ملخص
قد تتحول حرب إسرائيل مع النظام في إيران إلى صورة من صور إدارة الصراع الدائم الذي لن يحقق النصر الكامل الذي أراده رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بإسقاط النظام، وربما يتمكن الإيرانيون أخيراً من إسقاط النظام الذي عانوا في ظله القمع والقتل طوال 47 عاماً، بعد أن ضعف بفعل الحرب الجارية. فالديكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش نجا نظامه من حملة جوية لحلف الناتو عام 1999، ثم انهار بعد أن أضعف بشدة، في انتفاضة شعبية بعد نحو عام.
عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية مطلع القرن الحالي، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك عن "حرب طويلة الأمد"، وقال إن "الحرب على الإرهاب قد تستغرق ما يصل إلى 50 عاماً"، بحسب وصفه. وبقدر ما كانت تعبر هذه العبارات عن واقع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فإنها كانت تعكس استراتيجية اعتمدتها إسرائيل طوال أكثر من عقدين ضد حركة "حماس" و"حزب الله".
الاستراتيجية الإسرائيلية هذه صاغها اثنان من الأكاديميين الإسرائيليين، وهما فرايم إنبار وإيتان شامير عام 2013 في دراسة بعنوان "جز العشب: استراتيجية إسرائيل للصراع المستعصي طويل الأمد"، لوصف النهج الذي تبنته إسرائيل في القرن الـ21 ضد الجماعات المعادية غير الحكومية، وهى استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم وإضعاف قدراته، على أمل أن يكون للعمليات واسعة النطاق التي تنفذ بين الحين والآخر أثر رادع موقت لخلق فترات من الهدوء على طول حدودها.
ومع مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، بدأ مسؤولون عسكريون إسرائيليون بوصف الهجمات الدورية للجيش على غزة، التي تنفذ عادة عبر غارات جوية وقصف مدفعي، بأنها "جز العشب". واستخدم نفتالي بينت المفهوم في عام 2018، عندما قال في حديثه عما وصفه بالحرب على الإرهاب، قائلاً "من لا يجز العشب، يجزه العشب".
سؤال إيران
شنت إسرائيل والولايات المتحدة في نهاية فبراير (شباط) الماضي حرباً استهدفتا من خلالها إسقاط النظام بعدما نفذتا عمليات اغتيال واسعة حصدت رؤوس النظام الإيراني ودمرتا في ضربات جوية تواصلت طوال أكثر من شهر نحو 90 في المئة من القوة البحرية وثلثي القوة الصاروخية والمسيرات و80 في المئة من الدفاعات الجوية، غير أن الأمر انتهى للتفاوض مع ما تبقى من النظام الإيراني، مما يعني نجاته وإن كان سيبقى ضعيفاً، وهو ما يدفع بالسؤال عما إذا كان بقاء النظام الإيراني يعني أن إسرائيل ستضطر إلى استخدام الاستراتيجية نفسها المستخدمة مع "حماس" و"حزب الله".
وفق دراسة لمركز راند الأميركي المتخصص في أبحاث الأمن، صادرة في 2022، فإنه استراتيجية تل أبيب التي تمحورت في السنوات الماضية حول "جز العشب" في التعامل مع "حماس" و"حزب الله"، كانت قبول بعجز قوات الدفاع الإسرائيلية عن تسوية المشكلة بصورة نهائية، والاعتماد بدلاً من ذلك على الاستهداف الدائم لقادة المنظمات العسكرية.
وبالمثل قد تتحول حرب إسرائيل مع النظام في إيران إلى صورة من صور إدارة الصراع الدائم الذي لن يحقق "النصر الكامل"، الذي يراه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أو الجائزة الكبرى التي كان يطمح لها بإسقاط النظام. وربما يتمكن الإيرانيون أخيراً من إسقاط النظام الذي عانوا في ظله القمع والقتل طوال 47 عاماً، بعد أن ضعف بفعل الحرب الجارية، وإن كانت الأنظمة القمعية عادة ما تنجو لوقت طويل. فالديكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، نجا نظامه من حملة جوية لحلف الناتو عام 1999، ثم انهار بعد أن أضعف بشدة، في انتفاضة شعبية بعد نحو عام.
جز العشب الإيراني
على رغم تراجع قدرات النظام الإيراني بصورة كبيرة نتيجة للحرب، لكن يقول المراقبون أنه سيظل يمتلك خيارات غير تقليدية تحت تصرفه. فالقدرات العسكرية والنووية قد تتراجع، لكن يمكن أيضاً إعادة بنائها. وقد تجد إسرائيل وربما الولايات المتحدة نفسيهما تتجهان إلى نسخة جديدة من سياسة إسرائيل القديمة القائمة على "الاحتواء القسري"، أي الاستخدام الدوري للقوة لإضعاف قدرات العدو، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تهديد موثوق باستخدام قوة أكبر بكثير لردع أي رد انتقامي واسع النطاق.
ويشير الزميل لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن ناتان ساكس، إلى أن ثمة عنصرين أساسيين في هذه السياسة، وهما القدرة على توجيه ضربات فعالة لأهداف محدودة وعالية القيمة عبر معلومات استخبارية دقيقة وقدرات هجومية متقدمة، إلى جانب التهديد الموثوق باستخدام قوة أشد بكثير في حال رد العدو، فيما يعرف باستراتيجية "جز العشب".
ومع ذلك، فإن هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي نفذتها حركة "حماس" ضد القرى الإسرائيلية الواقعة على الشريط الحدودي لقطاع غزة التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص بينهم أطفال ونساء وخطف 250 آخرين، أثبتت فشل تلك الاستراتيجية، وفي نهاية المطاف أدت إلى حرب طويلة الأمد ومكلفة خصوصاً على الصعيد الإنساني، وهو ما كان يفترض أن تتجنبه هذه الاستراتيجية، كما أنه ما دام تعرضت هذه الاستراتيجية إلى انتقادات بسبب ما يسقط عنها من ضحايا مدنيين.
وفي مقابلة صحافية الشهر الماضي دافع شامير، المستشار السابق في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يعمل حالياً في مركز بيغن، السادات للدراسات الاستراتيجية، عن النهج الإسرائيلي القديم، مشيراً إلى أن السبب لا يكمن في خلل الاستراتيجية نفسها، بل في سوء تنفيذها، إذ فشلت الحكومة الإسرائيلية في مراقبة القدرات المتنامية لـ"حماس"، وقال "ما كان لدينا هو جز عشب رديء".
استنزاف عبثي
وفي حين ستشكل إيران الضعيفة تهديداً أقل، لكن يقول المراقبون إن احتواءها سيصبح على الأرجح أكثر تعقيداً في أعقاب الحملة الأميركية - الإسرائيلية الحالية ضد نظامها، وهو الجانب السلبي من هذا الرهان نفسه.
وتقول مديرة برنامج الشرق الأوسط لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن منى يعقوبيان، إنه بدلاً من العودة لحرب شاملة، قد تميل الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى تطبيق "جز العشب"، من خلال تنفيذ ضربات دورية لإضعاف هذه القدرات كلما أشارت التقديرات إلى أن طهران أعادت بناء ترسانتها بصورة ملاحظة. ووفق هذا المنطق، يمكن ببساطة "إدارة" التهديد الإيراني، عبر تكرار الضربات عند الحاجة من دون معالجة التحديات السياسية الكامنة في الصراع، وهو ما تعتبره يعقوبيان نهجاً استنزافياً عبثياً لا نهاية له.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف يعقوبيان أن "إيران ليست حماس"، بل هى ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط، وإضافة إلى ما ستحتفظ به من قدرات كافية من الطائرات المسيرة والصواريخ، فإنها أثبتت خلال الحرب الحالية قدرتها على فرض السيطرة على مضيق هرمز وتعطيل الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي إذا تعرضت لهجوم، وبالتالي تستطيع استخدام تهديدها غير التقليدي بالطائرات المسيرة والصواريخ لإحداث فوضى إقليمية واضطراب عالمي إذا رأت أن الظروف تستدعي ذلك. فهجمات بطائرات مسيرة على سفن تعبر مضيق هرمز، أو على مطارات في دبي أو الدوحة، ناهيك بالبنية التحتية للطاقة في الخليج، كفيلة بإدخال المنطقة والأسواق العالمية مجدداً في حالة من الفوضى.
أميركا لا تفضل جز العشب
في لقائه الصحافي الشهر الماضي، لفت شامير إلى بعد مهم في استراتيجية إسرائيل ما بعد الحرب تجاه إيران، إذ أشار إلى أنه على رغم أن تغيير النظام لا يزال السيناريو الأمثل لرئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أنه راض بالضرر الذي تلحقه واشنطن وتل أبيب حالياً، وسيواصل الحملة "ما دام سمح ترمب" بذلك، مضيفاً بالقول إن "كل يوم يمر من دون أن يضع ترمب حداً لها يعد مكسباً صافياً لإسرائيل، كل يوم تضعفون مزيداً من القدرات (الإيرانية)".
وما دام أحجمت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن شن حرب ضد النظام الإيراني، وهو ما كان يمثل نقطة خلاف دائمة بين واشنطن وتل أبيب خصوصاً عندما عقد الرئيس السابق باراك أوباما الاتفاق النووي عام 2015، الذي اعتبرته إسرائيل معيب ويسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي وبرنامج صاروخي، لذا فإن خوض ترمب الحرب جنباً إلى جنب مع نتنياهو يعد كسراً لتلك السياسة التقليدية، بل وأيضا تحولاً جذرياً عن وعوده السابقة بعدم خوض الحروب الخارجية. ووسط الضغوط الداخلية حيث الرفض الأميركي الواسع للحرب، والخسائر الاقتصادية العالمية، فإن موقف ترمب لن يدوم، وقد ذهب بالفعل إلى التفاوض مع النظام كخيار منطقي. وهو ما يعني أنه حتي لو كانت إسرائيل على استعداد لتكرار هذا الصراع لاحقاً، فربما لا تجد هذه المرة دعماً من الرئيس الأميركي.
ويرى ناتان ساكس أنه إذا تقرر العودة لسياسة "جز العشب" فلابد من توافر الشروط اللازمة لنجاحها، فالاحتواء القسري يتطلب الحفاظ على تهديد موثوق باستخدام قوة أكبر كثيراً في حال وقوع رد انتقامي كبير. ومن دون هذا التهديد، قد ينزلق الاحتواء سريعاً إلى حرب شاملة كل ما تحمله من تبعات على شعوب المنطقة والعالم. ويشير في هذا الصدد، إلى حاجة إسرائيل إلى الإمداد والدعم الأميركي، بينما صبر الولايات المتحدة على صراع مفتوح مع إيران ليس كإسرائيل. ففي حين يميل الإسرائيليون إلى اعتبار الحرب ضرورة حتمية، فإن الأميركيون يرون أنها خيار، إذ لا يواجهون التهديدات نفسها ولو لأسباب جغرافية، كما أن القيادة الأميركية تأخذ في الحسبان عوامل لا توليها إسرائيل القدر نفسه من الاهتمام، مثل أسعار الطاقة العالمية وضغوط الحلفاء في المنطقة والرأى العام الداخلي.
إسقاط النظام يبقي الحل الأمثل
ومع ذلك، يقول مراقبون إنه إذا قرر النظام في إيران تكثيف برنامجه الصاروخي كأداة للردع بعد تلك الحرب التي ألمت به، فإن الرئيس الأميركي الحالي أو المستقبلي، قد يجد نفسه تحت ضغط للتحرك مجدداً. وبالنسبة إلى المتشددين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إبقاء النظام الإيراني في حالة من عدم الاستقرار وتوجيه مزيد من الضربات التي تضعفه، ربما يكون خياراً مناسباً بديلاً عن تغيير النظام الذي يؤمن الجميع، بما فيهم نتنياهو، إنه لن يتحقق سوى من الداخل.
ومع ذلك، يتفق المراقبون على أن اتباع "جز العشب" مع إيرن ليس الطريقة المثلى، إذ يظل سقوط النظام أو تغيره من الداخل، هو النتيجة الأفضل للشعب الإيراني والمنطقة. أما بقاؤه فيعني زيادة الأخطار. فإيران، حتى وهي مضعفة، ستظل قادرة على إزعاج جيرانها وفرض كلفة عليهم، بينما احتواؤها سيتطلب قدراً كبيراً من الصبر والثبات والتخطيط الدقيق، وهي مهمة صعبة تنتظر الأطراف المعنية، بحسب وصف زميل معهد الشرق الأوسط.