Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرثية الناطق الأخير... ماذا يخسر العالم بموت لغة؟

كتاب جديد يبحث في اللغات المهددة بالانقراض ويحث على الدفاع عن ذلك التنوع اللساني المعرض للضياع

أفضل التقديرات تذهب إلى أن لدينا 7 آلاف لغة مستعملة في شتى أرجاء العالم (اندبندنت عربية)

ملخص

لا أعرف بماذا شعرتم وأنتم تطالعون هذه الرسالة الوجيزة، لكنني شعرت بالفجيعة، ثم بالخجل من أن يؤلمني موت لغة، فلا أكاد أحفل بموت إنسان. غير أنني أنتبه إلى أن الإنسان نفسه، توفيق إيسنتش، لم يُبالِ في رسالة وداعه بأن ينعى نفسه.

"في غضون المئة عام القادمة سوف يموت تقريباً نصف لغات العالم. موت لا يقام بعده عزاء، ولا تمتلئ قبور. بعض اللغات ستترك وراءها قواميس وروايات وساعات إذاعية، والبعض لن يترك وراءه شيئاً، اللهم إلا عبارة يتذكرها شخص ما بحنين. ولم يكن دأب العالم أن تختفي لغاته على هذا النحو"، ذلك ما تكتبه الصحافية صوفيا سميث غيلر في كتابها الصادر حديثاً بعنوان "كيف تقتل لغة؟ السلطة والمقاومة والسباق إلى إنقاذ كلماتنا".

يستهل جون غالاغر استعراضه للكتاب ["ذي نيوستيتسمان" - 22 أبريل (نيسان) 2026] بشاهدة قبر في شمال غربي تركيا لرجل يدعى توفيق إيسنتش توفي عام 1992، مكتوب عليها أنه آخر فرد من جماعة الأوبخ العرقية كان قادراً على الحديث بلغتها. وفي آخر شريط مسجل له قبيل وفاته، نسمع كلمة الوداع ’هكذا أنهي لغة الأوبخ. عسى الله أن ينعم عليكم بالخير والجمال. هذه هي نهاية لغة الأوبخ‘".

لا أعرف بماذا شعرتم وأنتم تطالعون هذه الرسالة الوجيزة، لكنني شعرت بالفجيعة، ثم بالخجل من أن يؤلمني موت لغة، فلا أكاد أحفل بموت إنسان. غير أنني أنتبه إلى أن الإنسان نفسه، توفيق إيسنتش، لم يُبالِ في رسالة وداعه بأن ينعى نفسه.

في دمار اللغات

يكتب جون غالاغر أن "انقراض اللغات كثيراً ما يقارن بدمار التنوع الحيوي في كوكب الأرض. وفي كتابها (كيف تقتل لغة؟) تبحث سميث غيلر في اللغات المهددة بالانقراض، مركزة على تسع منها، وتكتب عن الناطقين بها، وتحث على الدفاع عن التنوع اللغوي الذي يتعرض للضياع". ومن أجل أبحاثها للكتاب "تسافر إلى شمال غانا لتقابل آخر الناطقين بلغة داغباني، اللغة النبرية المهددة بالانقراض بسبب هجرة أهلها الناجمة عن تغير المناخ، وبسبب تبني المهاجرين المناخيين أولئك للغات الجديدة اللازمة للحياة في بيئات جديدة. فقد يقطع النزوح العلاقة بين اللغات والأرض، كما أن تراجع اللغات الأصلية من قبيل لغة كاروك في شمال كاليفورنيا يهدد المعجم الثري الذي يساعد في وصف نباتات المنطقة وحيواناتها".

يكتب تيم سميث لينغ ["ديلي تلغراف" - 27 أبريل 2026] أن "أفضل التقديرات تذهب إلى أن لدينا 7 آلاف لغة مستعملة في شتى أرجاء العالم. فقد يبدو هذا وكأنه حال لغوي مزدهر، لولا أن هذا الإجمال الضخم يخفي وضعاً حرجاً. ففي حين أن اللغات التي توصف بالكبرى أو اللغات السوبر من قبيل الإنجليزية والمندرينية هي اللغات المهيمنة، فإن لغات أخرى تشارف على الانقراض، بل إن قرابة 60 في المئة من اللغات مهدد بالانقراض، و10 في من اللغات لا يتكلم بها إلا أقل من 10 أفراد من أهلها".

وفي حين أن فكرة انقراض اللغة قد تبدو مستبعدة للناطقين بالإنجليزية أو العربية، فإنها "بالنسبة إلى صوفيا سميث غيلر مشكلة أسرية، إذ يبدأ كتابها وينتهي في بيت جدتها ذات الأعوام الـ93 والمقيمة في لندن، ففي هذا البيت توشك اللهجة الإميلية - التي تتحدر من اللاتينية - من الانقراض. فكانت هذه الخسارة الوشيكة على المستويين اللغوي والشخصي هي التي ذهبت بصوفيا سميث غيلر في رحلتها لتعلم لغة جدتها بينما تجوب العالم منقبة عن اللغات الأخرى المهددة".

 

في حين يسمي تيم سميث لينغ لغة جدة الكاتبة بـ"اللهجة الإميلية"، يسميها جون مكورتر أستاذ مساعد اللغويات في جامعة كولومبيا تسمية أخرى، فهي عنده لغة البياتشينتينو. يكتب مكورتر في مقالة رأي ["نيويورك تايمز" – 30 أبريل 2026] أن "الناس كثيراً ما يجهلون أن اللغات لغات في المقام الأول. فسميث غيلر تستهل كتابها بالكتابة عن أمها وجدتها، وهما مهاجرتان من إيطاليا إلى إنجلترا تتكلمان فضلاً عن الإيطالية ما تطلقان عليه ’اللهجة’، إذ لا يعرفان لها اسماً آخر، في حين أنها في واقع الأمر لغة، ومع ذلك لم تعثر سميث غيلر على معلومات عنها، مطبوعة أو منشورة على الإنترنت. ولكنها تعرف في بيت جدتها القائم بقرية في شمالي إيطاليا بلغة البياتشينتينو. وشأن كثير من ’اللغات‘ الأخرى في إيطاليا وخارجها، فإن هذه اللغة مهددة بعدم البقاء طويلاً".

وليس "التهديد" هنا من قبيل الاستعارة بحسب ما يكتب تيم سميث، "إذ تشير سميث غيلر إلى تقدير الأمم المتحدة بأن لغة تختفي كل أسبوعين. فعلى سبيل المثال دخلت لغة الهوبا - المستعملة في واد نهري واحد في شمال كاليفورنيا - مرحلة الخمول (بحسب التسمية التي يفضلها بعض اللغويين) في السابع من مارس (آذار) بموت امرأة تدعى فيردينا باركر كانت آخر الناطقين بها. وإذا بلغة كانت تجري على ألسن قبيلة مزدهرة لم تعد باقية إلا في أرشيف جامعة كاليفورنيا. وليس ببعيد من الخيال احتمال أن يقع مثل ذلك على مقربة منا، ففي وقت تراجعت اللغة الويلزية عن شفا الهاوية، لا يتكلم بالكورنية اليوم غير قرابة 500 شخص. فهل يصبح أحدهم عما قريب هو فيردينا باركر الكورنية؟".

"وعلى رغم أن صورة (الناطق الأخير) إذ يموت في فراشه صورة شديدة التأثير، فهذه الاختفاءات ليست بالظاهرة الطبيعية في رأي سميث غيلر، ولكنها تندرج في فئة (الإبادة الجماعية اللغوية) بحسب الاصطلاح الذي سكه اللغوي الفنلندي توف سكوتناب - كانغاس لوصف جملة الطرق التي تسهم بها دولة - سلباً أم إيجاباً - في دمار اللغات. فليس الأمر على حد تعبير سميث غيلر هو أن اللغات تختفي، وإنما أن ’شيئاً ما يخفيها‘".

ومن أقرب هذه الطرق، كما ينقل تيم سميث عن الكتاب، أن تؤدي الهيمنة الثقافية إلى إهمال التعليم لهذه اللغات، فضلاً عن التهجير، فذلك ما حدث للغات الأقليات في إيطاليا وفرنسا. ولكن هناك أيضاً طرقاً بعيدة، منها أعمال الاستئصال والإبادة الجماعية الصريحة، من قبيل تدمير لغات الأميركيين والأستراليين الأصليين بالقتل وبالتهجير وبما يعرف أيضاً بـ"المدارس الداخلية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"عبر عشرة فصول ترد في عناوينها كلمات ذات علاقة بالإبادة الجماعية اللغوية من قبيل (الاحتلال والاستغلال والتجريم) ـ تشمل أبحاث سميث غيلر الجهود الروسية الجارية حالياً لاستئصال الأوكرانية، والجرائم التاريخية التي منعت اللادينو من أن تظل اللغة المشتركة ليهود البحر المتوسط، وصولاً إلى قصص إهمال وتراجع أشد شراً كالتي حددت مصير لغة الداغباني في غانا المهددة بالتغير المناخي والتحولات السكانية والتقصير الحكومي".

"والإبادة اللغوية قد تنجم عن ’جهد عمدي، كحال الحكومة التركية في قمعها الدائم للغة الكردية، أو تنجم عن الإهمال البسيط. كما أن كثيراً من اللهجات في شبه الجزيرة الإيطالية تعرضت للقتل بسبب الطيبة: فالمال متاح لدعمها، ولكنها مدعومة لتكون أغراضاً متحفية للتذوق التاريخي أكثر مما هي لغات مرشحة للبقاء والاستعمال العادي".

يرى جون مكورتر أن "اللغة ما لم تنتقل إلى الأطفال، فإن احتمال انقراضها يتزايد"، ويضرب مثالاً للخسائر المعرفية التي تمنى بها الإنسانية مع كل لغة تموت، إذ "تشير سميث غيلر إلى أن لغة الكاروك الخاصة بسكان أميركا الأصليين في كاليفورنيا فيها عشر كلمات واستعمالات مختلفة لشجر البلوط على رغم افتقارها إلى أي مفردة تعني ’البلوط‘ نفسه. وفي اللغة الجبالية، التي تمت بصلة إلى العربية والعبرية وتستعمل في سلطنة عمان، ثمة حروف صائتة لا تنطق فعلياً وإنما يوضع اللسان بطرق معينة كأنه نطقها، فتلزم رؤيته لمعرفة الكلمة المقصودة، ويقتضي فهم اللغة الجبالية مشاهدتها مثلما يقتضي الإنصات إليها".

ومن خسائر انقراض اللغات أو إبادتها أيضاً ما يشير إليه تيم سميث لينغ في مقالته، إذ يكتب أن من "الأمثلة المهمة للفوائد العلمية المحتملة للإنصات للغات المختلفة وتعلمها" أن علماء الوراثة بذلوا جهوداً كبيرة عام 2005، وأجروا اختبارات كثيرة للفصل بين نوعين من الدلافين هما دلافين السنوبفين الأسترالية ودلافين إيراوادي، وانتهت هذه الجهود إلى اعتبار دولفين السنوبفين أول دولفين جديد يكتشف منذ 56 عاماً، لكن الناطقين بلغة إيوايدجا قالوا ببساطة إن هذا هو السبب في أن لغتهم تحوي كلمتين مختلفتين للإشارة إلى الدولفين، وهكذا كان للغة ثانوية أن تغني عن جهد علمي بحثي مضن.

يحكي جون مكورتر عن أغنية أميركية في أواخر السبعينيات وردت فيها عبارة عن "طيور غاضبة تنقر بمناقيرها"، وتساءل بسخرية "بأي شيء آخر يمكن أن تنقر الطيور، بذيولها؟" ثم استدرك بأن "جميع اللغات بطريقة أو بأخرى تصف العالم بأكثر مما يلزم لوصفه، ففي لغة شوشون، وهي لغة في غرب الولايات المتحدة، من الطبيعي أن تقال أأأأشياء من قبيل ’النقر بالمنقار‘، لكن إضافة ’بالمنقار‘ لا تأتي حشواً زائداً، وإنما تكون في هيئة بادئة تضاف إلى الفعل نفسه، بما يجعل أفعال تلك اللغة مذهلة الدقة. ففي هذه اللغة لا يعض المرء ’بالفم ‘ أو يركل ’بالقدم‘ فحسب، لكن الأمر يزداد دقة وتحديداً. وفي حين أن الإنجليزية تخلو من كلمة تعني ’التحطيم باستعمال القدم‘ لتحطيم الكؤوس بتلك الطريقة في الأعراس اليهودية فإن هذه الكلمة موجودة في لغة شوشون، بل إن فيها كلمة واحدة تعني ’حشر المرء نفسه في حفرة بدءاً بمؤخرته‘".

 

وفي بعض الحالات في الأقل، ليس الانقراض أو الإبادة حتماً مقضياً، فثمة طرق للمقاومة، منها ما يحدث في أوكرانيا، إذ يكتب تيم سميث لينغ أن "الإبادة الجماعية اللغوية في أوكرانيا تشكل جزءاً أساساً من حملة روسيا الاستعمارية ونزوعها إلى الإبادة الثقافية، لذلك عمد الأوكرانيون الناطقون بالروسية إلى هجر لغة المعتدي. ورجعت مرة أخرى اللغة الروسية - الأوكرانية من الحقبة السوفياتية، وكانت هذه اللغة تعرف ازدراء بالـ(سورجيك) - والسورجيك مزيج من القمح والجاودار يعتمد عليه أفقر المزارعين في غذائهم - لكنها رجعت بطريقة معكوسة. فقديماً كانت الروسية هي اللغة العليا أو القمح، والآن باتت هي الجاودار الرخيص الذي يضاف لتمكين الأقل طلاقة في الأوكرانية من تدبر أمورهم"، وذلك يعني، في تقدير سميث لينغ، الإصرار على ترسيخ الهوية الأوكرانية في وجه العدوان الروسي.

الفضول هو الأمل

وفي سياق مقاومة الانقراض والإبادة اللغوية ينقل جون غالاغر عن الكاتبة مجموعة متنوعة من مناهج إحياء اللغات، "ومثال ذلك ’أعشاش اللغة’ في نيوزيلاندا التي تستقطب منذ ثمانينيات القرن الماضي المتحدثين الطلقاء بلغة (تي ريو ماوري) للحديث بها مع الأطفال. وإذا كانت السياحة قد تهدد اللغة بالانقراض فالبرامج السياحية المسؤولة (وما يصاحبها من أموال) تطرح بعض الأمل للناطقين بالجبالية أو الشحرية في جبال جنوبي عمان. وثمة مبادرات أقوى تقوم بها الدول، من قبيل قانون اللغة الأوكرانية الصادر عام 2019 وينص على أن يكون 50 في المئة في الأقل من إنتاج أي ناشر باللغة الأوكرانية".

ويضرب جون غالاغر مثالاً باللغة العبرية، وهي شئنا أم أبينا مثال للغة أعيدت من القبر و"تحولت من لسان عتيق إلى لغة رسمية حديثة بجهود شخصيات من أمثال إليعازر بن يهودا عالم اللغة اليهودي المولود في روسيا عام 1858، والذي أصر على تنشئة ابنه في بيئة عبرية نقية فكان أول طفل يمر بتلك التجربة بعد ألفي سنة تقريباً من هجر تلك اللغة، لكن انتصار العبرية تحقق على حساب لغات يهودية أخرى من قبيل اليديشية واللادينو اللتين تعقبت سميث غيلر آخر الناطقين بهما في ثاني أضخم المدن اليونانية سكاناً وهي سالونيكي، حيث كان عدد من يتكلمون بها قبل قرن أكثر ممن كانوا يتكلمون باليونانية".

ويضرب مكورتر مجدداً المثال بلغة شوشون لإيضاح ما يحدث عند محاولة إحياء لغة، فيكتب "إنني على ثقة من أن الذين يحاولون الحفاظ على لغة شوشون يعلمون أن نسخة اللغة التي يستردونها من حافة الهاوية ستكون مختلفة عن اللغة الأصلية. فالمعتاد في اللغات التي تستعاد قبيل الانقراض أن تخضع لشيء من التبسيط في رحلة الاستعادة. فالأطفال قادرون دائماً على تعلم لغة بالغة التعقيد، أما الكبار حينما يتعلمون فهم يميلون إلى استبعاد الشواذ من الكلمات واختصار الطرق للالتفاف على التفاصيل الدقيقة. وقد حدث هذا مع الإيرلندية التي يتكلمها غالب الناس اليوم، وحدث مع لغات أخرى. فأرجو أن تحافظ لغة شوشون على أكبر قدر ممكن من البوادئ المميزة للأفعال فيها".

"غير أن النسخ الجديدة من اللغات تكون لغات بكل معنى الكلمة، نابضة بالحياة وغنية بالتفاصيل شأن الخطاب البشري بعامة. ودليل ذلك أن الإنجليزية الحديثة بدأت بمثل تلك الطريقة. فقد تعلم الغزاة الفايكنغ إنجليزية القرن الثامن القديمة وهم كبار، وكانوا كثيرين للغاية فصارت طريقتهم في الحديث بها هي التي سمعها الأطفال واكتسبوها. وفي مجتمع أمي شفاهي لا وجود فيه لإعلام أو مدارس، كانت هذه النسخة المعوجة من الإنجليزية القديمة هي التي أصبحت الإنجليزية الحقيقية. فأنا أكتب الآن بما كان في بدايته إنجليزية ركيكة. ولهذا تتفرد الإنجليزية بين اللغات الهندوأوروبية بأنها لا تحدد جنساً للجمادات، فقد كان هذا كثيراً على الغزاة الفايكنغ المشغولين بما هو أهم من ذلك".

يرى تيم سميث لينغ أنه من السهل أن يتحول كتاب "كيف تقتل لغة؟" إلى داع لليأس، "لكنه بدلاً من ذلك، وعلى رغم رُؤاه الواضحة والقاتمة لوضع كثير من اللغات، يتحرك في المقام الأول بدافع من الفضول والاستمتاع بتعلم اللغات، والفضول هو الأمل مثلما يفهمه هذا الكتاب. ولا يزال للأمل مجال".

عنوان الكتاب: How to Kill a Language: Power, Resistance and the Race to Save Our Words

تأليف: Sophia Smith Galer

الناشر: William Collins

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة