ملخص
يتكشف داخل حزب "العمال" البريطاني صراع بين الواقعية الاقتصادية والطموح البيئي، على وقع أزمة نفط عالمية متفاقمة. وبين الحذر المالي والدعوات إلى تدخل الدولة، تبرز مخاوف من صدمة أسعار الطاقة وتداعياتها السياسية والاقتصادية المقبلة على الساحة البريطانية.
تكمن المفارقة في أن وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز كانت قد صوتت في انتخابات عام 2010 لمصلحة زميلها الراهن إد ميليباند وزير الطاقة لقيادة حزب "العمال". كانت حينها نائبة منتخبة حديثاً لكن ذلك لا يبرر موقفها، فلو أنها قامت مع خمسة نواب آخرين بالتصويت في الاتجاه الصحيح (لمصلحة شقيقه ديفيد ميليباند)، لربما كان مسار انتخابات عام 2015 وعضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي مختلفين.
الآن، أصبحت ريفز أكثر إدراكاً لما هو صواب. فقد استخلصت من تجربة القيادة التي خاضها ميليباند الدرس الصحيح - "لا تكرّري ذلك"، بينما استخلص هو الدرس الخاطئ - "كان ينبغي أن أكون أكثر جرأة".
نجحت ريفز في التغلب على إد ميليباند ودفعه إلى إلغاء "خطة الازدهار الأخضر" Green Prosperity Plan البالغة قيمتها 28 مليار جنيه استرليني (37 ملياراً و590 مليون دولار أميركي)، التي كانت تمثل سياسة حزب "العمّال" حتى خمسة أشهر قبل الانتخابات الأخيرة. إلا أن خلافاً آخر مماثلاً لا يزال قائماً وقد ازداد حدة نتيجة الصراع مع إيران.
وتتبنّى وزيرة الخزانة وجهة نظر تقوم على المنطق العملي، ومدعومة بالرأي العام، مفادها أنه ما دمنا بحاجة إلى الغاز فمن الأفضل الحصول عليه من القطاع البريطاني في بحر الشمال، مما يوفر فرص عمل للبريطانيين ويدرّ ضرائب على الخزانة، بدلاً من استيراده. أما وزير الطاقة فيتبنى في المقابل وجهة النظر البيئية المتشددة، التي ترى ضرورة تقليص أعمال التنقيب في المياه البريطانية، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الواردات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما كانت الحال مع "خطة الازدهار الأخضر"، فإن هذا الخلاف المستجد يستغرق وقتاً طويلاً لحله، ويعود ذلك جزئياً إلى أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتردد في اتخاذ قرار. لكن هناك مشكلة أكثر إلحاحاً تلوح في الأفق، ومن المرجح أن تزيد الانقسام بين كلّ من ريفز وميليباند.
تكمن المشكلة في أن ناقلات النفط التي كان يفترض أن تعبر مضيق هرمز خلال الشهر الماضي ما زالت في أماكنها، وأن إمدادات النفط التي كان من المفترض أن تصل إلى جنوب آسيا والصين لن تصل. وغياب تلك الشحنات ستكون له تبعات، إذ من المتوقع أن تواصل أسعار النفط والغاز العالمية ارتفاعها.
حتى الآن، التزم رئيس الوزراء ستارمر وضعية "الحفاظ على الهدوء" في الاستعداد للأزمة. نحن نعلم أن موجة الصدمة ستضربنا قريباً في المملكة المتحدة، لكنها تنتشر من منطقة الشرق الأوسط بسرعة السفن العابرة للمحيطات، ما يعني أنه سيكون هناك فارق زمني بين السبب والنتيجة.
هذا الوضع يقارنه عالم الرياضيات في "جامعة بريستول" المتخصص في تبسيط مفاهيم علم الأوبئة البروفيسور أوليفر جونسون بحتمية وصول فيروس "كورونا" قائلاً: "إننا الآن في مرحلة تشبه "وايل إي كويوتي" [شخصية كرتونية تفشل دائماً في مطاردة الطائر "رود رانر"] الذي اندفع من أعلى الجرف، ونحن فقط ننتظر أن تتكفل الجاذبية بالبقية".
عندما خاطب رئيس الوزراء البريطاني الأمّة قبل عيد الفصح، قال: "أود أن أطمئن الشعب البريطاني إلى أنه مهما كانت شدة هذه العاصفة، فإننا في وضع جيد يمكّننا من مواجهتها". لكن هذا ليس ما تحدثت عنه منظمات دولية ذات التسميات المختصرة، كما أشار إليها السياسي البارز في حزب "المحافظين" مايكل غوف. فقد أفاد كل من "صندوق النقد الدولي" و"منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" OECD بأن الاقتصاد البريطاني هو الأكثر انكشافاً أمام صدمات أسعار النفط من معظم الاقتصادات الأخرى.
لكن ستارمر ووزيرة الخزانة ريفز لا يرغبان في الإدلاء بمزيد من التصريحات، لأنهما لا يرغبان بالإعلان عن أخبار سيئة، أو أن يُتهما مرة أخرى بنشر التشاؤم. إنها مسألة توازن دقيق، فالحكومات لا تريد أن تظهر بمظهر غير المستعدة أو المتساهلة، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تثير الرعب بين الناس، إذ إن كلمة واحدة في غير محلها قد تدفع إلى تشكل صفوف انتظار طويلة أمام محطات الوقود.
تذكروا غضب رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون من وزير الخزانة في حكومته أليستر دارلينغ، الذي قال في لحظة تشبه "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، إن تداعيات الانهيار المالي ستكون الأسوأ منذ نحو 60 عاماً. وهناك شيء شبيه من دارلينغ في تصريحات ريفز عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدخول في الحرب التي قالت فيها إنها "غاضبة"، وذلك في إشارة إلى التداعيات الاقتصادية التي ستترتب على ذلك القرار.
إن كل ما قامت به وزيرة الخزانة حتى الآن هو إعلان موقفها، قائلة إن أي دعم لفواتير الغاز والكهرباء - بعد انتهاء مدة التقيد بسقف أسعار الطاقة في يوليو (تموز) المقبل - سيُخصص للذين هم في أمسّ الحاجة إليه، بدلاً من توزيعه على جميع الأسر في البلاد.
وهذه هي المعركة المقبلة التي ستعقب العاصفة الاقتصادية. إذ تسعى ريفز إلى التمسك بسياسة ضبط الإنفاق، وتفادي زيادة كبيرة جديدة في الاقتراض الحكومي، وهو الخيار الذي لجأت إليه الدولة في أعقاب الأزمة المالية، وجائحة كورونا، وارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب في أوكرانيا.
في الجهة المقابلة، سيسعى إد ميليباند إلى اتخاذ خطوات جريئة باستخدام قوة الدولة لحماية الناس من ارتفاع أسعار الطاقة. وقد سبق أن حاول استغلال الحرب في الشرق الأوسط كحجة للحد من اعتماد بريطانيا على الوقود الأحفوري. موقفه يبدو مقنعاً من الناحية النظرية، لكن التطبيق العملي يعني تحميل فواتير الطاقة تكاليف أعلى في الوقت الراهن، على أمل بأن تحل التكنولوجيا مشكلة عدم انتظام إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح خلال الأعوام الـ20 المقبلة.
في الخلاصة، ينبغي على راشيل ريفز عدم تكرار الخطأ الذي ارتكبته عام 2010. ومن الضروري أن يُهزم إد ميليباند وأن تنتصر الواقعية الاقتصادية.
© The Independent