ملخص
في سرد يسير وفق خطّين متوازيين لا يلتقيان بل يتبيّن أن أحدهما يكمل الآخر، تدمج بسمة الخطيب في روايتها الجديدة "حائكات الأزل" (دار الآداب، 2025)، بين الواقعيّة والخرافة، بين امرأة الحاضر وامرأة القرون السابقة. إنها رواية أجيال من النساء وقرون من القهر وحبل موت يمتدّ من سنوات غابرة إلى يومنا هذا.
تختار بسمة الخطيب أن تبدأ سردها بجملة افتتاحيّة مثيرة للفضول محفّزة للقراءة، تُعتبر فاتحة جميلة تحرّك خيال القارئ: "عادت المرأة المتّشحة بالسواد من المدافن منهكة زائغة البصر". جميل الموت الذي يفتتح النصّ، وجميل هذا السواد الذي يرمي القارئ مباشرة في دوّامة من الدراما والتراجيديا ومئات الاحتمالات السرديّة الممكنة. من مات؟ من هي هذه المرأة المتّشحة بالسواد؟ ما القصّة هنا؟
أسئلة كثيرة تبدأ من السطر الأوّل، ومعها تبدأ حلقة خسارات البطلة ندى، ليكتشف القارئ مع تقدّم السرد المعارك الأخرى التي خسرتها بطلة بسمة الخطيب: معركة اختيار زوجها ومعركة متابعة علمها ومعركة قدرتها على الإنجاب. معارك كثيرة تؤكّد هزيمة ندى وتفضح ضعفها وقلّة حيلتها بمواجهة الرجل والمجتمع وقسوة القدر.
المرأة الغريبة
ثمّ يتحرّك السرد مرّة أخرى بمنعطف مثير للإهتمام تضيفه بسمة الخطيب بكلّ براعة سرديّة، وهو ظهور امرأة غريبة مجهولة تطالب بقماشة تركتها أمانة لدى والدة ندى التي توفّيت (في الصفحة الأولى) والتي بالكاد ووريت الثرى، فتقول الراوية: "درج الناس على تقبّل التعازي والدائنين والمدينين في الأيّام الثلاثة الأولى. وقد أتت المرأة الغريبة في اليوم الثالث بالفعل. أتت ضمن المهلة وضمن العرف". فمن هي هذه المرأة الغريبة؟ وما هي هذه الأمانة التي تريد استعادتها؟ وما هو سرّ الأقمشة في هذه الرواية القائمة بأسرها على الحياكة والنسج والحبال؟
وما إن يعتاد القارئ شخصيّة ندى ووحدتها وحروبها وقصّتها مع أمّها وزوجها، حتّى ينتقل به السرد في الفصل الثاني إلى شخصيّة جديدة هي "تلك الأنثى البكماء الملغزة والمعجزة"، تانيس، المُسمّاة على اسم الإلهة تانيت، التي عبدها سكّان مناطق البحر الأبيض المتوسّط إلى جانب الإله بعل وكانت إلهة الحبّ والخصوبة والحرب.
تظهر تانيت بقصّتها وصمتها ووجعها ومواهبها الكثيرة منذ الفصل الثاني من السرد، فيتراوح القصّ بينها وبين ندى. تظهر تانيت امرأة تتقدّم ندى بأجيال كثيرة وتؤثر الصمت والعزلة على المواجهة. تظهر تانيت أمّاً لسلالة من النساء المحاربات إنّما بطرقهنّ الخاصّة ومواهبهنّ الصامتة.
يبدو أنّ الكاتبة وظّفت منذ صفحاتها الأولى عناصر تشويق كثيرة، وفاة وحداد وظهور امرأة غريبة وأمانة لا أحد يعرف عنها شيئاً. ثمّ أظهرت بطلة أخرى غريبة آتية من عصور سابقة لا يفهم القارئ علاقتها بندى إلاّ في الصفحات الأخيرة من السرد. هكذا تكون الكاتبة قد اعتمدت تقنيّة "كتم المعلومة" وهي بحسب "معجم مصطلحات نقد الرواية" للناقد اللبنانيّ لطيف زيتوني: "السكوت عن معلومة نتيجة تقدير الراوي أنّ القصّة لا تحتاج إليها في الوقت الحاضر بل في مرحلة لاحقة من مراحل السرد". إنّ اعتماد الخطيب تقنيّة كتم المعلومة يجبر القارئ على انتظار نهاية الحبل السرديّ ليفهم العلاقة بين البطلة ندى التي خسرت والدتها للتوّ، والبطلة الثانية تانيت التي تخسر ابنتها منذ البداية.
امرأتان يتابعهما السرد وفق حبل من الأحداث المأساويّة، من زمن الطاعون إلى زمن كورونا، من الصدع الزلزالي أو ما عُرِف بالشقّ السوريّ المتصدّع وهو الممتدّ من جنوب العراق إلى شمال شرق أفريقيا، مروراً بما عُرف ببلاد الشام، وصولاً إلى زلزال 1956 وما بعده. حبل واحد يربط الأصل بالآخر، المرأة الأولى تانيت بالمرأة الأخيرة ندى، فهل ينقطع هذا الحبل؟ هل يرأف التاريخ بنسائه ويغيّر مساره؟
تبني الكاتبة روايتها على الحبال، حبال الذاكرة وحبال الأمومة وحبال الحياكة وغيرها. والأغرب من ذلك أنّها كلّها حبال تمتدّ عبر الأجيال لتخبر قصص الموت والهزيمة والصمت، فتكتب الراوية: "توالدت الحفيدات وتشابهن واختلفن، ولكن في النهاية، بقي حبل واحد يجمعهنّ. دارت قصص حياتهنّ حول فنون النجاة والصمود. ودرن في حلقة مغلقة من الزراعة إلى الرعي إلى الغزل والحياكة إلى الخياطة اليدويّة ثمّ الخياطة الآليّة..."
فعل الحياكة وفعل الحكاية
يتحوّل فعل الحياكة في هذه الرواية إلى فعل نجاة لكنّه في الوقت نفسه يستنزف المرأة ويأخذ كلّ ما لها، فتقول الراوية: "حين تنزل امرأة في مكانٍ تنسج، وحين تنسج في مكانٍ يصير وطنها" لتعود فتكتب في موضع آخر من السرد: "هذه الماكينة وإن كانت "سينجر" – يكرّ القماش تحت إبرتها كالحرير- إلاّ أنّها تقضم سنوات العمر مثل آلة جزّ الأعشاب الضارّة".
إنّ فعل الحياكة هو فعل عيش وإيجاد ملاذ ومأوى، هو لسان المرأة التي تدّعي البكم ولسان المرأة العاجزة عن النطق، وهو فعل الحكاية الذي تروي من خلاله الحائكات قصصهنّ، سواء أكنت قصص هزيمة أو نجاة، ليتحوّل القماش المنسوج والضائع إلى مجموع الحكايات المتناقلة عبر الأجيال: "جميع جدّاتها الحائكات هنا، حكاياتهنّ وصنائعهنّ وأغانيهنّ وضحكاتهنّ ودموعهنّ وضمادات جروحهنّ وأكفانهنّ... ربّما بينهنّ حسينة والمجدليّة وبينيلوبي والإمبراطورة الصينيّة وتانيس ونساء لا أسماء لهنّ عشن قبل اللغة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يحلّ فعل الحياكة محلّ فعل الحكاية ويتحوّل إلى لسان حال نساء بسمة الخطيب التي تختار أن تجعل القماش حامل قصص نسائها والغاية من سردها، حتّى أنّها في موضع من سردها تشبّه العروس الجديدة بستارة جهازها المصنوعة لها، فتكتب عن الستارة: "لا شكّ في أنّها لعروس أخرى ستُزفّ بعد أسابيع قليلة إلى مصير لا تعرف عنه سوى أن تخضع له. هذه الستائر هي حبال مشانق العرائس، هنّ أيضًا سيعلّقن في البيوت للزينة والفرجة والأهمّ، البقاء حيث هنّ، على المقصلة البرّاقة المنصوبة عند منافذ الضوء والهواء".
تحوك بسمة الخطيب روايتها "حائكات الأزل" ببراعة وصلابة، توظّف عناصر الطبيعة كلّها في خدمة نسائها فهنّ يعشقن البحر ويحترفن الزرع ويُجدن ترويض الحيوانات، لتبقى النار العنصر الوحيد الذي يخيفهنّ. وهو للمصادفة، العنصر الوحيد الذي يقتل القماش. وكأنّ الرواية تحوّل بطلاتها الحائكات هنّ أنفسهنّ إلى النسيج والحرير المحوك.
سرد من دون تجديد
على الرغم من المفاجآت التي تفتتح بها نصّها، وعلى الرغم من الوعد المفترض الذي تقدّمه لقارئها بفضاء سرديّ مثير وثريّ، تقع بسمة الخطيب في نهج روايات كثيرة سبقتها وطرقت الموضوع نفسه، وبالطريقة نفسها وبروح السرد نفسها. باتت الروايات التي تتناول أجيالاً من النساء بهزائمهنّ وأخبارهنّ، كثيرة في الأدب العربيّ وباتت هذه الموضوعة الروائيّة شائعة وكثيرة ولم تستطع الخطيب للأسف أن تقدم فيها الشيء الجديد.
من جدّة إلى أمّ فحفيدة فنساء كثيرات مهزومات، روايات كثيرة متشابهة. موضوعة الحياكة نفسها كثيرة وهو ما تعترف به الكاتبة في بداية روايتها بقولها إنّ فنّ الحياكة وعوالمه ونساءه وقصصهنّ موجود بكثرة في السرد، لكنّها توضح مبرّرة خيار موضوعها وطريقة سردها، بكونها ولدت في إحدى قرى الشوف في جبل لبنان التي ارتبطت بتربية دود القزّ، وهو سبب قد لا يكون كافياً تماماً.
وعلى الرغم من جماليّة السرد وقوّة بدايته، لم تستطع الخطيب أن تفاجئ قارئها وأن تأتيه بجديد. فطالما عانت المرأة على مرّ الأجيال، وربّما حان الوقت لإعادة التفكير في طرق سرديّة جديدة تعيد طرح وجعها وقصصها من زاوية مختلفة.