Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جنوب لبنان تحت الركام… إسرائيل متهمة بتنفيذ "إبادة عمرانية"

بلدات وقرى محيت عن الخريطة والهدف اقتلاع السكان ومحو الذاكرة الجماعية

منازل مدمرة في قرية يارون جنوب لبنان (أ ف ب)

ملخص

يكشف دمار واسع في جنوب لبنان، وثقته صور وشهادات، عن تدمير عشرات القرى وآلاف المنازل والبنى التحتية، وسط اتهامات لإسرائيل باتباع استراتيجية "إبادة عمرانية" لاقتلاع السكان. ومع النزوح الجماعي، يسعى الأهالي إلى توثيق ذكريات بلداتهم الممحوة، على رغم خسارات إنسانية ومادية هائلة.

منذ أسابيع، تنهمك هلا فرح بجمع صور ومقاطع فيديو لحفظ ذاكرة بلدتها الحدودية، بعدما دمرتها القوات الإسرائيلية، على غرار عشرات القرى في جنوب لبنان التي يقول سكان ومسؤولون إنها محيت من الوجود.

وتظهر شهادات نازحين ومسؤولين وصور عبر الأقمار الاصطناعية راجعتها وكالة الصحافة الفرنسية وأخرى التقطها مصورو الوكالة من جانبي الحدود، دماراً لحق بمنطقة واسعة في جنوب لبنان حيث أحصت السلطات تضرر ودمار أكثر من 50 ألف وحدة سكنية منذ بدء الحرب في الثاني من مارس (آذار) الجاري. ووصف مسؤولون ذلك بـ"إبادة عمرانية" هدفها "اقتلاع" السكان.

تقول فرح (33 سنة) التي نزحت وعائلتها من يارون، البلدة الواقعة على مسافة أقل من كيلومتر من الحدود الإسرائيلية، إلى بيروت، "تدمر كل شيء، لم يبق لنا إلا الذكريات وبعض الصور التي نحاول والجيران جمعها لكي لا تخوننا الذاكرة، ولنتمكن من أن نخبر أولادنا كيف كانت يارون".

بتأثر شديد، تقول الأم لطفلتين لوكالة الصحافة الفرنسية، "كنت أتمنى أن تكبر ابنتاي في بيت العائلة... لكن الحرب أخذت منا كل شيء، طفولتنا وذكرياتنا ومنزلنا" الذي علمت قبل أسبوعين بدماره عبر صورة من الأقمار الاصطناعية.

دمار شامل للبنى التحتية

طاول الدمار الناتج من غارات مكثفة ثم من عمليات نسف وتجريف واسعة النطاق ازدادت وتيرتها منذ إعلان هدنة بين "حزب الله" وإسرائيل في الـ17 من أبريل (نيسان) الماضي، آلاف المنازل والمرافق الخدمية والمدارس ودور العبادة وحتى الأراضي الزراعية. وقد اجتاح الجيش الإسرائيلي منطقة واسعة من الجنوب في الحرب الأخيرة.

ويتشارك نازحون من بلدات عدة في شراء صور عبر الأقمار الاصطناعية كلفة كل منها 140 دولاراً لتقفي أثر منازلهم، خصوصاً في المنطقة الحدودية التي تمنع إسرائيل سكانها من العودة إليها.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ينشر نازحون صور منازلهم قبل دمارها وبعده، بينهم ناشط سياسي مناهض لـ"حزب الله" يتحسر على منزل جده ذي الطوابق الثلاثة في مدينة النبطية، بينما ينعى كاتب مخضرم مكتبته التي تركها خلفه في مدينة بنت جبيل، وينشر مستخدم آخر مقطع فيديو يظهر جامع المدينة الأثري قبل أن يمسي ركاماً.

"لا خنادق ولا أسلحة"

تقول فرح وهي تعاين عشرات الصور ومقاطع الفيديو على هاتفها، "تحاول إسرائيل أن تنزع كل مقومات الحياة الضرورية للعودة". وتضيف بينما تغلبها دموعها، "ما حصل خلال الهدنة يؤكد أن هدف إسرائيل الإبادة العمرانية للجنوب كله، وضمنه يارون"، البلدة التي كان يقطنها مسيحيون ومسلمون.

طاولت عمليات الجرف، وفق فرح، "قاعة الكنيسة، وديراً للراهبات، ومدرسة مار جاورجيوس"، جازمة بانفعال "كلها بالتأكيد لا خنادق تحتها ولا تضم أسلحة"، في رد على بيانات الجيش الإسرائيلي الذي يقول إن هجماته في لبنان تطاول أهدافاً وبنى تحتية عسكرية تابعة لـ"حزب الله".

في الحرب السابقة بين الطرفين بين 2023 و2024، دمر 580 منزلاً من إجمال قرابة 800 في البلدة، وفق مسؤول محلي، وأتت الحرب الأخيرة على ما تبقى منها باستثناء بضعة منازل لم يتضح مصيرها بعد.

ويؤكد ذلك تحليل صور من الأقمار الاصطناعية أجرته وكالة الصحافة الفرنسية. يتبين أن معظم البلدة دمر بحلول 2025، بما في ذلك كنيسة القديس جاورجيوس التي صمدت ثلاثة من جدرانها فقط. وتظهر صور أخرى متوسطة الدقة مطلع الشهر الجاري راجعتها الوكالة، أن ما نجا سابقاً دمر بالكامل.

بنت جبيل: محو ملعب "خطاب التحرير"

على مسافة نحو ستة كيلومترات شمال يارون، تظهر مراجعة صور الأقمار الاصطناعية دماراً هائلاً لحق بمدينة بنت جبيل.

في مطلع أبريل الماضي لم تكن آثار دمار كبير ظاهرة للعيان، لكن بعد شهر واحد فحسب، بدت المدينة القريبة من الحدود مدمرة تقريباً، بما في ذلك ملعبها الشهير الذي ألقى منه الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله، "خطاب التحرير" في الـ26 من مايو (أيار) 2000، غداة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد احتلال نحو عقدين.

في مقر المجلس الوطني للبحوث العلمية في بيروت (مؤسسة حكومية)، يعرض الأمين العام للمجلس شادي عبدالله على شاشة عملاقة صور المدينة قبل وبعد دمارها. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية، "معظم الأبنية في بنت جبيل تهدمت"، موضحاً أن "معظم عمليات التفجير والتلغيم" في المدينة وكثير من البلدات الأخرى "تمت خلال الهدنة".

ويضيف "هذا ما يعزز الموقف بأن الإسرائيليين لا يقومون بأعمال عسكرية أو تمشيط، هم يدخلون ليدمروا الأرض والبشر والحجر، ناهيك بالقذائف الفوسفورية والعنقودية التي استخدموها" والتي أتت على مساحات زراعية هائلة.

وقدرت وزارة الزراعة في مايو الجاري تضرر أكثر من 56 ألف هكتار من المساحات الزراعية ونفوق أكثر من 1.8 مليون رأس من الدواجن والماشية جراء الهجمات الإسرائيلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"اقتلاع من الجذور"

يتهم المجلس إسرائيل بارتكاب "إبادة عمرانية"، وهو مصطلح يطلق على استراتيجية تستخدمها الجيوش خلال النزاعات لمحو مناطق عن الخريطة. ويقول عبدالله الذي يعمل فريقه ليل نهار على رصد الدمار والأضرار جراء الحرب، "يحاولون اقتلاع الناس وسلخهم من أرضهم... يحاولون أن يمحوا ذاكرة الناس في هذه المنطقة وأن يمحوا تاريخها".

بحسب مسح المجلس الوطني للبحوث العلمية، دمرت الهجمات الإسرائيلية منذ 2023 وألحقت أضراراً بأكثر من 290 ألف وحدة سكنية، 61 ألفاً منها منذ بدء الحرب الأخيرة. وأحصى المجلس دمار 6 آلاف وحدة سكنية كلياً خلال الهدنة، مقابل تدمير جزئي طاول 6 آلاف مبنى آخر، قد يكون مصيرها الهدم، وفق عبدالله.

وهي المرة الأولى التي يتعرض فيها جنوب لبنان لدمار مماثل، على رغم جولات اقتتال سابقة بين "حزب الله" وإسرائيل. وأحصت السلطات مقتل أكثر من 3 آلاف شخص في القصف الإسرائيلي في كل لبنان.

تقول الباحثة هناء جابر المتحدرة من مدينة بنت جبيل، "يشهد لبنان للمرة الأولى مثل هذا التدمير في تاريخه". وترى أن ما يواجهه أكثر من مليون نازح، غالبيتهم الساحقة من الطائفة الشيعية، "هو اقتلاع من الجذور... له انعكاسات مريعة لأنه اقتلاع مجاني من دون أي سبب فعلي".

وبدأت إسرائيل الحرب على لبنان بعد هجوم لـ"حزب الله" عليها بالصواريخ والمسيرات دعماً لإيران، ويأخذ لبنانيون ومسؤولون على الحزب جر لبنان إلى أتون الحرب.

"تدمير ممنهج"

يقول المهندس عماد بزي (60 سنة) الذي دمرت الحرب مقر شركته الهندسية في بنت جبيل ونزح إلى بيروت، "هناك إبادة شاملة لجميع البنى التحتية في بنت جبيل من أبنية سكنية ومؤسسات مياه وكهرباء ومستشفى وحتى المدارس ومحطات الوقود".

ويقول المهندس وهو عضو في المجلس البلدي لبنت جبيل، إن الهدف تحويل المكان إلى "مساحة غير قابلة للحياة"، إضافة إلى "إضعاف الذاكرة الجماعية والهوية المحلية". ويرى أن "ما يحصل اليوم هو تغيير للجغرافيا بشكل فاضح، إنه تدمير ممنهج"، مشيراً إلى تقديرات بدمار أكثر من 75 في المئة من المدينة.

تقول إسرائيل التي أعلنت إقامة خط أصفر يمتد على طول الحدود من البحر الأبيض المتوسط غرباً حتى سلسلة جبال لبنان الشرقية الحدودية مع سوريا شرقاً، بما يفصل منطقة بعمق 10 كيلومترات فرغت من سكانها عن بقية الجنوب، إنها تريد حماية مناطق شمال إسرائيل من هجمات "حزب الله".

وبدأ لبنان وإسرائيل، البلدان اللذان يعدان في حال حرب منذ 1948، الشهر الماضي محادثات مباشرة في واشنطن هي الأولى منذ عقود، في محاولة لوقف نهائي للحرب.

تأمل هلا فرح التي تؤكد أنها وأبناء يارون عازمون على العودة متى توقفت الحرب وإعادة بنائها من الصفر، في أن تصل المفاوضات إلى نتيجة. وتقول لوكالة الصحافة الفرنسية، "نتمنى أن تكون هذه الحرب هي الأخيرة"، مضيفة "نتمنى أن ينسحب الإسرائيليون من كل شبر من أرضنا، ويتركونا نعيش ما تبقى من عمرنا، لنتمكن من إعادة بناء ما تدمر وصنع ذكريات جديدة لأولادنا تنسيهم صدى الغارات التي ما زالت تتردد في آذانهم".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات