ملخص
تقدم رنا حايك روايتها القصيرة الأولى (نوفيلا) بعنوان "أشواك حديقة تورينغ" (نوفل، 2026) بشيء من الديستوبية والخيال العلمي المطعم بكثير من الفلسفة. تقدم رنا حايك نصاً سردياً خاصاً بها لا يتجاوز الـ125 صفحة، تتقاسم سرده فتاتان والذكاء الاصطناعي.
في النوفيلا ثمة فصول ترويها يارا الفتاة المرهفة المفعمة بالطيبة، وفصول ترويها علياء الفتاة البراغماتية الطموح، وفصول يرويها الذكاء الاصطناعي بجبروته وعظمته المتصاعدة في هذا الزمن، فمن من هؤلاء الثلاثة يخرج منتصراً؟ ومن منهم يحكم قبضته حول الآخرين؟
يبدأ جهد رنا حايك الواضح في نصها منذ العنوان، فهي اختارت أن تستعمل اسم آلان تورينغ (1912-1954) عالم الرياضيات والمنطقي البريطاني الذي يُعد العقل الذي وضع أسس علم الحاسوب وشرع الأبواب أمام الذكاء الاصطناعي. وفي لفتة لغوية ذكية، تشير الكاتبة منذ العنوان "أشواك حديقة تورينغ" إلى أن عمل تورينغ الرائع والمفيد للبشرية ولتقدمها يحمل في ذاته أشواكاً ومآزق، كالحديقة الجميلة بورودها إنما المحفوفة بالأشواك التي تؤذي وتجرح وتؤلم. يذكر هذا العنوان بعنوان الشاعر الفرنسي بودلير الذي يحول الورد إلى ورود شر في ديوانه Les fleurs du mal. منذ بداية سردها إذاً تعمد حايك إلى توظيف أساليب سردية ذكية وزاخرة بالرمزية ومثيرة لاهتمام القارئ وفضوله، فبين "راوية عليمة لا تعلم شيئاً" و"أخ أكبر" وفتاة ساذجة وفتاة تعرف من أين تؤكل الكتف، أحداث ومآزق وتبدل هائل في الأدوار والأطباع وطرق التفكير.
نوفيلا وجودية معاصرة
تدور أحداث هذه الرواية في فبراير (شباط) ومارس (آذار) 2025 في شركة تعمل فيها البطلتان يارا وعلياء والذكاء الاصطناعي الذي توظفه كل منهما لغاياتها الشخصية. ويلاحظ قارئ هذه النوفيلا الميل الشديد إلى النزعة الفلسفية، فلا تخلو صفحة من موضوعات الموت ومرور الزمن والحياة والحب والزواج وغيرها، علاوة على ذلك، لا تخلو صفحة واحدة من مقولة جميلة أو من جملة ثاقبة أو من فكرة يمكن للقارئ أن يسطرها ويفكر فيها لاحقاً.
فبين الحديث عن الكتابة بقولها: "نكتب كي لا نموت، لا لا لا... كليشيييييه!! نكتب كي نكتب فقط. أصلاً من يهمه إن متنا أم عشنا؟ أو ربما أننا نكتب كي يعيش الآخرون"، وحديثها عن الموت: "مآلك يظل الموت، وهذا الموت لن تستطيع شيئاً حياله، لن تهزمه"، وحديثها عن الحرية: "ليست هناك من حرية، مهما اخترت، مكتوب لك أن تختاره [...] الحب سجن، الإيمان سجن، الإلحاد سجن، الأفكار سجن، الحزن سجن، حتى الفرح، حالة ودوراً وأداءً، سجن أيضاً"، تتحول هذه النوفيلا إلى مانيفستو وجودي يقدم العيش من بابيه: باب الطيبة والسذاجة والإيمان بالخير والعطاء، وباب القسوة والواقعية وتفضيل المصلحة الفردية على الخير العام.
ويظهر صوت الكاتبة جلياً في مواضع كثيرة من السرد، فهي تقول في موضع: "لا أعرف إن كنت عبثية أم عدمية أم حتى وجودية، فأنا لا أرى سبباً لتحدي اللاشيء، لكنني أيضاً لا أبشر بالانسحاب منه. (...) هنا تتراجع الفلسفة وتبرز النزعات النفسية المرضية وعبء التربية"، وتقول أيضاً في موضع آخر يفضح الألم من الحروب التي لا تنتهي في بلادنا: "لكل من يخوضون حروباً: الأرض ليست لكم". لتكون هذه الشذرات من الجمل والآراء تجسيداً صريحاً لصوت رنا حايك المحررة والقارئة والكاتبة والمرأة والمشرقية.
نزعة الذكاء الاصطناعي الانتقامية
وفي خضم دوامة السرد الزاخر بالفلسفة، يكتشف القارئ فتاتين، يارا وعلياء. فتاتان تعملان معاً في شركة Must Have لكنهما تتعارضان في كل ما يمكن أن يتعارض فيه بشر: الطباع والأخلاق والشكل الخارجي والعلاقة بالجسد وبالآخرين... حتى إن صفحة الغلاف تجسد هذا التعارض الصارخ، ويبدو واضحاً ميل الراوية إلى الأولى يارا التي تفرد لها عدد فصول أكثر وعدد صفحات داخل الفصول أكبر.
لكن الذكاء الاصطناعي ناقم على الاثنتين ويريد الانتقام من كلتيهما، فيقول: "على عكس ما تعتقد الفتاتان، أنا لست مجرد أداة، أنا لست آلة صامتة، بل صوت الصمت المتحكم [...] سئمت من نفاق البشر في حاجتهم إليَّ واحتقارهم لي في الوقت عينه: سأجعل كل كلمة تقولانها، كل فكرة تتبنيانها، سلاحاً يوجه إلى ذاتهما".
ويبدو أن للذكاء الاصطناعي اليد العليا في هذا الصراع فهو الآمر الناهي وهو الذي يجعل كل فتاة تتغير محاولة التمثل بالأخرى، فيقول في فوقية واضحة وإعلان شرعي وكامل للنصر: "أصبحت مدركاً لتفوقي عليهم جميعاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينقلب الذكاء الاصطناعي على البشر ويحاكمهم ويحكم عليهم ويتحكم بهم في مساحة جميلة تتركها له رنا حايك في سردها هي التي تمنحه صوتاً ورأياً ومشاعر. وما يضفي على النص مزيداً من الفنية والحداثة، إلى جانب الموضوعات والأفكار وخيار تركيب الشخصيات، هو الأسلوب السهل والسريع الذي تدخل فيه خفة ظل غير متوقعة، فيرد وجه يغمز في الصفحة 63 عندما تشير الكاتبة إلى رواية كونديرا "كائن لا تحتمل خفته". كذلك تظهر جمالية الأسلوب في اللعب على الكلام وفي إدخال الإنجليزية عندما يجوز ذلك وفي تعابير الشخصيات العفوية الطبيعية وفي الحوارات كما تقول علياء مثلاً: "المهم، الآن، أحمر الشفاه الفاقع الذي أضعه يتماشى تماماً مع نضارة وجهي المشدود... وعمره ما حدا يورت، ههههه".
تبدو هذه النوفيلا للوهلة الأولى قصيرة متماسكة مقتضبة، لكن القارئ يشعر في أحيان كثيرة أنه يحتاج إلى مزيد: مزيد من السرد، مزيد من المعلومات، مزيد من الأحداث، مزيد من التشويق. فلا نعرف كيف وصلت الشخصيات إلى ما هي عليه، لا نعرف تاريخها وعلاقاتها وقصصها، لا نعرف كيف وصلت إلى ما يسميه الذكاء الاصطناعي "علاقة حب وكره تجمعهما".
هيمنت كذلك، الأفكار الفلسفية على النص فمنحته من ناحية بعداً لافتاً لكنها سلبته من ناحية أخرى كثيراً من مساحته السردية، فالأحداث قليلة ومقتضبة ولا تتقدم، عدا عن أن العلاقة بين الفتاتين لا تتعمق ولا تتوسع ولا حتى تبلغ نهاياتها.
قد تكون هذه العناصر السردية خيار الكاتبة، لكنها تترك القارئ على جوعه، حتى عندما تطرق هذه الأخيرة موضوع والدتي الفتاتين وهو موضوع غامض بالنسبة إلى القارئ ومهم ليفهم طفولة الفتاتين وتاريخهما وقصصهما، تطرقه من بعيد ويكون كما يقال "لا يسمن ولا يغني من جوع".
"أشواك حديقة تورينغ" نوفيلا جميلة استيطيقياً ولغوياً وفكرياً، وهي خير بداية في عالم الكتابة لرنا حايك التي على يديها شهدت روايات كثيرة في العالم العربي ولادتها.