ملخص
قدرت الدراسة الحكومية أن الضرر سيكون واضحاً في قطاعات الزراعة قبل أن تصل الأزمة إلى أرفف محال البقالة، لكن قطاعات أخرى ستتضرر أيضاً، منها قطاعات صحية، إذ يستخدم الغاز في حفظ الأعضاء للزراعة، وكذلك حفظ الدم المتبرع به لحين الحاجة إليه.
سارعت الحكومة البريطانية، عبر مسؤوليها، إلى طمأنة الشعب بأن ما سرب عن أزمة غذاء خانقة في البلاد، إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط لنحو شهرين، ليس سوى مجرد تدريب على سيناريوهات، وليس توقعاً محققاً. ومع ذلك، لم يتوقف سيل التقارير والتحليلات والتعليقات في الصحافة البريطانية ووسائل الإعلام، خلال اليومين الأخيرين من الأسبوع الماضي، عن مناقشة أزمة الغذاء المحتملة بالتفصيل.
بعض وسائل الإعلام أعدت قوائم بالأطعمة والأغذية والضرورات التي يتعين على الأسر البريطانية تخزينها تحسباً للنقص الشديد في المواد الضرورية بحلول يونيو (حزيران)، إذا لم تتوقف الحرب في الخليج ولم يفتح مضيق هرمز للملاحة التجارية بحرية.
بدأ الهلع بنشر صحيفة "التايمز" وثيقة مسربة عن خطة الطوارئ التي أعدتها لجنة تابعة للمجمع الأمني الحكومي المعروف باسم "كوبرا"، والذي يضم الوزارات المهمة في الحكومة. وعلى الفور تلقفت وسائل الإعلام، كلها تقريباً، الخبر بعناوين مثيرة، محذرة من أزمة غذاء كارثية في بريطانيا إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط حتى الصيف، بخاصة أن بريطانيا لا توفر سوى نحو 60 في المئة من غذائها، وتستورد البقية، على عكس دول مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية تتمتع بالاكتفاء الذاتي.
وعلى رغم التطمينات للجمهور من جانب المسؤولين، وفي مقدمهم وزير الأعمال بيتر كايل، فإن القلق يظل مسيطراً على البريطانيين من تضرر الأسر مباشرة إذا استمرت الحرب في المنطقة لأسابيع عدة إضافية، بخاصة أن الأخبار السلبية حول الاقتصاد البريطاني تتوالى بعدما جاء في التقرير نصف السنوي لـصندوق النقد الدولي من أن أداء اقتصاد بريطانيا سيكون الأسوأ ضمن نظرائه من الدول الأخرى.
ثاني أكسيد الكربون
الوثيقة المسربة، التي نشرت صحيفة "التايمز" تقريراً حولها، أعدها مسؤولون من رئاسة الوزراء ووزارة الخزانة ووزارة الدفاع، في شأن السيناريوهات المحتملة نتيجة استمرار الحرب على إيران وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز في الخليج.
وجاء التكليف من رئيس الوزراء كير ستارمر بالتقييم الطارئ، الذي حمل اسماً كودياً هو "تمرين قنبرة الماء" لمعرفة ما يمكن أن يحدث "في السيناريو الأسوأ" بحلول يونيو المقبل للاستعداد لمواجهته، وكانت النتيجة هي نقص حاد في اللحوم والدواجن وغيرها من المواد الغذائية على أرفف المتاجر.
أما السبب الأهم وراء كل ذلك، وما ركزت عليه الوثيقة، فهو نقص ثاني أكسيد الكربون، وهو ما لا يعرف كثيرون أنه أحد المدخلات المهمة في الصناعات الغذائية في بريطانيا. وتعد بريطانيا من أكبر مستهلكي غاز ثاني أكسيد الكربون في الصناعات الغذائية، وتستورد قدراً كبيراً من حاجاتها من أوروبا.
قدرت دراسة الطوارئ أن بريطانيا قد تعاني نقص ثاني أكسيد الكربون بنسبة 18 في المئة، ما يعني تعطل سلاسل الإمداد الغذائية البريطانية، إذ يستخدم الغاز في الذبح الرحيم للدجاج وغيره، كما أنه مكون مهم في حفظ الأطعمة مثل اللحوم والخضراوات والمخبوزات.
وقدرت الدراسة الحكومية أن الضرر سيكون واضحاً في قطاعات الزراعة قبل أن تصل الأزمة إلى أرفف محال البقالة، لكن قطاعات أخرى ستتضرر أيضاً، منها قطاعات صحية، إذ يستخدم الغاز في حفظ الأعضاء للزراعة، وكذلك حفظ الدم المتبرع به لحين الحاجة إليه.
وتكمن مشكلة سلسلة إمداد ثاني أكسيد الكربون في أنه ناتج جانبي لصناعة الأمونيا والأسمدة، كثيفة الاعتماد على الغاز الطبيعي، الذي قد يتعطل مع إغلاق مضيق هرمز.
خطط الاستجابة الطارئة
نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار يمكن أن يتوقف كثير من المصانع عن العمل، وبعض تلك المصانع هي المصدر الأول لثاني أكسيد الكربون، لذلك أعد الوزراء المعنيون في الحكومة خططاً للاستجابة الطارئة ضمن "قانون الطوارئ المدنية"، الذي يعطي الحكومة سلطات واسعة للتصرف.
وربما تتضمن تلك الخطط إجبار المصانع على تحويل عملها إلى إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون، ويمكن أيضاً للحكومة وضع وإنفاذ القوانين في غضون أيام، كما ستكون الحكومة مضطرة إلى تعويض الشركات والمصانع بعشرات ملايين الجنيهات الاسترلينية نتيجة ذلك.
على سبيل المثال، قررت الحكومة عودة مصنع الإيثانول في تيسايد إلى العمل لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما قد يكلفها نحو 100 مليون جنيه استرليني (135 مليون دولار). ونقلت صحيفة "الغارديان" عن متحدث باسم الحكومة أنها "تواصل العمل مع مجموعات الأعمال لمواجهة تبعات الأحداث في الشرق الأوسط".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويصر المسؤولون على أن الوثيقة التي نشرت عنها صحيفة "التايمز" ليست إلا تقديرات لسيناريوهات، وقال المتحدث باسم الحكومة لصحيفة "الغارديان" إن "تقدير السيناريو الأسوأ هو مجرد تخطيط من قبل الخبراء، ولا يعني توقعاً دقيقاً لما سيحدث بالفعل في المستقبل"، لكن ذلك لا يعني أن قطاع الزراعة، والمنتجات الغذائية، لا يتعرضان للضغط، إذ أعلن اتحاد المزارعين الوطني في بريطانيا، الشهر الماضي، أن أسعار الخيار والطماطم يمكن أن تواصل الارتفاع على مدى الأسابيع الستة القادمة، وكذلك ستشهد أسعار الحليب ومنتجات المحاصيل الزراعية الأخرى ارتفاعاً على مدى ثلاثة إلى ستة أشهر مقبلة.
تخزين المنتجات الضرورية
على رغم عناوين الأخبار المثيرة، فإن غالبية المراقبين لا يتوقعون نقصاً حاداً في الأغذية، وإنما ربما نقصاً في تنوع الخيارات المتاحة للمستهلكين، لكن حساسية الجمهور البريطاني لتلك الاحتمالات عالية جداً، وجعلتهم يتذكرون ما حدث خلال أزمة وباء "كوفيد-19"، حين خلت أرفف المحال في بريطانيا من سلع ضرورية، بينما كانت تتوفر للمستهلكين في الدول الأوروبية المجاورة، لكن ذلك لم يمنع وسائل الإعلام من سؤال الخبراء عن المواد الضرورية التي يتعين على المستهلكين تخزينها من الآن تحسباً للنقص وحدوث أزمة أغذية. وتضمنت تلك القوائم الأغذية طويلة العمر التخزيني، والتي لا تحتاج إلى الطهي، وجاء في مقدمها الشوفان والأسماك المحفوظة مثل السردين وغيره.
ومن الأغذية التي يمكن للناس تخزينها من الآن: مقرمشات البطاطا والرز والبقوليات الجاهزة المحفوظة التي لا تحتاج إلى الطهي، وتضمنت تلك القوائم تخزين المياه المعبأة، بخاصة المياه الغازية التي يمكن أن تشهد نقصاً واضحاً، إذ يستخدم في إنتاجها غاز ثاني أكسيد الكربون.
وهناك أيضاً نصائح مقدمة للأسر في شأن أهمية الاستعداد لمشاركة ما لديها من مخزون مع الجيران أو من يحتاجون، في حال خلو أرفف المحال من السلع الضرورية.
كانت التحذيرات في شأن أزمة أغذية في بريطانيا سابقة حتى على بدء الحرب نهاية الشهر قبل الماضي، إذ حذر تقرير أعده عدد من خبراء الأغذية في بريطانيا، وصدر في فبراير (شباط) الماضي، من احتمال حدوث "تظاهرات واحتجاجات جوع" في البلاد، ليس فقط نتيجة نقص الأغذية، لكن أيضاً بسبب انخفاض الدخل وعدم قدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار.
وحذر الخبراء من أن الحكومة في بريطانيا لا تخزن ما يكفي من السلع الضرورية، ولا تنصح المواطنين بصورة واضحة في هذا المجال، على عكس ما تفعل دول أوروبية مثل سويسرا وغيرها. وتصدر ألمانيا وغيرها، على سبيل المثال، تعليمات دورية في شأن ما تحتاج الأسر إلى تخزينه من الضرورات تحسباً لأي أزمات.
أما النصيحة الأخرى التي يقدمها الخبراء، فهي أنه بالنسبة إلى من لديهم حديقة في المنزل، فعليهم استغلالها في زراعة كل ما يمكنهم من الخضراوات، لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الغذائية في وقت الأزمات.