطة القضائية. وشكل إقرار "قانون تشكيل المحاكم العامة والثورية" في يوليو عام 1994 محطة مفصلية في هذا المسار، إذ نصت مادته الخامسة على اختصاص هذه المحاكم بالنظر في قضايا الأمن الداخلي والخارجي، والمحاربة والإفساد في الأرض، وإهانة مؤسس "الجمهورية الإسلامية" والمرشد، والتآمر ضد النظام، والعمل المسلح، والإرهاب، وتخريب المؤسسات، والتجسس، فضلاً عن بعض جرائم المخدرات والقضايا الاقتصادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبذلك، تحولت محاكم الثورة في عهد علي خامنئي إلى جهة رسمية ودائمة للنظر في أبرز القضايا السياسية والأمنية. وفي عام 2002، ومع تعديل قانون تشكيل المحاكم العامة والثورية، أعيد إحياء النيابات العامة، وتثبيت النيابة العامة والثورية إلى جانب هذه المحاكم، مما عزز موقعها داخل البنية القضائية.
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، بقيت محاكم الثورة المرجع الرئيس للنظر في القضايا التي ترفع ضد المعارضين والمنتقدين، تحت عناوين مثل العمل ضد الأمن، والدعاية ضد النظام، والمحاربة أو الإفساد في الأرض.
اتسعت لاحقاً دائرة مضايقة السجناء السياسيين والأمنيين داخل هذه المحاكم، ومن بين ذلك أنهم، في مرحلة التحقيقات الأولية، لم يكونوا يستطيعون اختيار محام إلا من بين المحامين المعتمدين من رئيس السلطة القضائية. وقد قيد هذا الإجراء عملياً الحق في اختيار محام بحرية في عدد من القضايا السياسية والأمنية، وأثار الشكوك حول مبدأ المحاكمة العادلة، وأدى إلى صدور وتنفيذ أحكام مشددة ضمن مسارات محاكمة غير شفافة.
في هذا المسار، تحولت محاكم الثورة إلى أهم ذراع قضائية لقمع المعارضين السياسيين، والصحافيين، والناشطين المدنيين، والطلاب، من مختلف المذاهب والشعوب في إيران، إضافة إلى المحتجين على سياسات النظام في شوارع البلاد. وتظهر تقارير متعددة صادرة عن منظمات حقوق الإنسان أن هذه المحاكم أصدرت مراراً أحكاماً بالسجن والإعدام، بالاستناد إلى اعترافات انتزعت تحت الضغط والتعذيب، وحرمان من الوصول الفعال إلى محام، وجلسات قصيرة وغير علنية، وغموض في الأدلة.
أحكام مشددة
ويعد محمد مقيسه وإيمان أفشاري وعلي رازيني وأبو القاسم صلواتي من أشهر قضاة محاكم الثورة، وقد أصدروا أحكام إعدام في حق عشرات الأشخاص، وأحكام سجن مشددة بحق مئات آخرين. وفي هذا السياق، اشتهر أبو القاسم صلواتي، رئيس الشعبة الـ15 في محكمة الثورة بطهران، بسبب العدد الكبير من أحكام الإعدام التي أصدرها، بلقب "قاضي الموت" أو "قاضي الإعدام". وقد تجلى هذا الدور القمعي أكثر من أي وقت مضى عقب احتجاجات عام 2022، إذ أصبحت هذه المحاكم أداة بيد السلطة لقمع الحراك الشعبي وبث الرعب في المجتمع. وفي نهاية المطاف، أعدم عدد من المحتجين بعد محاكمات وصفت بأنها بالغة الظلم داخل محاكم الثورة.
واستمر هذا النمط في السنوات اللاحقة أيضاً، إذ حذرت، مرات عدة، هيئة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من استمرار القمع المنهجي، وتشديد العقوبات، وغياب المحاكمة العادلة، واستخدام الإعدام بهدف إسكات الاحتجاجات.
وفي يناير الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات وخروج ملايين إلى شوارع مختلف أنحاء البلاد، نفذ النظام الإيراني أكثر حملات القمع دموية ضد الاحتجاجات الشعبية. وبعد ذلك، ووفق النمط المعتاد، بدأت باستخدام المحاكمات الصورية في محاكم الثورة وإصدار أحكام مشددة، بينها الإعدام، في حق عدد من المعتقلين، بهدف فرض حالة من الخوف والاختناق في المجتمع. وخلال أقل من أربعة أشهر، أعدم ما لا يقل عن 17 سجيناً سياسياً، كان معظمهم من الشبان المشاركين في هذه الاحتجاجات.
ويظهر تحليل أداء محاكم الثورة خلال ما يقارب خمسة عقود أن هذه المؤسسة، على رغم طابعها القضائي الشكلي، تعد أحد الأعمدة الرئيسة للقمع في إيران، إذ لا يقتصر دورها على تصفية المعارضين والمحتجين، بل يمتد إلى توجيه رسالة ضمنية للمجتمع مفادها بأن أي احتجاج قد يترتب عليه خطر صدور أحكام قاسية.