Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 "الرجل" البريء المتهم بجريمة يعيش تحت الأرض

العنف حقيقة زائفة في رواية الأميركي ريتشارد رايت

الروائي ريتشارد رايت (غيتي)

ملخص

أراد الكاتب الأميركي ريتشارد رايت في روايته "الرجل الذي عاش تحت الأرض" (ترجمة أسامة منزلجي، دار المدى)، أن يقدم العنف على أنه بنية مؤسسة لإنتاج العلاقة مع العالم الخارجي، لا بوصفه ممارسة عرضية أو انحرافاً في سلوك السلطة.

يذهب ريتشارد رايت في هذا العمل أبعد من النقد الاجتماعي المباشر، ليضع القارئ أمام نظام قمعي عشوائي، يحول الحقيقة من معطى موضوعي مستقل إلى قيمة قابلة للتلاعب بها.

يقوم الحدث المحوري في الرواية على شخصية فريد دانييلز الذي يتعرض للاعتقال والتعذيب نتيجة اتهامه بجريمة قتل لم يقترفها، ومهما حاول التأكيد على براءته وأنه مظلوم، لا يتم تصديقه من قبل الشرطة، وهكذا تتحول تجربته إلى رحلة نفسية وفلسفية مريرة. ويمر فريد بتحول عميق في وعيه، فيبدأ برؤية العالم بصورة مختلفة ويكتشف زيف القيم وعبث المال وفساد النظام الذي اتهمه ظلماً. وهذه التجربة تمنحه نوعاً من الاستبصار الوجودي، كأنه يرى حقيقة العالم للمرة الأولى.

يحمل العنوان دلالة تتجاوز البعد المكاني، ليغدو مفتاحاً تأويلياً للنص بأكمله، فعبارة "تحت الأرض"، الواردة في العنوان  ليست مجرد موقع جغرافي، بل حالاً وجودية تعبر عن الانفصال عن العالم الظاهر.

وتقوم مشاهد التحقيق المتكررة في الرواية على منطق الاستجواب بقدر ما تقوم على منطق الإكراه على الاعتراف، إذ تُفرض على الشخصية سردية جاهزة تعاد صياغتها باستمرار حتى تصبح تحت وطأة التعذيب، أكثر واقعية من الواقع نفسه. وهنا يمكن استحضار مفهوم "العنف الرمزي" بوصفه آلية لإعادة تشكيل الإدراك، إذ لا يُطلب من فريد دانييلز أن يعترف بما فعل، بل أن يتبنى خطاباً لم يعِشه، وجريمة قتل لم يقترفها.

وتتجلى هذه البنية في التكرار القهري للأسئلة، وفي تجاهل كل محاولة للدفاع عن الذات، مما يحول اللغة إلى أداة قمع رمزية. فالكلام في هذا السياق لا يهدف إلى التواصل، بل إلى الهيمنة، وبذلك تتحول اللغة من وسيط للمعنى إلى أداة لإلغائه. إن السلطة في هذا النص لا تبحث عن الحقيقة، بل عن اعتراف يكرس وجودها، حتى إن كان هذا الاعتراف زائفاً.

تفكك الذات والهوية

تبدأ الشخصية الرئيسة بوصفها ذاتاً متماسكة، تنتمي إلى نظام اجتماعي واضح، رجل يعمل ومتزوج ومتدين، غير أن هذا التماسك سرعان ما ينهار تحت ضغط العنف، ليدخل فريد في مسار من التفكك يمكن قراءته ضمن مفهوم انهيار الذات.

والتحول الأكثر خطورة لا يكمن في الألم الجسدي فقط، بل في زعزعة يقين الذات بنفسها، إذ يصل فريد إلى لحظة يشعر فيها بصورة غامضة بأنه مذنب حقاً، على رغم إدراكه العقلي لبراءته. وهذه اللحظة تمثل انكساراً داخلياً، إذ لم يعُد الوعي قادراً على التمييز بين الحقيقة المفروضة والحقيقة المعاشة.

إننا أمام حال من الاغتراب، تنفصل فيها الذات عن مركزها، وتفقد قدرتها على تعريف نفسها. فلم يعُد فريد يقول "أنا بريء" بوصفها حقيقة، بل مجرد محاولة دفاعية هشة، ومع استمرار الضغط، تتحول هذه العبارة نفسها إلى صيغة فارغة، فاقدة لقوتها الدلالية المؤثرة.

هذا التفكك لا ينتج فقط إنساناً معذباً، بل ذاتاً مشروخة، قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادة السلطة، مما يمنح الرواية بعدها الوجودي العميق الذي يكسبها ديمومتها، كي تُقرأ الآن، كما لو أنها تحكي عن زمن معاصر.

الزمن والفضاء

اعتمد رايت في نصه على هندسة سردية دقيقة، تتجلى في توظيف الزمن والفضاء والهوية الداخلية كوسائل لإنتاج الإحساس بالاختناق. فالزمن، داخل غرفة التحقيق، يفقد خطيّته، ويتحول إلى زمن دائري قائم على التكرار. وهذه التقنية التي يمكن توصيفها بـ"تمدد الزمن السردي"، تجعل اللحظة الواحدة تتضخم حتى تصبح عبئاً نفسياً ووجودياً.

لا يحدث التكرار على مستوى الحدث فقط، بل على مستوى الذات، والأسئلة والاتهامات والردود. وهذا التكرار لا يهدف إلى التقدم السردي، بل إلى تثبيت حال الجمود، وكأن الزمن نفسه أصبح أداة تعذيب.

أما الفضاء، فيتخذ شكل المكان المغلق، حيث تقدم غرفة التحقيق كحيز خانق ومحدود وبلا أفق. وغياب النوافذ وثقل الهواء والرائحة العفنة، كلها عناصر تشكل ما يمكن تسميته "فضاء القهر" الذي يعيد إنتاج السلطة في صورة مادية مجردة.

بهذا المعنى، لا يعود المكان خلفية للأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج التجربة المريرة، يسهم في تفكيك الشخصية ودفعها نحو الانهيار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يغيب الوعي بالحقيقة عن الشخصية المحورية فريد، وتنتهز السلطة من هذا الغياب وسيلة قمعية أكثر عنفاً. ويمكن قراءة هذا التحول المأسوي بوصفه انتقالاً من مستوى الوهم إلى مستوى الحقيقة العارية. ففي أعلى الهرم الاجتماعي، هناك نظام من القيم الزائفة، العدالة والقانون والنظام. أما في الأسفل، فتتكشف البنية الحقيقية لهذا النظام بوصفه قائماً على العنف والإقصاء.

وتتداخل هنا مستويات السرد، فـالرواية تمثل في آنٍ واحد الهامش الاجتماعي واللاوعي النفسي والفضاء الفلسفي الذي يُعاد فيه التفكير في معنى الوجود. إنها لحظة كشف، ولكنها ليست كشفاً مريحاً، بل صدمة معرفية تضع الإنسان أمام فراغ المعنى. لنقرأ: "بعد أن زال عنه السحر وجد أنّه واقف على قدميه، يُحدِّق في رعب. لقد جعله التحليق في الهواء والنظر نحو أسفل إلى عبث الحياة الإنسانية، أن يفهم أنّه ليس في القلب الإنساني عطفٌ يمكن أن يستجيب بالقدر الكافي لذلك المشهد الفظيع. نظر نحو أسفل، خارج الزمان والمكان، إلى الأرض ورأى أن كل يوم زائل هو يوم من الاحتضار، وأن الناس يموتون ببطء مع مرور كل لحظة بقدر ما يموتون في الحرب، وأن الأسى والحزن الإنسانيين غير كافيين على الإطلاق للتعبير عن هذا المشهد الشاسع والموحش".

من هذا المنظور، تتحول الرواية إلى رحلة تفكيك، لا للواقع وحسب، بل للأوهام والعذابات التي يقوم عليها. ويكتشف فريد في نهاية المطاف ظلم العالم وهشاشة البنى التي كان يستند إليها لفهم هذا العالم.

ينجح ريتشارد رايت في تقديم نص يتجاوز حدوده الواقعية ليغدو نصاً فلسفياً عن السلطة والوعي والحقيقة. ولا تكتفي الرواية بإدانة العنصرية، بل تتجاوزها إلى تحليل آلياتها العميقة التي يُعاد عبرها تشكيل الإنسان تحت القهر، حيث يكمن الخطر في قدرة العنف على إعادة تعريف الواقع.

ويُشار أيضاً إلى أنه لا يمكن قراءة هذه الترجمة العربية لرواية "الرجل الذي عاش تحت الأرض" بمعزل عن حضور وغياب مترجمها أسامة منزلجي الذي تبدو ترجمته، في سياق صدورها، أقرب إلى فعل استعادة ثقافية مشحونة بالفقد. فيصل النص العربي إلى أيدينا بوصفه الأثر الأخير لمشروع مترجم كرّس حياته لاختيار نصوص متمردة، خارجة عن السائد ومتصادمة مع الأطر الأخلاقية والمعرفية المستقرة. واكتسبت هذه الترجمة دلالة إضافية مع صدورها بعد وفاة منزلجي، إذ تغدو على نحو مؤثر امتداداً لصوته الغائب وحضوره المستمر في الثقافة العربية. إن ما يلفت في تجربة منزلجي ليس فقط اتساع مشروعه، بل طبيعة اختياراته وانحيازه إلى نصوص تشتبك مع الهامش، ومع التجربة الإنسانية في أقصى درجات توترها وصدقها. لذا تبدو ترجمته لهذا العمل تحديداً منسجمة مع رؤيته، بل كأنها تحقق، بعد رحيله، نوعاً من التوازي الرمزي بين نص يتناول العدالة والظلم والانفصال، ومترجم عاش حياته في عزلة خلاقة كرّسها للغة والأدب.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة