ملخص
فضيحة السفير السابق بيتر ماندلسون عادت مجدداً لتهدد مصير رئيس الوزراء كير ستارمر، فقد اتضح أن تعيين ماندلسون خلا من عملية "التدقيق الأمني" المتبعة في مثل هذه التعيينات، هو خطأ يجب أن يتحمل مسؤوليته ستارمر أو غيره، وهذا ستحدده شهادة وكيل وزارة الخارجية أمام البرلمان البريطاني خلال الأسبوع المقبل.
أولي روبنز سياسي بريطاني ينقم عليه كثيرون منذ سنوات طويلة، ذلك لأنهم يعتبرونه سبب فشل مفاوضات "بريكست" عندما قادها بين 2016 و2019، أما دافعه فهو تأييده الشديد للاتحاد الأوروبي منذ أن كان طالباً في جامعة أكسفورد، حيث درس العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد، وشغل منصب أمين سر "نادي أكسفورد للإصلاح" الذي أنشئ خصيصاً لمواجهة الحركة المتشككة في عضوية الاتحاد.
السير روبنز البالغ من العمر 50 سنة، عين رئيساً للخدمة الدبلوماسية في وزارة الخارجية البريطانية في الثامن من يناير (كانون الثاني) 2025، أي قبل ثلاثة أسابيع من تنصيب بيتر ماندلسون سفيراً للندن لدى واشنطن، ولأن وظيفة روبنز تقتضي التأكد من إتمام إجراءات اختيار وتعيين موظفي الخارجية، يتحمل اليوم مسؤولية فشل إجراء "التدقيق الأمني" كخطوة أساسية، في توظيف سفراء المملكة المتحدة حول العالم.
تقوم هيئة الفحص الأمني للمملكة المتحدة (UKSV) التابعة لمكتب مجلس الوزراء، بإجراء عمليات الفحص الأمني الوطني لإدارة الأخطار المتعلقة بالموظفين فيما يتعلق بالوصول إلى المعلومات الحكومية الحساسة، وتشمل هذه العمليات مستويات رئيسة متعددة تهدف بمجملها إلى التأكد من وضع الإنسان المناسب في الشواغر والمهام التي تنطوي على أهمية كبيرة لبريطانيا في مجالات العمل المختلفة.
يقول رئيس الوزراء إنه لم يبلغ بنتائج عملية "التدقيق الأمني" التي كان يجب إجراؤها لتعيين ماندلسون الذي أقيل من منصبه بسبب تورطه في فضائح المجرم الأميركي جيفري إبستين، ويصف ستارمر التكتم على هذه الخطوة وإخفاءها عنه، بالخطأ المهول الذي لا يمكنه تصوره، ومثل هذا الخطأ يستوجب العقاب، أو يستدعي وفق تقارير صحافية محلية، "التضحية بكبش فداء يضاف إلى قائمة ضحايا ستارمر".
روبنز أقيل من منصبه ولكنه سيمثل أمام لجنة برلمانية الأسبوع المقبل قابضاً على مصير رئيس الوزراء، فإن قال إن ستارمر لا يعلم في شأن "التدقيق الأمني" ولا يتحمل وزر غيابه، فيمكن أن تنجو الحكومة العمالية من "عقاب" مجلس العموم، وإن أفاد بأن ستارمر تجاهل تلك العملية من أجل تمرير تعيين ماندلسون سفيراً لبريطانيا لدى أميركا، فسيضع ساكن المنزل رقم 10 وسط لندن، في أزمة حقيقية.
عندما سأل البرلمان ستارمر قبل بضعة أشهر عن تعيين ماندلسون "الخاطئ"، قال إن العملية مرت بجميع الإجراءات المعروفة والمتبعة في هذا الشأن، ولم يكن فيها ما يستدعي الشك أو يستبعد الدبلوماسي المخضرم من دائرة الاختيار، ولكن إن قال روبنز إن رئيس الوزراء كان يعلم بنقص عملية التدقيق الأمني فهذا يعني أن ستارمر قد كذب على مجلس العموم، وهي تهمة تكلف المسؤولين عادة مناصبهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفق المبادئ البريطانية التي تنطبق على جميع العاملين في الحياة العامة، لا يجوز لأعضاء البرلمان، وبخاصة الوزراء، تقديم معلومات غير دقيقة إلى البرلمان، سواء كان ذلك عن عمد أو عن غير قصد، وتنص لوائح السلوك الوزارية، التي تنطبق على رئيس الوزراء أيضاً، "أنه من المهم أن يقدم الوزراء معلومات دقيقة وصادقة إلى البرلمان، مع تصحيح أي خطأ غير مقصود في أقرب فرصة ممكنة".
تقول اللوائح ذاتها إنه إذا قدم المسؤولون معلومات غير دقيقة إلى البرلمان، فيتهمون بالتضليل ويتوقع منهم تقديم استقالتهم، صحيح أنه لا يوجد وسيلة لإجبارهم على ذلك، ولكن الأحزاب عادة تقوم بهذا الدور، فإن كان الكاذب مسؤولا في حزب ما أقيل عبر زعيمه أو لجنة خاصة، وإن كان رئيس الوزراء سحبت الثقة من حكومته عبر إجراء يفرضه عدد محدد ممن يطلق عليهم نواب "المقاعد الخلفية" في الحزب.
استبقت وسائل الإعلام المحلية مساءلة روبنز، وبدأت من اليوم مناقشة إمكان تغييب رئيس الوزراء عن مسألة التدقيق الأمني، هناك تقارير تشكك في هذه الرواية، بخاصة أن ستارمر لطالما عرف بتمحيصه وتتبعه لأصغر التفاصيل الإدارية، إضافة إلى أنه من غير المعقول ألا يكون أحد من الوزراء أو نواب الحزب الحاكم، وهم أكثرية مطلقة في البرلمان، قد سمع عن عملية التدقيق الأمني الخاصة بالسفير السابق.
يبدو من غير المنطقي أن يتصرف روبنز بمفرده، وهل هو الشخص المسؤول فعلاً عن فشل تطبيق إجراءات تعيين السفير السابق على النحو المطلوب؟ ذلك لأن الإعلان عن ماندلسون جرى قبل عيد الميلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أي قبل تسلم روبنز لمهامه كوكيل لوزارة الخارجية في يناير الماضي، وتتبع هذا الخط الزمني للأحداث يزيد الأمور تعقيداً، ويضعنا أمام أسئلة جديدة لا إجابة عنها.
أراد رئيس الوزراء إرسال ماندلسون، الشخصية البارزة في حزب العمال، إلى واشنطن ظناً منه أنه الوحيد القادر على إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقضايا الخلافية بين بريطانيا وأميركا، وعلى رأسها صفقة تسليم لندن لجزيرة تشاغوس إلى موريشيوس، وربما يكون هذا هو سبب تغاضي وكيل وزارة الخارجية السابق عن التدقيق الأمني بتعيين السفير، سواء كان يجب أن يتم قبل وصول روبنز أو بعدها.
تصف هيئة الإذاعة البريطانية الأمر بأنه "كان تعييناً غير تقليدي لسفير من أجل التعامل مع رئيس غير تقليدي"، ولعل بعض الجوانب المظلمة في هذه الأزمة تتضح في تصريح منتظر لرئيس الوزراء بداية الأسبوع المقبل، قبل يوم واحد من موعد المساءلة التي سيجلس فيها روبنز أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان ويبوح بمكنونات صدره، فينقذ ستارمر، أو يضمه إلى قائمة ضحايا فضيحة ماندلسون.
أقيل السفير البريطاني السابق في أميركا خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه لا يزال خاضعاً لتحقيقات شرطية للاشتباه في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. فضيحته كادت قبل بضعة أشهر أن تطيح برئيس الحكومة عندما كانت تهمته الفشل في الاختيار فقط، لكن مدير مكتبه مورغان ماكسويني، تحمل المسؤولية حينها واستقال بحجة أنه هو من ضغط على ستارمر لتعيين ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.
يقول كيران مارتن، وهو أكاديمي متخصص عمل سابقا مع الحكومة، إن روبنز كان ملزماً بعدم إخبار ستارمر عن نتائج عملية التدقيق الأمني وفقاً للقوانين المتبعة، ولكن زعيمة حزب المحافظين المعارض كيمي بادينوك، لا تغفر لرئيس الوزراء جهله، وترى فيه فشلاً في إدارة البلاد، وبوابة للسؤال حول عدد التجاوزات التي وقعت في الحكومة من دون أن يعلم رئيسها، وبعيداً من أعين ومسامع الشعب البريطاني.
زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين إيد ديفي يقول إنه يتوجب على ستارمر الاستقالة من رئاسة الحكومة إن ثبت تضليله للبرلمان، ومثل هذه الحادثة ستعود بذاكرة البريطانيين سنوات عدة فقط إلى الوراء، عندما واجه رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون ذات التهمة، ولكن بعد أن استقال من الحكومة وعضوية مجلس العموم، فعوقب في يونيو (حزيران) عام 2023 بعدم السماح له بدخول مبنى البرلمان.
ولا نذيع سراً بالقول إن العديد من مشرعي حزب العمال الحاكم يتطلعون إلى استقالة ستارمر طوعاً أو إجباراً عبر حزبه الحاكم، فهو لم يعد يحظى بشعبية كبيرة في الشارع، ولا بإجماع نواب "العمال" في البرلمان، لكن ما قد يؤجل إطاحته هو اقتراب موعد الانتخابات البلدية المقررة في السابع من مايو (أيار) المقبل، والتي يتوقع للحزب الحاكم فيها هزيمة قوية لصالح حزبين هما "ريفورم" الشعبوي و"الخضر" اليساري.
تتنبأ استطلاعات الرأي بأن يفقد "العمال" في ذلك الاستحقاق مئات المقاعد البلدية، وحينها سيطالب نواب الحزب الحاكم ستارمر بالاستقالة تحملاً لمسؤولية الهزيمة، ومثل هذا الخروج سيكون أكثر ملاءمة لحلفائه وخصومه في الحزب. حتى الآن يرفض رئيس الوزراء مغادرة منصبه سواء بسبب فضيحة ماندلسون أو الخسارة المتوقعة في الانتخابات المحلية، ولكن في عالم السياسة ما هو مستحيل اليوم ممكن غداً.