Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقدم واشنطن "هدية" لبكين عبر صندوق النقد؟

تحركات أميركية تمنح الصين مكاسب غير مباشرة وسط صراع على السيطرة داخل المؤسسات الدولية

أميركا تتجه لزيادة حصتها في صندوق النقد الدولي بنسبة 50 في المئة بنحو 55 مليار دولار (أ ف ب)

ملخص

تدرس الإدارة الأميركية زيادة مساهمتها في صندوق النقد الدولي بنسبة كبيرة، مما قد ينعكس على توازن النفوذ داخل المؤسسة، الخطوة قد تمنح الصين مساحة أكبر للتأثير واستخدام موارد الصندوق لمعالجة ديونها المتعثرة عالمياً.

من المقرر أن يزور الرئيس الأميركي دونالد ترمب بكين في مايو (أيار) المقبل، لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في وقت تشير فيه تطورات مالية إلى أن واشنطن قد تقدم لبكين ما يشبه "هدية غير مباشرة" عبر دعم زيادة موارد صندوق النقد الدولي.

فقد تضمن طلب الموازنة الأميركية للسنة المالية 2026، الذي أعادت الإدارة طرحه ضمن مقترح 2027 زيادة حصة الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي بنسبة 50 في المئة، أي ما يعادل نحو 55 مليار دولار، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"، وتمثل الحصة مساهمة الدولة في موارد الصندوق، وهي عامل رئيس في تحديد قوتها التصويتية داخله.

وكانت وزيرة الخزانة الأميركية السابقة جانيت يلين قد بادرت بهذا المقترح خلال إدارة الرئيس جو بايدن، غير أن استمرار دعمه في مرحلة لاحقة يثير تساؤلات حول جدواه، خصوصاً في ظل تداعياته المحتملة على النفوذ الأميركي.

وتؤكد وزارة الخزانة أن الولايات المتحدة ستحصل في مقابل هذه الزيادة على "مطالبة مدرة للفائدة" لدى صندوق النقد الدولي، إلا أن منتقدين يرون أن العائد لا يعوض كلفة التمويل أو الأخطار المرتبطة به.

وتكمن المخاوف الأكبر في تأثير هذه الخطوة في قدرة الولايات المتحدة على التحكم بموارد الصندوق، إذ تشير الوزارة إلى أن الزيادة "المتكافئة" في الحصص سيجري تعويضها بخفض الاعتماد على الاقتراض، بما يحافظ على القدرة الإجمالية للإقراض، غير أن هذا الطرح يغفل أن زيادة الاعتماد على الحصص (رأس المال)، بدلاً من القروض تقلص من نفوذ واشنطن.

ففي آليات الإقراض الحالية، مثل ترتيبات الاقتراض الجديدة، يتطلب استخدام الموارد موافقة 85 في المئة من الأصوات، مما يمنح الولايات المتحدة، التي تملك نحو 16 في المئة، حق نقض فعلي وتحتفظ بنفوذ مماثل في اتفاقات الاقتراض الثنائية، لكن هذا النفوذ لا ينطبق على الموارد القائمة على الحصص، إذ لا تملك واشنطن حق النقض.

وفي هذا السياق، يسعى الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى توسيع دور بلاده داخل المؤسسات متعددة الأطراف على حساب النفوذ الأميركي، ومن شأن تحويل موارد الصندوق نحو الحصص أن يخفض فعلياً قدرة الولايات المتحدة على تعطيل القرارات من نحو 60 في المئة إلى نحو 38 في المئة.

تريليون دولار قدرة صندوق النقد الإقراضية

من جانبها، أعربت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا عن تفاؤلها بإمكان إقرار الكونغرس لهذه الزيادة خلال العام الحالي، مما من شأنه تعزيز قدرة الصندوق الإقراضية التي تبلغ حالياً نحو تريليون دولار من موارده الذاتية.

ويرى منتقدون أن هذه الخطوة ستكون موضع ترحيب في بكين، إذ يمكن أن تتيح استخدام موارد الصندوق للمساعدة في معالجة الديون الصينية المتعثرة المنتشرة في عدد من دول العالم.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات داخل الولايات المتحدة إلى رفض المقترح مجدداً، تفادياً لما يعتبره بعضهم تنازلاً غير مباشر عن جزء من النفوذ داخل واحدة من أهم المؤسسات المالية الدولية.

من المواجهة إلى الانفتاح

وتجد إدارة الرئيس ترمب نفسها اليوم أكثر تقارباً مع صندوق النقد والبنك الدوليين، بعد عام واحد فحسب من انتقادات علنية لاذعة وجهها وزير الخزانة سكوت بيسنت للمؤسستين، بسبب ما اعتبره انحرافاً عن مهماتهما الأساسية.

فعلى خلاف مؤسسات متعددة الأطراف أخرى، من بينها حلف شمال الأطلسي، نجح صندوق النقد والبنك الدوليين في تفادي غضب ترمب عبر التكيف مع مطالبه، وهو تحول ظهر بوضوح خلال اجتماعات الربيع السنوية للمؤسستين الأسبوع الماضي.

وكان بيسنت قد هاجم في خطاب ألقاه في أبريل (نيسان) 2025 صندوق النقد بسبب انشغاله بقضايا "تغير المناخ والنوع الاجتماعي والقضايا الاجتماعية"، بدلاً من مراقبة الاقتصاد العالمي، كما اتهم البنك الدولي بتبني مبادرات "سطحية قائمة على المصطلحات الرنانة".

لكن بيسنت تبنى الأسبوع الماضي نبرة مختلفة تماما، مؤكداً أمام مجموعة من العاملين في القطاع المالي أن المؤسستين عادتا للمسار الصحيح.

ويعكس هذا التحول الطبيعة المرنة للنزعة الاقتصادية القومية التي يتبناها ترمب، فالإدارة التي عادة ما تنفر من كل ما يرتبط بالعولمة، أصبحت أكثر تقبلاً لهاتين الركيزتين في النظام العالمي الذي أسس برعاية أميركية قبل أكثر من 80 عاماً.

وقال رئيس شركة "إنترناشونال كابيتال ستراتيجيز" دوغلاس ريدكر، لصحيفة الـ"واشنطن بوست"، إن "امتلاك مخزون كبير من رأس المال في البنك والصندوق يمكن استخدامه لخدمة مصالح أميركية محددة أو الاستقرار المالي العالمي، من دون اللجوء إلى أموال دافعي الضرائب الأميركيين، يبدو أمراً جيداً".

وتقول الصحيفة إن المؤسستين أثبتتا فائدتهما لإدارة ترمب على المستويين الدبلوماسي والمالي، إذ عززتا الشكاوى الأميركية من أثر الصادرات الصينية في الاقتصاد العالمي، ودعمتا دولاً قد تتعرض لعدم الاستقرار بسبب الحرب في إيران، مثل باكستان ومصر والأردن.

البنك الدولي وسياسة "جميع الخيارات مفتوحة

وتحت ضغط الإدارة الأميركية، عدل صندوق النقد والبنك الدولي سياساتهما، مقللين التركيز على قضايا تثير استياء ترمب مثل تغير المناخ، واتخذا خطوات لدعم أهداف السياسة الخارجية الأميركية في أماكن مثل الأرجنتين وأوكرانيا، كما تخلى البنك الدولي العام الماضي عن رفضه التاريخي تمويل مشاريع الطاقة النووية، واقترب من سياسة "جميع الخيارات مطروحة" التي تفضلها إدارة ترمب وتشمل الوقود الأحفوري بما فيه الفحم.

وفي الخميس الماضي، أعلن صندوق النقد استئناف التعامل مع فنزويلا بعد انقطاع سبع سنوات، بما يمثل اعترافاً فعلياً بحكومة الرئيسة ديلسي رودريغيز، التي تولت السلطة بعد اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقال بيسنت للصحافيين "أعتقد أنهم يفهمون وجهة النظر الأميركية، أعتقد أننا أصبحنا منسجمين للغاية الآن".

صندوق النقد تلقى الرسالة

وكانت المؤسستان واجهتا تحديات في بداية الولاية الثانية لترمب، إذ دعا مشروع "2025" الصادر عن مؤسسة هيريتيج، الذي شكل مرجعاً لسياسات عدة للإدارة، إلى انسحاب الولايات المتحدة من صندوق النقد والبنك الدولي، معتبراً أنهما يتعارضان مع مبادئ السوق الحرة والحكومة المحدودة.

وتأسست المؤسستان خلال مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944، لتجنب الإخفاقات الاقتصادية التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية.

ويتولى صندوق النقد مهمة الحفاظ على الاستقرار المالي العالمي، بينما يركز البنك الدولي على التنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر، وعلى مدى عقود، اعتبر رؤساء من الحزبين أن دور المؤسستين يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

لكن الانتقادات الأميركية لابتعاد المؤسستين من تركيزهما الأساس ليست جديدة، ففي إدارة جو بايدن، دعا وكيل وزارة الخزانة للشؤون الدولية جاي شامبو الصندوق إلى التركيز على "مهمته الأساسية"، قائلاً في 2023 إن "صندوق النقد لا ينبغي أن يكون خبيراً في قضايا المناخ".

وشهدت المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا غورغييفا انتقادات، خصوصاً من إدارة ترمب بسبب توسيع نطاق عمل الصندوق ليشمل قروضا للتعامل مع تحديات طويلة الأجل مثل تغير المناخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأطلق صندوق المرونة والاستدامة، البالغة قيمته نحو 50 مليار دولار، في 2022 لمساعدة الدول منخفضة ومتوسطة الدخل على تحصين اقتصاداتها ضد الصدمات المرتبطة بالكوارث المناخية، لكن بيسنت اعتبره انحرافاً عن الدور الأساس للصندوق.

ويبدو أن الصندوق تلقى الرسالة، ففي خطاب افتتاح اجتماعات الربيع قبل عامين، ذكرت غورغييفا كلمة "المناخ" ست مرات، بينما وردت الكلمة مرة واحدة فحسب هذا العام.

وقال المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية مارك سوبل إن غورغييفا "خفضت من خطاب المناخ، وأبقت الصندوق بعيداً من دائرة الاستهداف، وتجنبت استفزاز الرئيس ترمب".

التحليلات الاقتصادية للصندوق راعت واشنطن

وصاغ الصندوق بعض تحليلاته الاقتصادية بما يراعي واشنطن، إذ دعا تقريره السنوي عن الاقتصاد الصيني هذا العام إلى تحول "أكثر قوة" نحو تعزيز الاستهلاك المحلي، وهي خطوة كثيراً ما طالبت بها الولايات المتحدة.

وقال الاقتصادي براد سيتسر إن التقرير "كان أفضل من التقريرين السابقين"، لأنه أبرز اعتماد الصين على صافي الصادرات وربط ذلك بسياسات سعر الصرف.

وأكد متحدث باسم صندوق النقد أن المؤسسة سعت خلال العام الماضي إلى معالجة مخاوف الإدارة الأميركية، من خلال تحسين المشورة السياسية ودعم "إعادة توازن منظمة" للاقتصاد العالمي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أوفد بيسنت مدير مكتبه دان كاتس ليشغل منصب النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد، في خطوة اعتبرها محللون جسراً بين الخزانة والصندوق.

البنك الدولي والتقرب من الإدارة الأميركية

أما في البنك الدولي، فكان من الأسهل على رئيسه أجاي بانغا احتواء مخاوف الإدارة، فقد بدأ، حتى قبل انتخاب ترمب لولاية ثانية، إعادة توجيه محفظة التنمية في البنك نحو خلق الوظائف بدلاً من التركيز الإنساني.

ورداً على انتقادات بيسنت، تبنى استراتيجية تركز على تهيئة البيئة للقطاع الخاص من خلال البنية التحتية والتنظيم الداعم.

ومن الأمثلة على ذلك التزام البنك تقديم 30 مليار دولار لمبادرة "مهمة 300"، لتوفير الكهرباء لـ300 مليون أفريقي بحلول 2030.

وانضم بانغا إلى "مجلس السلام" الذي أنشأه ترمب، وهي خطوة اعتبرها بعضهم محاولة للتقرب من الإدارة، بينما قال البنك إنها جاءت تنفيذاً لقرار أممي في شأن إعادة إعمار غزة.

ولا يزال بيسنت يضغط من أجل تغييرات إضافية، منها إلغاء أهداف محددة لتمويل المناخ، وزيادة الإقراض لمشاريع الغاز الطبيعي، وإعادة تركيز القروض على أفقر الدول، فضلاً من دعم تنويع سلاسل توريد المعادن الحيوية بعيداً من الهيمنة الصينية.

وقال هذا الأسبوع إن تركيز البنك "قصير النظر" على تمويل المناخ يحتاج إلى مراجعة.

لكن المسؤولة السابقة في البنك الدولي كليمنس لاندرز قالت إن قدرة واشنطن على فرض التغيير لها حدود، لأن البنك "مؤسسة يقودها الطلب".

وأضافت "إذا طلبت الدول النامية تمويلاً لمشاريع الطاقة النظيفة ذات العوائد المالية القوية، فالبنك سيمولها".

اقرأ المزيد