ملخص
تورط كير ستارمر في قضية تعيين ماندلسون يثير مقارنات محرجة مع فضيحة "بارتي غيت" التي أطاحت ببوريس جونسون، مهدداً صورته كزعيم نزيه ومنتظم، ومطرحاً أسئلة قاسية حول قيادته وقدرته على ضبط حكومته وتقدير الأشخاص.
من حيث الصورة، وإن لم يكن من حيث المضمون، بدأ تورط كير ستارمر في قضية ماندلسون يكتسب طابعاً يشبه فضيحة "بارتي غيت" إلى حد ما.
لعلكم تتذكرون مشكلة رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون: هل تعمد تضليل البرلمان، وكذب عليه؟ عام 2023، اضطر جونسون إلى المثول أمام مجلس العموم للإدلاء بشهادة تصحيح رسمية للسجل البرلماني عقب تحقيق كشف عن أنه أدلى بتصريحات مضللة أمام النواب في شأن التجمعات التي عقدت في مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت" خلال فترات الإغلاق بسبب كوفيد.
وعلى غرار ستارمر الذي صرح بأنه جرى الالتزام بـ"الإجراءات القانونية الواجبة"، بينما في الواقع، كان الشخص الذي عينه سفيراً لبريطانيا لدى واشنطن قد فشل في اجتياز التقييم الأمني، لجأ جونسون بصورة متكررة إلى الصورة نفسها من الدفاع البيروقراطي: بقوله إنه "جرت مراعاة جميع القواعد"، وإن مستشاريه أكدوا له بأنها طبقت في كل الأوقات، وإنه لم يعلم شخصياً بوقوع أية مخالفة لها.
يكرر المدافعون عن ستارمر على نحو مريب الآن عبارة شاعت بين أنصار بوريس في تلك الأيام: أن "كير اتخذ القرارات الصائبة في القضايا الكبرى" (أوكرانيا في حالة جونسون وإيران في حالة ستارمر).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأبدى بعض منتقدي جونسون في ذلك الوقت الملاحظات الساخرة نفسها التي تردد الآن في شأن ستارمر، وهي أنه إذا كان جونسون يجهل حقاً ما يجري في مقره في "داونينغ ستريت" ومكتب مجلس الوزراء خلال فترة الإغلاق، فإنه لا يسيطر على إدارته، وأنه أبدى انعدام اكتراث غريب بما يجري حوله، والآن يجلس ستارمر في مقعد الضحية المغلوب على أمره.
في النهاية، كانت لجنة برلمانية معنية بالمعايير، تضم أعضاء من مختلف الأحزاب، هي التي قضت فعلياً على المسيرة السياسية لجونسون، حين خلصت إلى أنه أقدم عن علم على "ازدراء البرلمان بصورة متكررة". كان قد خسر منصب رئاسة الوزراء قبل ذلك، لكنه استقال من مجلس العموم، مفضلاً ذلك على تحمل العقوبة المقررة له، وهي تعليق عضويته لمدة 90 يوماً. ولم تتعاف سمعته، مهما كانت تلك السمعة، أبداً.
بعيداً من عيوبه الفادحة، فإن أحد العوامل الرئيسة التي أدت إلى إقالته كان براعة زعيم المعارضة - كير ستارمر - في كشف تلك العيوب وإحراجه. وعلى الصعيد السياسي، برز ستارمر باعتباره "نقيض بوريس"، أي شخصية تتسم بنزاهة تتناقض مع شخصيته بصورة صارخة. من كان ليتصور أنه سيتهم في نهاية المطاف بتضليل مجلس العموم وفقدان هيبته السياسية داخل حكومته، وسوء تقديره لطبيعة الأشخاص لدرجة منحه فرصة جديدة لشخص معروف بسوء سلوكه كي يتقلد منصباً رفيعاً؟
في حالة جونسون، كان الأمر يتعلق بالنائب المحافظ كريس بينشر، الذي عينه بتساهل نائباً لرئيس كتلة الحزب البرلمانية على رغم مزاعم سوء السلوك الشخصي ("معنى كلمة ’بينشر‘ بالانجليزية ’القارص‘ ولكل من اسمه نصيب"). وقد دفع قرار التعيين هذا أكثر من 60 وزيراً ومساعداً برلمانياً ومبعوثاً تجارياً ونائباً لرئيس الحزب إلى الاستقالة من مناصبهم احتجاجاً، قبل أن يعلن رئيس الوزراء نفسه عن استقالته.
أما بالنسبة إلى ستارمر، فقد تثبت الأيام أن اعتقاده بأن تعيين ماندلسون سفيراً لدى واشنطن ومنحه صلاحية الاطلاع على أسرار الدولة أمر يستحق المخاطرة كان خطأ فادحاً. فقيام هذا المحامي السابق، الذي يفترض أنه حذر ودقيق، بالمراهنة على صديق مقرب من المتحرش الجنسي والممول الراحل جيفري إبستين من أجل إرضاء دونالد ترمب، هو الخطيئة الأصلية التي لم تسفر عن خير يذكر.
ربما كان يجدر بمن أصبح الآن وكيل وزارة الخارجية السابق أولي روبينز ومن حوله أن يصروا بصورة أكبر على أخطار تعيين ماندلسون، لكن عاجلاً أم آجلاً، كانت المشكلات لتقع. ولحسن الطالع أن الخطأ صوب، وأقيل ماندلسون سريعاً. فلو تورط في وقت لاحق في فضيحة جديدة تخص أسرار الدفاع مثلاً، لكانت العلاقات مع واشنطن أسوأ مما هي عليه اليوم.
لا بد أن ستارمر يشعر بامتعاض شديد من مقارنة سلوكه بسلوك جونسون، وهي مقارنة مجحفة عموماً. ففي حين يحفل سجل جونسون بنزاعات طويلة حول الوقائع والحقائق، سواء مع رؤساء التحرير المختلفين أم قادة حزبه أم زوجاته أم زملائه أم قضاة المحكمة العليا أم موظفيه، بنى ستارمر مسيرته المهنية على سمعة النزاهة.
باختصار، يتوقع الناس من بوريس المتباهي أن يكذب، لكن العكس هو الصحيح بالنسبة إلى ستارمر. لهذا السبب تعتبر هذه القضايا مدمرة إلى هذا الحد، فالرجل الصادق والمتواضع الذي وعد بإنهاء الفوضى والارتباك الناجمين عن سيطرة حزب المحافظين يعاني هو نفسه من نقاط ضعف على ما يبدو.
إن ما يتمتع به ستارمر من لياقة واضحة يجعل الجمهور يميل إلى التصديق بأن موظفيه الحكوميين قد أخفوا عنه الحقيقة فعلاً أو هذا ما ينبغي أن يحدث في الأقل، فربما قرر كبار المسؤولين في وزارة الخارجية أن عزم رئيس الوزراء على اختيار ماندلسون قوي لدرجة أن من الأفضل عدم إثارة مثل هذه الأمور أو، وهذا الأرجح، أنه حين فشل ماندلسون في اجتياز اختبار المؤهلات الأمنية، كان يقف بالفعل في المكتب البيضاوي يتملق ترمب.
يمكن طرح عدد من الأسئلة الإضافية المحرجة على ستارمر، من المثير للاهتمام أن نعرف لماذا لم ينتظر بضعة أيام أخرى حتى صدور تقرير التقييم الأمني، قبل أن يؤكد تعيين ماندلسون في منصبه. ولا يقل أهمية فهم ما الذي جرى عقب إبلاغ المحرر السياسي في "اندبندنت" ديفيد مادوكس، المسؤول الإعلامي لستارمر تيم ألان، في سبتمبر (أيلول) الماضي، بإبداء جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (MI6) تحفظات في شأن ماندلسون.
كما أثيرت مقالة مادوكس، التي تعد دليلاً دامغاً إلى حد ما، لاحقاً في مجلس العموم من رايتشل غيلمور النائبة عن حزب الديمقراطيين الليبراليين. هل أطلع تيم ألان ستارمر على مزاعم المخابرات البريطانية؟ وهل أصبح رئيس الوزراء على علم بها وأصر على الوصول إلى إجابات واضحة؟ تقول رئاسة الوزراء الآن إنه لم يكن ثمة ما يمنعه قانونياً من المطالبة بهذه المعلومات من موظفيه. وربما توجد تفسيرات وجيهة فعلاً، لكن ما نحتاج إليه هو أن نراها بوضوح.
ومع ذلك، فإن خطأ التقدير الأولي الذي تسبب في كل ما حدث يقع على عاتق ستارمر، وقد اعتذر عنه بالفعل، ومن المنصف أن نضيف أن قلة قليلة فقط كانت ترى في تعيين ماندلسون أمراً كارثياً في ذلك الوقت. اعتبر كثيرون أن القرار كان موفقاً تماماً كما فعل ماندلسون نفسه، وافترضوا، لسبب مفهوم، أن تاريخ ماندلسون المليء بفضائح متعلقة بإبستين كان مجرد ماض، انتهى وولى إلى غير رجعة. وباستثناء بعض الحالات النادرة الجديرة بالاحترام، مثل مستشار الأمن القومي جوناثان باول، فإن معظم من يقولون إنه كان من المفترض بستارمر أن يعلم هم فقط من يتسلحون بحكمة ما بعد الحدث، وإذا لم يبلغ ستارمر بالأمر، وهو ما يصعب على الناس تصديقه، فإنه لم يبلغ به.
لذا، كثيراً ما أمكن إثبات أن ستارمر لم يكذب عمداً على البرلمان، على رغم أن خطأه فادح، فلا ينبغي أن يطرح موضوع تكراره لخطوة بوريس وتقديم استقالته، سنرى.
© The Independent