Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضغوط تدفع الإيرانيين نحو تركيا عبر بوابة الجامعات

تحولت الإقامة الطلابية إلى أحد المسارات المتاحة للبقاء القانوني بالتزامن مع ازدهار سوق السماسرة واستغلال حاجة الراغبين في المغادرة

لا تزال تركيا واحدة من أولى الوجهات المتاحة أمام الإيرانيين الراغبين في مغادرة البلاد بسرعة (أ ف ب)

ملخص

اللافت أن نمط الهجرة لم تعد كما كانت في السنوات الماضية مقتصراً على الأسر الميسورة، إذ لجأت بعض الأسر خلال الأعوام الأخيرة إلى بيع سياراتها ومقتنيات أخرى مرتفعة القيمة، مثل الذهب، لتوفير الأموال اللازمة لإرسال أبنائها إلى الخارج.

تعد الضغوط الاقتصادية المتزايدة والبطالة وغياب أفق واضح للمستقبل، إلى جانب القمع وموجة الاعتقالات وإصدار أحكام قاسية بحق المحتجين، من العوامل التي أسهمت خلال الأشهر الأخيرة في زيادة الرغبة في الهجرة لدى شريحة من المجتمع الإيراني. وتظهر متابعات ميدانية أنه بعد مرور بضعة أشهر على مقتل محتجين خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، بات عدد أكبر من الشباب يسعى إلى الهجرة، ولو بصورة موقتة.

يقول أب أرسل ابنته إلى إحدى الدول الأوروبية بغرض الدراسة "لم يعد النقاش اليوم يدور حول ما إذا كان الأبناء سيدرسون أم لا إذا هاجروا بمفردهم، بل السؤال الأساسي هو: إذا بقوا في إيران، فهل ستكون حياتهم آمنة، وهل ستتاح لهم فرصة العمل والعثور على وظيفة والعيش في رفاه واستقرار؟".

وبات هذا السؤال يشغل اليوم كثيراً من الآباء والأمهات، مما يدفعهم إلى العمل على تأمين كلف إرسال أبنائهم إلى الخارج. واللافت أن نمط الهجرة لم يعد كما كان في السنوات الماضية مقتصراً على الأسر الميسورة، إذ لجأت بعض الأسر خلال الأعوام الأخيرة إلى بيع سياراتها ومقتنيات أخرى مرتفعة القيمة، مثل الذهب، لتوفير الأموال اللازمة لإرسال أبنائها إلى الخارج.

في هذا السياق، لا تزال تركيا واحدة من أولى الوجهات المتاحة أمام الإيرانيين الراغبين في مغادرة البلاد بسرعة، نظراً إلى حدودها المشتركة مع إيران، وإمكانية السفر إليها من دون تأشيرة، فضلاً عن التقارب الثقافي والجغرافي، وانخفاض كلفها، في الأقل مقارنة بكثير من الدول الأوروبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، لم تعد الهجرة إلى تركيا بالسهولة التي كانت عليها في الأعوام الماضية. إذ دفع تشديد إجراءات الحصول على إقامات قصيرة الأجل وتجديدها كثيراً من المتقدمين إلى البحث عن مسارات أخرى تتيح لهم الإقامة بصورة قانونية في البلاد.

ومن أبرز هذه المسارات "الإقامة الطلابية"، وهي تصريح يصدر، وفقاً للقوانين التركية، للأجانب المقبولين في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. وتقوم آلية هذا النوع من الإقامة، في ظاهرها، على تسجيل الشخص في إحدى الجامعات، والحصول على وثيقة تثبت صفته كطالب، ثم التقدم بطلب الإقامة استناداً إليها. كما تربط إدارة الهجرة التركية استمرار صلاحية هذا النوع من الإقامات بالحفاظ على صفة الطالب الفعلية ومواصلة الدراسة، مؤكدة أن استخدام تصريح الإقامة الطلابية لغير الغرض المحدد له قد يؤدي إلى إلغائه أو عدم تجديده.

لكن ما يجري حالياً بين شريحة من المهاجرين الإيرانيين لا يقتصر على قصة طلاب اختاروا تركيا لمواصلة دراستهم، إذ توجد فئة أخرى يتمثل هدفها الأساسي في الحصول على تصريح إقامة من خلال التسجيل في إحدى الجامعات.

وقد أفرز هذا الوضع سوقاً رائجة ينشط حولها طيف متنوع من السماسرة، بدءاً من أشخاص يعدون بتدبير وثائق مزورة، وصولاً إلى آخرين يزعمون أن بإمكانهم ضمان عدم إلغاء تصريح الإقامة حتى في حال عدم حضور الطالب المحاضرات الجامعية.

بحثاً عن الأمان

آراد شاب غادر إيران أخيراً بالحافلة عبر معبر بازرغان الحدودي ووصل إلى إسطنبول. وجهته جامعة "إسنيورت" في إسطنبول، التي يقول إنها تعد، بسبب رسومها الدراسية المنخفضة نسبياً، أحد الخيارات الأكثر إتاحة لبعض المتقدمين الأجانب. ويقول آراد إنه دفع 2500 دولار للتسجيل في هذه الجامعة، إلا أن الدراسة، في الظروف الراهنة في الأقل، ليست هدفه الرئيس من التسجيل، إذ إن ما يهمه أكثر هو الحصول على إقامة طلابية والبقاء في تركيا بصورة قانونية.

ولم يكن آراد يحمل معه حتى شهادة الثانوية العامة وكشف الدرجات عند مغادرته إيران. ويقول إنه بعد وصوله إلى تركيا دفع 300 دولار إضافية لأشخاص تولوا إعداد وثائق دراسية مزورة يحتاج إليها للتسجيل.

لكن قرار آراد مغادرة إيران لم يكن نتيجة البطالة والمشكلات الاقتصادية فحسب. فهو يقول إنه شارك في الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي في احتجاجات شهدتها إحدى مناطق طهران، وأصيب بطلقات خرطوش أثناء قمع المحتجين. ولا تزال آثار عدد من حبات الخرطوش ظاهرة على جسده، وهو ما تحول، بحسب قوله، خلال الأسابيع التي أعقبت الاحتجاجات إلى أحد أسباب قلقه من التنقل في الأماكن العامة.

 

وبحسب روايته، يخضع الأشخاص في بعض نقاط التفتيش لتفتيش جسدي، ويمكن أن تتسبب آثار الإصابة بالخرطوش في مشكلات لمن شاركوا في الاحتجاجات. ويقول إن الخوف من التعرف إليه واعتقاله حسم في نهاية المطاف قراره بمغادرة إيران. ويضيف "البطالة وضيق الحال طوال العام الماضي من جهة، والشعور بانعدام الأمان من جهة أخرى. لم يعد أمامي خيار سوى الرحيل. كل ما أردته هو حياة هادئة، لا أكثر".

ويقول آراد إنه لم يمض وقت طويل على وصوله إلى تركيا حتى تلقى رسائل من عدد من أصدقائه في إيران، يطلبون منه إرشادهم إلى كيفية الخروج من البلاد والتسجيل في الجامعات والحصول على إقامة طلابية.

ويضيف أن كلاً من أصدقائه يبحث عن وسيلة لتأمين تكاليف المغادرة، "أحدهم باع دراجته النارية، وآخر يريد بيع سيارته من طراز برايد، وثالث يحاول الحصول على قرض. والجميع يقولون إنه لم يعد من الممكن الاستمرار في ظل هذه الأوضاع".

ولم تقتصر كلفة حصول آراد على الإقامة الطلابية على الرسوم الجامعية البالغة 2500 دولار. فهو يقول إنه دفع حتى الآن نحو 1500 دولار إضافية لتغطية نفقات جانبية، تشمل إعداد الوثائق وترجمتها وإجراءات التسجيل، فضلاً عن كلف الاستقرار الأولية في تركيا، وهي نفقات لا تزال مستمرة.

ولخفض كلف المعيشة، يتشارك آراد منزلاً مع عدد من الأشخاص في منطقة إسنيورت بإسطنبول. ومع ذلك، تبلغ حصته من الإيجار نحو 10 آلاف ليرة شهرياً، ويقدر أنه يحتاج إلى ما لا يقل عن 10 آلاف إلى 15 ألف ليرة شهرياً للطعام وغيره من الاحتياجات اليومية. وهكذا، حتى مع السكن المشترك وترشيد الإنفاق، أصبح تأمين المصاريف الشهرية أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إليه.

ولا تكفي مدخرات آراد، بحسب قوله، سوى لتغطية نفقات الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأولى، ويأمل في أن يتمكن خلال هذه الفترة من العثور على عمل يساعده على تغطية جزء من كلف معيشته. ولهذا، عندما يتصل به أصدقاؤه من إيران للاستفسار عن كيفية الهجرة إلى تركيا والحصول على إقامة طلابية، يكرر عليهم باستمرار نصيحة واحدة "لا تحسبوا رسوم الجامعة وحدها".

ويحذر أصدقاءه من أن الرسوم الجامعية ليست سوى جزء من كلف الهجرة عبر هذا المسار، وأن على المتقدم أن يأخذ في الحسبان إيجار المنزل وتأمينه، ونفقات الطعام والمواصلات، إلى جانب مجموعة من المصاريف الجانبية وغير المتوقعة.

وخلال رحلته البرية من طهران إلى إسطنبول، أدرك آراد أنه ليس المسافر الوحيد الذي يسلك هذا الطريق للغرض نفسه. ويقول إن الحافلة كانت تقل ما لا يقل عن سبعة أو ثمانية شبان آخرين متوجهين، مثله، إلى تركيا للتسجيل في الجامعات والحصول على إقامة طلابية. وكان بينهم قاسم مشترك آخر لافت، وهو أن جميعهم كانوا يغادرون إيران للمرة الأولى في حياتهم.

ويرى آراد أن لهذا الأمر دلالة وبخاصة أنه يمثل مؤشراً، إذ إن هؤلاء جميعاً لم يسبق لهم أن غادروا إيران حتى للسياحة أو الترفيه، ولم تكن لديهم أية تجربة سابقة في العيش أو الوجود في بلد أجنبي. ويقول أراد "لكن الأوضاع دفعتنا جميعاً إلى تفضيل العيش في مكان لا نملك عنه أية تجربة أو معرفة على البقاء في مدينتنا وبلدنا".

ويضيف "أنا وجميع الشباب الذين كانوا في تلك الحافلة، عندما كنا نتحدث بعضنا مع بعض، كنا نؤكد باستمرار أنه لم يكن أمامنا خيار سوى مغادرة إيران، وأنه إذا أصبحت إيران حرة، فلن نتردد ولو لثانية واحدة في العودة".

 

وكان على متن الحافلة نفسها التي أقلت آراد من طهران إلى تركيا أب يصطحب ابنته البالغة 18 سنة إلى إسطنبول. ويقول آراد إنه تحدث معه خلال الرحلة، وعرف أنه يصطحب ابنته إلى تركيا لتسجيلها في الجامعة والحصول على إقامة طلابية، إلا أن ما دفعه إلى اتخاذ هذا القرار لم يكن مستقبلها الدراسي بقدر ما كان قلقه على سلامتها في إيران.

وبحسب رواية آراد، شاركت ابنة الرجل البالغة 18 سنة في الاحتجاجات، وسبق أن اعتقلت مرة. وكان والدها قد قال، في إشارة إلى موجة الاعتقالات والقمع والأحكام القاسية والإعدامات، إنه لم يعد مستعداً لقبول مخاطر بقاء ابنته في إيران، وإنه يشعر بأن سلامتها الشخصية لن تكون مضمونة إذا واصلت البقاء في البلاد.

ولم يقتصر ركاب الحافلة على الشباب والأسر التي كانت تصطحب أبناءها إلى تركيا للتسجيل في الجامعات. إذ يقول آراد إنه تعرف خلال الرحلة إلى رجل في منتصف العمر استخدم هو الآخر مسار الإقامة الطلابية للبقاء في تركيا، لكن مع فارق أنه لم يكن ينوي الدراسة أساساً.

وبحسب آراد، سجل الرجل في إحدى مؤسسات التعليم العالي التركية ودفع الرسوم المطلوبة حتى يتمكن من الحصول على إقامة قانونية بصفته طالباً والبقاء في تركيا. وكان هدفه الأساسي العثور على عمل وتأمين نفقات المعيشة، في ما كان التسجيل الدراسي بالنسبة إليه، بدلاً من أن يكون خطوة للالتحاق بالجامعة، وسيلة للحصول على تصريح إقامة قانونية.

سماسرة الإقامة

ولاحظ مستشار في شؤون الهجرة، يعمل أيضاً ممثلاً ناطقاً بالفارسية لعدد من الجامعات التركية، بوضوح ارتفاع طلب الإيرانيين على الإقامة الطلابية في تركيا من خلال حجم الاتصالات التي يتلقاها يومياً. ويقول إنه حتى قبل عام واحد فقط كان مضطراً إلى الإعلان لاستقطاب الطلاب والراغبين في الحصول على إقامة، أما الآن فقد انعكست الأوضاع تماماً، وارتفع عدد المتقدمين إلى درجة أنه لم يعد يجد الوقت للرد على جميع الاتصالات والرسائل.

وبحسب المستشار، أدى ارتفاع الطلب بالتزامن إلى ازدهار سوق الوسطاء وسماسرة الإقامة الطلابية، الذين يستغلون افتقار المتقدمين إلى المعرفة بإجراءات التسجيل في الجامعات وحاجتهم الملحة إلى الحصول على إقامة، ويبيعون خدمات تقل كلفتها الفعلية كثيراً بأسعار مضاعفة. ويقول إنه اطلع على حالات كانت فيها الرسوم الفعلية للجامعة نحو 2000 دولار، لكن المتقدم دفع في نهاية المطاف 4 آلاف دولار أو أكثر للوسيط.

أما الجانب الأكثر خطراً في هذه السوق، بحسب قوله، فهو بيع وشراء وإعداد وثائق مزورة لأشخاص لا يملكون المستندات اللازمة للقبول الجامعي. ويؤكد مستشار الهجرة أن من يعرضون، في مقابل المال، إعداد شهادات ثانوية أو كشوف درجات أو وثائق أخرى مزورة يدركون جيداً أن استخدام مثل هذه المستندات قد يتسبب في مشكلات للمتقدم خلال التسجيل أو مراجعة الملف أو الحصول على الإقامة وتجديدها. ومع ذلك، فإنهم يستغلون حاجة أشخاص يريدون، لأي سبب، مغادرة إيران بأسرع وقت ممكن أو تسوية وضع إقامتهم في تركيا.

ويورد المستشار مثالاً على ذلك بملف شخص دفع 6 آلاف دولار إلى وسيط لتسجيله في جامعة "بيليم أنطاليا"، لكن، بحسب المستشار، لم يجر تسجيله في الجامعة فحسب، بل لم تنفذ حتى مرحلة التسجيل الأولي، فيما توقف الشخص الذي تسلم المال عن الرد على اتصالات المتقدم.

ويقول المستشار إن مثل هذه الحالات وجدت بيئة أوسع للانتشار في سوق شهدت خلال فترة قصيرة ارتفاعاً حاداً في الطلب. فكثير من المتقدمين لا يملكون، قبل مغادرة إيران، معرفة دقيقة بالجامعات والرسوم الدراسية الفعلية ومراحل القبول والإقامة القانونية. وهذا النقص في المعرفة، إلى جانب استعجالهم مغادرة البلاد أو تسوية أوضاع إقامتهم، يجعلهم عملاء محتملين لوسطاء يعدونهم بالتسجيل الفوري أو الإقامة المضمونة أو حل مشكلات الوثائق الدراسية.

ووفقاً لإحصاءات مجلس التعليم العالي التركي، بلغ عدد الطلاب الإيرانيين في تركيا خلال العام الدراسي 2023-2024 نحو 28 ألفاً و924 طالباً، وارتفع العدد في عام 2025 إلى 31 ألفاً و486 طالباً.

وبذلك، ارتفع عدد الطلاب الإيرانيين في الجامعات التركية بأكثر من 2500 طالب خلال نحو عامين فقط، لتصبح إيران من بين الدول التي لديها أكبر أعداد من الطلاب الأجانب في تركيا.

إلا أن هذه الأرقام لا تعكس بعد الموجة التي تكشف عنها الروايات الميدانية الواردة في هذا التقرير خلال الأشهر الأخيرة: شباب يعبرون الحدود البرية بهدف التسجيل في الجامعات، وأسر ترسل أبناءها إلى تركيا للحصول على إقامة طلابية، وأشخاص اختاروا الجامعة لا بغرض الدراسة، بل باعتبارها أحد المسارات المتبقية للحصول على إقامة قانونية.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من تقارير