ملخص
تتراكم أعباء حرب إيران على حكومة لندن مع صدور تقارير تحذر من تداعيات اقتصادية كبيرة للحرب في بريطانيا. هذه التداعيات إضافة إلى جملة تحديات داخلية وخارجية مرتبطة بها تضع مصير كير ستارمر ووزرائه على المحك في استحقاق بلدي مفصلي تنتظره البلاد في مايو المقبل.
يكرر رئيس الوزراء كير ستارمر عبارة "ليست حربنا" في كل مرة يتحدث فيها عن الصراع الدائر في الشرق الأوسط، يستعين بها ليبرر عدم انخراط بريطانيا في ما يجري على بعد آلاف الأميال منها، لكن "السحر قد ينقلب على الساحر" مع تصاعد تأثر المملكة المتحدة بما يجري عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، واتساع رقعة الأصوات التي تغالط مبدأ النأي بالنفس، من داخل حزب العمال الحاكم وخارجه.
رئيس الوزراء الأسبق توني بلير قال، إن بريطانيا كان يفترض أن تشارك الولايات المتحدة في هذه الحرب. ليست هي المرة الأولى التي يجاهر فيها الزعيم العمالي باختلافه مع سياسات ستارمر، ولم يتردد في طرح رأيه وهو من شارك أميركا في غزو العراق عام 2003، ثم اعتذر عن قراره هذا بعد أعوام.
وزيرة الخارجية إيفيت كوبر دافعت عن ستارمر بالقول، إنه يحاول الاستفادة من الماضي من خلال تجنب تكرار الأخطاء التي وقع بها سابقيه، لكن هل العبرة التي يجب أن يتعلمها ساسة "العمال" من حرب العراق، هي التخلي عن الحليف الأميركي في مغامراته العابرة للحدود، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.
يجيب رئيس وزراء سابق آخر لبريطانيا على هذا التساؤل، ولكن هذه المرة ليس من "العمال" وإنما من خصومهم التقليديين "المحافظين"، إذ كتب بوريس جونسون في صحيفة "ديلي ميل" مقالة تحت عنوان " بلير على حق، لا نستطيع التظاهر بأنها ليست حربنا مع إيران"، حاول فيها تفنيد حجة كير ستارمر.
يقول جونسون، إن "مارغريت تاتشر وبلير تورطا بشكل وثيق في حربي الخليج عامي 1991 و2003، وبغض النظر عما تقولانه هاتان الحربان، فقد كانتا نجاحات عسكرية فورية بأهداف علنية واضحة تحققت بسرعة"، أما أبرز أسباب تاتشر وبلير في قرارهما برأيه، فكانت مكانة بريطانيا في المنطقة وحلف "الناتو".
من وجهة نظر جونسون كان يجب على لندن الدخول إلى غرفة عمليات الحرب من اللحظة الأولى، فهي تعرف إيران ومنطقة الخليج أكثر من أي دولة أخرى، ومشاركتها واشنطن كانت ستتيح للمملكة المتحدة توجيه المعارك ومسار الصراع بما يلائم مصالحها، بدلاً من إخلاء الساحة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي يملك أجندة خاصة همس بها في أذن الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ البداية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
طرح جونسون على ستارمر أسئلة باتت تتردد كثيراً في الشارع من قبيل، كيف هي "ليست حربنا" وكلفة الحياة ترتفع على المواطن البريطاني بسببها؟ كيف هي "ليست حربنا" ورعايا المملكة المتحدة وجنودها وقواعدها تستهدف من قبل إيران؟ كيف هي "ليست حربنا" وحلفاء لندن في المنطقة يقعون تحت النار؟
ينصح جونسون رئيس الوزراء بالنظر حوله في لندن ليتذكر الاستثمارات الخليجية الكبيرة في قطاعات مختلفة، ويسأل نفسه عما إذا كان هذا الواقع سوف يتغير أم لا، بعد انتهاء الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، ملمحاً إلى تخاذل المملكة المتحدة عن مساعدة حلفائها في المنطقة بالشكل المطلوب والمتوقع منها.
ما طرحه جونسون في سطور مقالته يتردد بقوة في أروقة الحكومة العمالية، وبشكل غير مباشر يحاول ستارمر ووزرائه الإجابة على استحقاقاته من دون أن يتراجعوا عن "الحياد" الذي أعلنوه في الحرب منذ اليوم الأول لها في 28 فبراير (شباط) الماضي، على رغم أن "الحياد" لم يقنع إيران، ولم يجنب بريطانيا تداعيات الحرب.
بدلاً من المشاركة تحاول بريطانيا تعزيز حضورها في الدفاع عن حلفائها بالمنطقة، وعوضاً عن الانخراط المباشر سمحت لأميركا باستخدام قواعدها العسكرية لشن هجمات "دفاعية" على إيران، وهرباً من الانضمام إلى واشنطن قررت حكومة لندن احتواء ضرر الحرب على الناس والاقتصاد من خزينة الدولة.
ما يقوله جونسون وغيره من ساسة اليمين، فحواه هو أن حكومة ستارمر لم تنجح في إرضاء أميركا ولا حلفائها في الشرق الأوسط في الحرب حتى الآن، ولكن السؤال الأساس في هذا الصدد يدور حول أولوية "العمال" في هذه المرحلة، هل هي دعم الخارج أم إرضاء الداخل القابع على عتبة انتخابات حساسة؟
تستعد بريطانيا إلى انتخابات بلدية بالغة الأهمية مقررة في مايو (أيار) المقبل. ثمة منافسين كثر لـ"العمال" في هذا الاستحقاق، وبخاصة أحزاب اليسار التي تعارض ممارسات الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، بدءاً من الحرب على قطاع غزة ووصولاً إلى الهجوم على إيران وما بينهما من فصول.
تتوقع استطلاعات الرأي أن يخسر "العمال" في انتخابات مايو نحو 900 مقعد بلدي، ويفقد "المحافظون" ما يقارب 450 مقعداً، أما الفائزون فيتصدرهم وفق التوقعات، حزب "ريفورم" بانتزاع أكثر من 1000 مقعد، ثم "الخضر" الذي يمكن أن يرفع رصيده بما يزيد على 270، و"الليبراليين" بإضافة 134 مقعداً.
هذه الأرقام تفزع ستارمر، وقد ترسم نهايته بصفته رئيساً للحكومة وزعيماً للحزب، لذلك يحرص على قلب التوقعات واستقطاب مختلف شرائح وفئات البريطانيين، من خلال التمسك برفض الانخراط في حرب إيران وإظهار استعداد حكومته لإنقاذ الناس من تبعاتها الاقتصادية مهما بلغت، أو تمدد الصراع زمنياً وميدانياً.
ثمة تحديات عديدة تواجه ستارمر في هذا الرهان، أولها أن الخزينة مرهقة والاقتصاد أضعف من مواجهة أزمة طويلة الأجل، وعندما يتعلق الأمر بأسعار الطاقة التي تؤثر مباشرة على كلفة الحياة والعمل في بريطانيا، تجد الحكومة نفسها أمام خيارين قاسيين، التخلي عن خطط الحياد الكربوني لإنتاج مزيد من النفط والغاز محلياً، أو التدخل العسكري المباشر لفتح مضيق هرمز أمام الإمدادات العالمية من السلعتين.
أمران أحلاهما مر، كما يقال، فالأول يكلف "العمال" خسارة أصوات المؤيدين للبيئة لمصلحة حزب "الخضر"، والثاني يتطلب من الحكومة مزيداً من الإنفاق الدفاعي، والتخلي عن مبدأ الحياد في الحرب، وهو ما ستستفيد منه أيضاً أحزاب اليسار والتكتلات التي تعارض سياسات أميركا وإسرائيل في الشرق الأوسط والعالم.
الأكثر إشكالية بالنسبة لستارمر، هو وجود أشخاص ومجموعات في "العمال" يتربصون به وينتظرون خسارته للاستحقاق البلدي، كي ينقلبوا عليه وينافسوه على زعامة الحزب وقيادة الحكومة، وهؤلاء لا يدخرون جهداً في تصويب سهامهم بشكل مباشر أو غير مباشر لسياسات رئيس الوزراء إزاء حرب إيران أو غيرها.
استطلاعات الرأي بشأن الموقف الشعبي من حرب إيران لا تعين ستارمر كثيراً، صحيح أن نسبة المعارضين للحرب لا تزال كبيرة في الشارع، ولكن كتلة المؤيدين لطريقة تعامله مع الصراع متقبلة، وتتناقص وفق بعض الأرقام، وذلك نتيجة الخشية من التداعيات الاقتصادية وتراجع الحكومة عن بعض ثوابتها في الأزمة.
قد تكون الانتخابات المحلية المقبلة هي القول الفصل في نجاعة مبدأ "ليست حربنا" الذي تبناه ستارمر إزاء حرب إيران، لكن حتى لو انتصر به الزعيم العمالي داخلياً، فهناك إشكاليات خارجية ترتبت عليه لن يتمكن "العمال" من تجاهلها بعد الاستحقاق البلدي، فقد اهتزت العلاقة الخاصة التي تجمع بريطانيا مع أميركا وحلفاء آخرين حول العالم، ووضعت مصالح حيوية للمملكة المتحدة في الخارج على محك حقيقي.
يروج ستارمر للتقارب الأوروبي كبديل لما قد يلحق بالمملكة المتحدة من أضرار في علاقاتها الخارجية بعد حرب إيران، ولكن حتى هذا التقارب يشوبه تحديات كثيرة وكل خطوة باتجاهه يمكن أن تضر برئيس الوزراء بدلاً من أن تفيده، فهو يريد تصالحاً وقرباً مع الاتحاد الأوروبي من دون العودة إلى عضويته مجدداً، بينما يقف على النقيضين، الانضمام للتكتل والاستقلال عنه، طوابير من البريطانيين، ويتربص بهذه المساعي دول في القارة العجوز تصر حتى اليوم على معاقبة المملكة المتحدة بشأن "بريكست".