ملخص
يتصدى الروائي التونسي الهادي التيمومي (1949) في روايته "شيزوفرينيا" (دار مسيكلياني 2025) لظاهرة قديمة وراهنة، تتمثل في الانحراف الفكري لدى جماعة في تونس، ترى في الأمور الغيبية والسحر منفذاً إلى خلاصهم من مشكلاتهم المادية والنفسية والاجتماعية. والروائي هو باحث في التاريخ وله فيه عشرات الأبحاث المنشورة.
تسلط رواية "شيزوفرينيا" أو مرض الفصام في علم النفس، الضوء على أحد اختلالات الذهن العربي التي ظُنّ أنها تلاشت، بمجرد ظهور بشائر الحداثة المحفزة بشعارات التنوير الداعية إلى العلم والتعقل، مطلع القرن الـ20، وعنيتُ بها إيمان بعضهم بالخرافات والأساطير وبالسحر والشعوذة، في ما يثبّت عجزه عن الدخول في سكة النهضة والحداثة على ما سبق تحديدهما.
الحبكة المتشابكة
وقد يخطر لنا قبل الكلام عن الأحداث الرئيسة في الرواية، أن ننبه الى كثرة مداخلات الشخصيات، ولزوم أن يعدّ الكاتب سجلاً بها، في مستهل الرواية، تشبهاً بما يقوم به كاتب المسرحية تيسيراً لمتابعة القارئ تصرفاتها وتحولاتها عبر المشاهد من بداية العرض حتى إسدال الستارة. ومع ذلك، يمكننا أن نجمل حبكة الرواية بالآتي، يبيّن لنا سياق الرواية منذ مطلعها وجود عائلتين متنافستين، عائلة قاسم برناز التي تقدمت بطلب قرض بنكي لبناء مصنع بُراق للحليب والأجبان، ولم تفِ بما يجب أن تردّه الى البنك، إثر إفلاس المصنع، فأُمر بطرد العائلة من الفيلا، بالتزامن مع طرد عائلة زكريا دعلوش التي كان الأب سلطان فيها عاملاً لدى عائلة برناز، وكانت "تعيش من فتات موائدهم".
وما إن عزمت عائلة زكريا دعلوش وأمه وأخته نرجس، وعائلة قاسم برناز وأفراد عائلته داليندا وفريال وبراق والصغير محمد الفاتح على مغادرة الفيلا، والتوجه الى "الخربة المهجورة في الحجارية"، لتقيم كل منهما في غرفة منها، حتى عاجلهما الأجانب، أفراد التنقيب الأثري، بادعاء أن تلك الأرض في عهدتهم وأنها منطقة أثرية بامتياز، وتحمل كثيراً من الدلائل على أنها تعود للزمن القرطاجي.
وتتعقد الأمور بعد هذا، فيتخلى زكريا، خريج الهندسة الكيماوية عن رصانته ومنهجه العلمي في التفكير، حالما يكتشف كتاباً في السحر والطلاسم لصاحبه العارف يدعى أحمد البوني (نسبة إلى أهل قرطاجة القدامى القائمين بالحرب البونية الأولى والثانية)، وعنوانه "شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف"، فتتراءى له شخوص من الجن، ويزودونه بالطرائق العرفانية والسحرية التي تخوّله مغادرة حاله الجسمانية، وإدراك الحقائق، وصولاً إلى إبدال حال الفقر التي ألفى نفسه فيها، بحال الغنى، وتحويل المواد الخسيسة إلى ذهب نفيس. وبدوره كان قاسم برناز شاهداً لحضور شخوص من التراث القرطاجي، وقد اختلطت خطاباتهم المنددة بروما، بأجواء التوراة العقابية والرؤيوية، بحكم كونه ميّالاً إلى التراث القرطاجي، وناظراً إلى المكان حيث هو، أي زاوية الحجارية، على أنها معلم قرطاجي زاخر بالكنوز التي يرجو أن تؤول إليه بعد إفلاس شركته.
ولكن الأمور لا تنتهي عند هذا الحد، إذ تزداد تعقيداً بمقتل الشادلي الدكالي، وهو شيخ من الشيوخ العارفين، والمترددين على المكان باعتباره موضعاً للجن، وذوي العرفان. ويتهم زكريا باقتراف الجريمة، فيسجن. ولا يزال حتى تنكشف خيوط الأحداث، على التوالي، فيتبيّن أن القاتل، باعتراف أحدهم، إن هو إلا أحد الخنازير، المتحولة من الجن، وأن السترة (الجاكيتة) المكتشفة مع الجثة كانت قد سقطت منه ولم يستطِع استردادها. ولم تمكّنه التعزيمات والطلاسم السحرية التي نسخها من الكتاب، من تحقيق مراده الأول، عدا عن عيش حال النشوة والدخول في أحوال خارجة عن الحس والعقل.
أما قاسم برناز، الضنين بتراثه القرطاجي، والمنقب الدؤوب عن الآثار القرطاجية، في زاويته الحجّارية التي حُصر فيها، فمات ميتة بشعة، إذ تمزق، هو وأحد العمال، أشلاءً بفعل انفجار مواد كانت موضوعة في وعاء مقفل، كان ظن أنها لقى أو كنز قرطاجي يعوضه خساراته السالفة.
لكن وضع الرواية الختامي كان دالاً، إذ تولّت امرأة تدعى راشيل، وهي الفتاة المزوجة قهراً، وهي في الـ12، والمبتعثة إلى الخارج لتبلي بلاء حسناً في بلجيكا وتصير ذات غنى، تؤسس لبناء سدّ مائي عارم في موضع الحجّارية يفيد منه الفلاحون وكل سكان الجوار "أنظري. الحجّارية توشك أن تُغمر تماماً. وسوف يقبر ما تعلق بها من أوهام متوارثة عن روحانيتها وسطوة ساكنيها من الجان.- حتى الكتاب الذي أذهب عقل زكريا يبدو أنه مخبّأ في مكان سيطاله الغمر، وما بقيت فرصة لإنقاذه".
فصام عام
لا يمكن الجزم في مرامي الكاتب من معالجة ظاهرة الفصام، أو الشيزوفرينيا، بلغة علم النفس الحديث، عنيتُ "الشعور بالاضطهاد مصحوباً بهلوسات سمعية وبصرية وانعزال عن المحيط"، يضاف إليها اضطراب في التأقلم مع الزمن الذي يحيا فيه المرء المصاب بالفصام. ولعل الكاتب الهادي التيمومي، إذ يضع على لسان آدم، الباحث الأكاديمي في مجال علم الاجتماع المعاصر، وهو ابن راشيل المغبونة الثرية، ما يستشف منه اتهام المجتمع التونسي، والعربي بعامة، بكونه ضحية مرض الفصام، فإنه يقصد عدم دخول هذا المجتمع في سكة زمن الحداثة، زمن العلم والتعقل والانفتاح والإنتاج، على رغم عوامل كثيرة دافعة في اتجاه التحديث والمعاصرة. ولا نحسب الشخصيتين الرئيستين في الرواية، زكريا وقاسم، سوى نموذجين يرمزان الى عامة الناس التي تلجئها ظروفها المادية المتدهورة باطّراد، بفعل ظلم الأجنبي (ممثلاً هنا بالإيطالي) المدعوم من السلطة النقدية، إلى جذورها الروحانية والسحرية والتاريخية، لعلها تجد لديها تعويضاً مجزياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن العمل الأدبي الذي يقدمه الكاتب التونسي والباحث التاريخي التيمومي، وإن غزرت مادته وضافت، فإنه دلّ على تمكن من الصنعة والبنيان، تجليا في اللغة الأدبية العالية، على سمة لغة نجيب محفوظ، بنصاعتها وميلها أحياناً إلى مجاورة فن المقام، مع قدر مدروس من العامية التونسية التي لا تكاد تعصى على أفهام الشرقيين، وتتآلف مع السياق المناسب. ولئن تطاولت الرواية إلى أقسام ستة، على غير مألوف البنيان الثلاثي أو الخماسي، فإن رؤية الكاتب للعالم وتدبيره معالجة مصائر الشخصيات كلاً على حدة، اقتضيا منه التوسع، وتجزئة الأقسام على النحو الذي وجدناه فيها. ثم إن موسوعية الكاتب، وإحاطته بجمع من الميادين والعلوم من مثل التاريخ القرطاجي القديم والعلم العرفاني وكتابات السحر والتنجيم والتصوّف وعلم النفس والاجتماع وغيرها، أتاحت له جميعها صوغ مضامين سردياته بقدر عالٍ من الصدقية والدقة.
لا تحمل الرواية، على ما بدا لنا، همّاً تثويرياً أو إصلاحياً بصورة عامة، فالرواية عند كاتبها هي في المقام الأول، وتليها الهموم بل المطامح الانتقادية التي تطاول الذات التونسية، وكيفية وعي هذه الذات، من دون أن يعني هذا الأمر عدم تسليط الضوء على مظالم نافرة لا تزال ماثلة في المجتمع التونسي المعاصر، مثالنا على ذلك ظاهرة اعتبار المرضى النفسيين والعقليين مجانين، ينبغي إبعادهم، بل سجنهم في معتقلات، بغية التخلص منهم، والامتناع عن معالجتهم في المستشفيات. وهذا لعمري دليل على تخلف العامة والخاصة عن مراتب الأمم التي تفيء إلى العلم، لا الخرافات، في علاج إنسانها.
وقد يكون بعض المسجونين في هذه المعتقلات أشخاصاً أسوياء، "دفع بهم أهاليهم إلى هناك أثناء معتركات تصفية الحسابات حول المواريث وما شابهها". ولنا، في بلادنا أصدق مثال على حصول هذه الحالة، إقدام أهل الأديبة مي زيادة على حبسها في مستشفى المجانين (العصفورية)، لغاية التفرد بميراثها في لبنان.