ملخص
شن الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون هجوماً علنياً نادراً على كير ستارمر، متهماً القيادة البريطانية بالتراخي المدمّر وترك البلاد مكشوفة أمنياً، فيما يواصل رئيس الوزراء التهرب من الحسم بين رفع الإنفاق الدفاعي أو تحمل كلفته السياسية والاجتماعية. ولم تعد الأزمة مقتصرة على نقص التمويل، بل باتت تعكس عجز ستارمر عن مصارحة حزبه والبلاد بالثمن الحقيقي للدفاع، ما أبقاه عالقاً في منتصف الطريق: لا يحسم، ولا يقنع، ولا يرضي أحداً.
الهجوم الذي شنه الأمين العام السابق لـ"حلف شمال الأطلسي" جورج روبرتسون على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لافت بالفعل. فهو ليس فقط من كتب مراجعة الحكومة الاستراتيجية للدفاع العام الماضي، بل هو معروف بالتكتم أيضاً. وهو من أولئك الأشخاص النافذين الذين يطرحون خلافاتهم، في حال وجدت، مع رئيس الوزراء في جلسات خاصة.
يبدو أن شيئاً ما قد انكسر. فقادة بريطانيا أظهروا "تراخياً مدمراً"، واضعين الأمة "في خطر" خلال وقت تتعرض فيه "لهجوم"، بحسب ما قاله في خطاب ألقاه اليوم، وكانت صحيفة "فايننشال تايمز" مهدت له بنشر مقتطفات منه مسبقاً.
وقال روبرتسون إن رئيس الوزراء "غير مستعد لإجراء الاستثمار اللازم"، مضيفاً: "لا يمكننا الدفاع عن بريطانيا في ظل موازنة رعاية اجتماعية تتوسع باستمرار".
لقد نفد صبره من نهج ستارمر القائم على "المماطلة ثم المماطلة ثم المماطلة مجدداً" في ما يتعلق بوعده بزيادة أخرى في الإنفاق الدفاعي.
كثير مما جاء في خطاب اللورد روبرتسون، في شأن ضرورة هذا الإنفاق، مألوف. أما الجديد فهو الهجوم على ستارمر نفسه، والقول إن تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي يقتضي خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية. وكلتا النقطتين توفر مادة جاهزة لزعيمة المعارضة كيمي بادينوك في جلسة مساءلة رئيس الوزراء.
ستارمر يدفع ثمن ممارسته سياسة قصيرة الأجل. وكان في وسعه أن يتبنى أحد موقفين متماسكين.
كان يمكنه أن يطرح خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى ثلاثة في المئة في مرحلة مبكرة من الولاية البرلمانية المقبلة، على أن يمول ذلك من زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، أو من مزيج من الاثنين.
أو كان يمكنه أن يقول إننا اتخذنا للتو قراراً بالغ الصعوبة بزيادة الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة، عبر تبني ذلك الخيار اليميني غير المحبوب، والمتمثل في نقل الإنفاق من المساعدات الخارجية إلى الدفاع. فلننتظر ونر كيف ستسير الأمور، وكيف سيبدو العالم بعد عام، ثم نتخذ قراراً آخر إذا اقتضى الأمر.
لكنه اختار بدلاً من ذلك مساراً وسطاً، فأقر بأن الإنفاق الدفاعي يحتاج إلى مزيد من الزيادة، من 2.5 في المئة من الدخل القومي إلى ثلاثة في المئة، ولكن من دون تحديد موعد حاسم لتحقيق ذلك.
وهذا لا يرضي أحداً. وبحسب ما قاله لي أحد المعنيين بسياسة الأمن القومي، فإن لدى ستارمر "استراتيجية واضحة إلى حد ما، تقوم على تفادي الكتلة البرلمانية لحزب العمال". فهو يفضل عدم التشاور مع نواب الحزب، إذ يعارض كثير منهم القرارات الصعبة التي اتخذها بالفعل، ولا يريدون المضي أبعد في هذا المسار.
حتى الجناح الوسطي الرخو في الحزب - أي النواب الذين يرون أن ما يجري في أوكرانيا وإيران يفرض زيادة الإنفاق على الدفاع - لا يريدون أن يكون مصدر هذا المال هو الرعاية الاجتماعية. وهم يرحبون بوقوف ستارمر في وجه دونالد ترمب، لكن في جانبه الأسهل فحسب، أي على مستوى الكلام. أما ما لا يريدون مواجهته فهو الحقيقة المترتبة على ذلك، وهي أنه إذا لم يعد بإمكاننا الاعتماد على الولايات المتحدة، فسيكون من الضروري إنفاق مزيد على الدفاع الوطني من مواردنا الخاصة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكانت مشكلة ستارمر أن نقل الإنفاق من المساعدات الخارجية كان أيضاً سهلاً نسبياً. فلم يكن لدى نواب حزب العمال وقت لتنظيم أنفسهم قبل إعلان القرار وتنفيذه. وقد استقالت وزيرة المساعدات أنيليز دودز بصورة مشرفة، لكن بعد وقوع الأمر. ومع ذلك، تقول مصادري إن تلك الأموال "ذهبت". فعلى رغم أنها شكلت زيادة دائمة في الإنفاق الدفاعي، فإنها لم تفعل سوى تعويض أعوام طويلة من نقص التمويل. واللورد روبرتسون، وهو يعرف ما يتحدث عنه، يقول إننا في حاجة إلى مزيد.
وتكمن معضلة ستارمر في أن روبرتسون من أولئك الذين يكونون على حق، لكنهم غير مستساغين. وكما جاء في كتاب "1066 And All That" [الذي يسخر من طريقة تعليم التاريخ البريطاني في المدارس مطلع القرن الـ20] فهو "على حق، لكنه منفر"، بينما النائب العادي في حزب العمال "على خطأ، لكنه رومانسي". ولا يريد رئيس الوزراء أن يصارح نواب حزبه، الذين يملكون حقوق ترشيح قد تفتح الباب أمام انتخابات على الزعامة، بالحقائق الحسابية القاسية: إما زيادة الضرائب وإما كبح الارتفاع المتوقع في موازنة الرعاية الاجتماعية. لذلك فهو يماطل لكسب الوقت.
ومرة أخرى، ينكشف الخلل الجوهري في أسلوب ستارمر في الحكم: خطاب حاسم يوحي بيقين مطلق، تقابله أفعال محكومة فقط بضرورات اللحظة السياسية. لذلك يرفع شعار النمو الاقتصادي بوصفه المهمة الأولى، لكنه يتردد عندما يطلب منه اتخاذ قرارات صعبة مثل العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو تخفيف الأعباء عن أصحاب العمل. والأمر نفسه ينطبق على الدفاع، إذ يقدم رفع الإنفاق إلى ثلاثة في المئة باعتباره جزءاً من "واجبي الأول كرئيس للوزراء، وهو الحفاظ على أمن بلدنا"، لكن فقط عندما "تسمح الظروف الاقتصادية والمالية".
ولو أنه تجاهل وزارة الخزانة وأصر على زيادة أعلى في الإنفاق الدفاعي، لربما واجه بعض المعارضة الداخلية، لكنه ربما كان سيكسب بعض الاحترام أيضاً. وبالمثل، لو قال: "لا، إن 2.5 في المئة كافية في الوقت الراهن"، لكان روبرتسون سيوجه هجومه اللاذع نفسه على أي حال، لكن ستارمر كان سيجد من يدافع عنه من الجناح الآخر في حزبه.
أما الآن، فهو لا يرضي أحداً، ويجد نفسه معزولاً أكثر فأكثر. وبينما يحدث ذلك، يظل تحذير روبرتسون يرن في آذاننا: "نحن غير مستعدين، ولا نملك من الحماية ما يكفي، ونتعرض لهجوم. نحن لسنا آمنين".
© The Independent