Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أصداء سقوط اللورد ماندلسون تتردد في الحياة السياسية البريطانية

اعتقل بيتر ماندلسون للاشتباه في سوء سلوكه في منصب عام، وبالنسبة إلينا نحن الذين نتذكر مدى النفوذ الذي بلغه، فإن حجم السقوط الذي تعرض له أحد أعمدة الحياة السياسية البريطانية يبدو استثنائياً وصادماً

الجانب الإيجابي الوحيد في كل ما يحدث هو أن الديمقراطية في المملكة المتحدة لا تزال حية (رويترز)

ملخص

يسقط بيتر ماندلسون من موقع عراب السياسة البريطانية إلى متهم بسوء استغلال المنصب، في مشهد يكشف كيف تُسقط فضيحة إبستين شبكات النفوذ التي كانت محصنة لعقود. وتتحول محكمة الرأي العام في بريطانيا إلى أداة محاسبة فعلية، بينما يظل كبار المسؤولين في الولايات المتحدة بمنأى عن المساءلة.

صحيح أن اعتقال بيتر ماندلسون لا يرقى إلى زلزال توقيف أندرو ماونتباتن – وندسور، لكنه لا يزال قادراً على إحداث صدمة.

حتى وقت قريب، كان من المستحيل تخيل "لورد الظل" في السياسة البريطانية، كما كان يعرف ماندلسون في أروقة وستمنستر، وهو يرافق المحققين إلى مركز الشرطة لاستجوابه في إطار تحقيق رسمي. فهذا رجل بسط نفوذه على ثلاثة رؤساء وزراء من حزب "العمال"، لا واحداً فحسب، كما فعل الأمر نفسه مع كبار "المحافظين"، الذين كانوا يبدون انبهارهم بقدرته على هندسة الخطاب السياسي وبشبكة علاقاته الدولية.

لم يجاره أحد في هذا المجال. كان جزءاً من الدائرة الضيقة التي أوصلت توني بلير إلى رئاسة الحكومة وحققت له ثلاثة انتصارات متتالية في الانتخابات العامة. وحتى بعدما أطاحته فضيحة، أعاد غوردون براون تأهيله إلى الواجهة. وعندما فاز السير كير ستارمر بزعامة الحزب، تلقى من ماندلسون مذكرة مفصلة تشرح كيف يمكن لحزب "العمال" أن يعود إلى الفوز. وفي صباح اليوم التالي، فتح ماندلسون باب منزله في كامدن ليجد ستارمر واقفاً بملابس رياضية، بعدما جاء على دراجته من منزله، متلهفاً لمعرفة مزيد.

كان لماندلسون نفوذ حقيقي. يوم وفاة زعيم حزب "العمال" جون سميث، شوهد في ممر الصحافة بمجلس العموم يبدي حزنه، لكنه في الوقت نفسه كان يدفع بفكرة محددة إلى التداول: أن الزعيم المقبل لحزب "العمال" قد لا يكون غوردون براون كما كان متوقعاً، بل توني بلير. ومع بلير وأليستر كامبل، كان من مهندسي التحول الذي أبعد الحزب عن إرث "البند الرابع" والنقابية التقليدية إلى مسار جديد. وهو نفسه من أطلق عبارة أن "العمال الجدد" يحبون "الأثرياء القذرين".

تأملوا إلى أين أوصله ذلك. كان شخصية مهيبة الحضور، ميالة إلى الكتمان والتخطيط الدائم، تفضل العمل من وراء الكواليس والوقوف على هامش المناسبات لا في قلبها. كان الآخرون يقصدونه طلباً للنصيحة والرضا، لا العكس.

الركيزتان الأساسيتان في بريطانيا - الحكومة والملكية - تتصدعان. أندرو الذي كان أميراً، وبيتر الذي استقال من مجلس اللوردات لكنه لا يزال يحمل لقب "لورد"، فقدا أوسمتهما. وقد تكون الخطوة التالية فقدان حريتهما. أمران لم يكونا متخيلين حتى وقت قريب.

كلاهما اعتقل بالتهمة نفسها: سوء السلوك في منصب عام. قد يرى بعضٌ في ذلك مؤشراً إلى أن الحياة العامة في بريطانيا تمر بعملية تطهير واسعة النطاق. غير أن كثرة الأسئلة العالقة، وغموض ما لم يكشف بعد، والملفات غير المنشورة المرتبطة بجيفري إبستين، تجعل من المبكر الجزم بأن المسؤولية تقف عند هذا الحد.

يصعب تصور سقوط شخصية أعلى شأناً - وقلة فقط تملك هذا القدر من النفوذ - على هذا النحو. لكن قد تكون هناك أسماء كبيرة أخرى عاشت طويلاً في دائرة الامتياز، وحصلت دائماً على معاملة خاصة وتسهيلات بفضل علاقاتها، من دون أن نعرف من هم، أو ما إذا كانت ملفاتهم ستنكشف يوماً.

الواضح، مع ذلك، أننا على هذه الضفة من الأطلسي لا نخشى شيئاً - حتى لو اقتضى الأمر إسقاط رموز تهز تصورنا الكامل لطريقة حياتنا الوطنية. "لا أحد فوق القانون"، قال ستارمر قبل دقائق من إعلان اعتقال أندرو.

هناك، في الضفة الأخرى، لم يشهد الرأي العام مشهداً يذل فيه كبار القوم وأصحاب النفوذ بهذه الصورة الفاضحة. والمفارقة لا يمكن أن تكون أوضح: شقيق الملك، وعملاق سياسي كان حتى وقت قريب - ولا ينبغي أن ننسى ذلك - سفيراً لدى واشنطن، سقطا معاً، بينما في الولايات المتحدة لم يستجوب أي مسؤول رفيع سابق أو حالي من قبل الشرطة، ناهيك باعتقاله فعلياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قد يقال إن استجواب ماندلسون وماونتباتن - وندسور يتعلق بإساءة استخدام مناصبهما، لا بقضية إبستين مباشرة. فحتى الآن، اقتصر الإحراج في وثائق إبستين على رجال أعمال استقال بعضهم أو تعرضوا لضغوط، فيما لم يتهم أي مسؤول حكومي بتقديم خدمات للمجرم الجنسي المدان الراحل.

غير أن هذا الفارق الدقيق قد يتلاشى عند التمحيص في ملايين وثائق إبستين. والواقع أن محكمة الرأي العام في المملكة المتحدة هي التي أسقطت الرجلين. أما في الولايات المتحدة، فلا تبدو هناك شهية مماثلة للمضي في هذا الاتجاه - لا لدى الجمهوريين، في الأقل بالقدر الذي يشجع على فتح ملفات أكبر شخصياتهم، ولا من جانب البيت الأبيض نفسه، لأسباب واضحة في ضوء علاقة دونالد ترمب بإبستين.

في بريطانيا، لم تتردد أجهزة إنفاذ القانون – أو إن ترددت، فلا علم لنا بذلك. وقد جاء من رئيس الحكومة توجيه واضح بتركها تتصرف وفق ما تراه مناسباً.

لم يكن الأمر دائماً كذلك. فالتاريخ القريب مليء باتهامات التستر والتعتيم على أعلى المستويات.

ربما لهذا السبب نتحرك الآن، لأننا لم نعد قادرين على تجاهل مزيد. وفي كل الأحوال، فإن ما يتكشف في المملكة المتحدة في شأن إبستين أكثر أهمية مما جرى حتى الآن في الولايات المتحدة. هناك، تبدو الصحافة مكبلة أو معصوبة العينين، وكذلك المدعون العامون الذين كان يفترض بهم التحقيق، بل والاعتقال أيضاً.

ليست هذه أوقاتاً طبيعية في الولايات المتحدة. وهي مضطربة هنا أيضاً. غير أن الجانب الإيجابي الوحيد في كل ما يحدث هو أن الديمقراطية في المملكة المتحدة لا تزال حية. وللأسف، لا يمكن قول الأمر نفسه عن أميركا اليوم.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير