ملخص
يدفع كير ستارمر نحو علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي لتخفيف التعقيدات التجارية وخفض الأعباء على الشركات وكلفة المعيشة، لكن هذا المسار يفرض ثمناً سياسياً وقانونياً واضحاً، لأنه يقتضي مواكبة قواعد أوروبية لا تشارك لندن في صياغتها. المعركة لم تعد محصورة في تحسين التبادل التجاري بعد "بريكست"، بل امتدت إلى سؤال السيادة التشريعية وحدود صلاحيات الحكومة وكيفية تمرير هذا التقارب من دون العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
بدأت إذاً تتضح ملامح إعادة ضبط "بريكست" التي يقودها كير ستارمر. فبعد نحو 10 سنوات على الاستفتاء الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أعلن رئيس الوزراء أن إقامة علاقة أوثق مع أوروبا "تصب في مصلحة المملكة المتحدة".
وتجري حالياً مفاوضات في شأن اتفاقات أساس في مجالي التجارة والمعايير، ولا سيما ما يتعلق بالمعايير الصحية والصحة النباتية، أي القواعد الناظمة لسلامة الغذاء وصحة الحيوان وصحة النبات، وهي مسألة تحولت إلى إحدى العقد الأساس بعد "بريكست"، بعدما أدت إلى تشديد إجراءات التفتيش على الحدود وتفاقم التعقيدات البيروقراطية التي تواجهها المملكة المتحدة.
ويرى ستارمر أن الاتفاقات المتعلقة بمعايير الغذاء، إلى جانب الطاقة وانبعاثات الكربون، ضرورية لتخفيف العراقيل على الحدود بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك في ما يتعلق بإيرلندا الشمالية، بما يخفف العبء الكبير عن الشركات ويساعد أيضاً في الحد من كلفة المعيشة.
لكن التقارب الأوثق مع أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة لن يكون بلا كلفة.
فالحكومة تدرك أن المملكة المتحدة، إذا أرادت التوصل إلى اتفاق، لن تكتفي فقط باللحاق بقواعد الاتحاد الأوروبي التي أقرت خلال سنوات "بريكست" - مثل تلك المتعلقة بتسمية المربى - بل سيكون عليها أيضاً مواكبة التشريعات الأوروبية الجديدة التي ستصدر تباعاً.
ويجعلنا التوافق الديناميكي - أي اتباع قواعد الاتحاد الأوروبي على رغم أننا لا نشارك في وضعها - متلقين للقواعد لا صانعين لها، مما يضعنا في الموقع نفسه الذي تشغله النرويج وسويسرا. وصحيح أن لهاتين الدولتين دوراً في "تشكيل القرار"، بمعنى أن المفوضية الأوروبية تستشيرهما في مسودات التدابير، لكنهما لا تملكان كلمة في المفاوضات نفسها.
ولا شك في أن أصواتاً سترتفع مرددة اتهامات بـ"خيانة بريكست" - ومن الصحيح أيضاً أن ستارمر يدفع نحو علاقة أوثق بكثير مع الاتحاد الأوروبي. غير أن هذا كان التزاماً صريحاً في بيانه الانتخابي، كما أن الاتفاقات التي يتفاوض عليها حالياً لا تقترب حتى من عضوية السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، وهما الخطان الأحمران اللذان حددهما لنفسه.
وثمة مسألة قانونية أخرى سيتشبث بها معارضو التقارب مع الاتحاد الأوروبي، إذ يجب أن تجد قواعد الصحة والصحة النباتية وغيرها من قواعد الاتحاد الأوروبي طريقها إلى النظام القانوني البريطاني. ومن المرجح أن تستخدم الحكومة خطاب الملك الشهر المقبل للإعلان عن تشريع يمنحها سلطة تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي في مجالات الصحة والصحة النباتية، ونظام تداول الانبعاثات، والطاقة، عبر صكوك تشريعية، أي قوانين ثانوية تحظى بقدر أقل بكثير من التدقيق البرلماني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويمثل استخدام الصكوك التشريعية وسيلة أسرع لتمرير القوانين، ولا سيما حين تكون القواعد شديدة التقنية. ويعتمد بالفعل نحو 3500 صك تشريعي كل عام، لكن ذلك لم يمنع بعض الصحف من وصفها بأنها "صلاحيات هنري الثامن"، لأنها تتيح للحكومة إقرار قوانين جديدة من دون تدقيق كامل.
جميع الحكومات تستخدم صلاحيات هنري الثامن. وكان ذلك واضحاً بصورة خاصة خلال سنوات "بريكست"، حين كانت الحكومة المحافظة مسؤولة عن مئات الصكوك التشريعية الإضافية اللازمة لتنفيذ التغييرات الكبيرة التي تطلبها "بريكست". لذلك قد تكون التحذيرات من تهديد الديمقراطية مبالغاً فيها.
لكن ثمة تحدياً آخر يواجه الحكومة البريطانية، فكثير من التشريعات في مجال المعايير الصحية والصحة النباتية يطاول اختصاصات الإدارات المفوضة. ولذلك، سيتعين على الحكومة أن تجد آلية تضمن إشراك هذه الإدارات بأكبر قدر ممكن، وفي مرحلة مبكرة قدر الإمكان، حتى تتمكن المملكة المتحدة من الوفاء بالتزاماتها.
وإذا نجح ستارمر في التفاوض على اتفاقات في هذه المجالات الثلاثة، فضلاً عن برنامج لتنقل الشباب لا يزال قيد البحث، وكذلك في تمرير التشريعات اللازمة عبر البرلمان، فسيكون قد أوفى بالتزاماته، وقد ينتقل بعدها إلى استكشاف مجالات أخرى لمزيد من التقارب، مثل المواد الكيماوية والأدوية.
البروفيسورة كاثرين بارنارد أستاذة قانون الاتحاد الأوروبي وقانون العمل في كلية ترينيتي، ونائبة مدير مركز الأبحاث "المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة".
© The Independent