ملخص
يشير صندوق النقد إلى أزمات جديدة تتعلق بنشاط التجزئة والتجارة وعدم استقرار الأسواق والضغط على الإيرادات
تلقي الحرب في الشرق الأوسط بظلالها على الأفراد والشركات والدول في وقت تعاني المالية العامة من ضغوط مزمنة. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتشديد الأوضاع المالية، وتزايد حالة عدم اليقين، كلها عوامل تثير من جديد دعوات لتقديم الدعم المالي.
وفي سياق صياغة استجاباتها لهذه الصدمة، ستحتاج الدول إلى دراسة متأنية للموازنة بين حماية الفئات الأكثر ضعفاً والحفاظ على مؤشرات أسعار السوق.
ويشير أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي، عن الوضع المالي إلى أنه مع ارتفاع مستوى الديون في العديد من الدول، يجب أن تستجيب السياسة المالية بحذر، من خلال تقديم الدعم عند الحاجة من دون دفع المالية العامة إلى حافة الانهيار.
أزمات منذ 2020 جعلت الحكومات مثقلة بالديون
قبل الحرب، كانت المالية العامة مرهقة بالفعل. وقد تسببت الجائحة، وصدمة أسعار الطاقة والغذاء في عام 2022، وتزايد الاضطرابات التجارية، في جعل الحكومات مثقلة بديون أكبر، واحتياطيات أضعف، وتأخر كبير في التكيف.
وحتى مع تعافي الاقتصادات، لم تتحسن الأوضاع المالية. فقد كان النمو العالمي قوياً في عام 2025، ومع ذلك لم يحرز أي تقدم ملموس في إصلاح الموازنات. في العديد من البلدان، ظل العجز مرتفعاً، واستمر الدين في التزايد، وتصاعدت فوائد الديون بوتيرة متسارعة.
وقال صندوق النقد الدولي إن الأرقام صادمة. فقد استقر العجز المالي العالمي عند 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. وارتفع إجمالي الدين العام إلى 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يصل إلى 100 في المئة بحلول عام 2029، أي قبل عام واحد مما كان متوقعاً قبل عام واحد فقط.
وتعاني المالية العامة في العديد من البلدان من ضعف يفوق ما كانت عليه قبل الجائحة. وقد ارتفع الإنفاق على الفوائد بشكل حاد، من 2 في المئة إلى ما يقارب 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في غضون أربع سنوات فقط. وفي الوقت نفسه، اتسعت الفجوة بين الخطط المالية متوسطة الأجل للدول وما هو مطلوب لتحقيق استقرار الدين على مستوى العالم.
تغير كبير في طبيعة التحديات
صندوق النقد أشار إلى أن طبيعة التحديات المالية الراهنة تغيرت كثيراً. ولم تعد نقاط الضعف دورية في المقام الأول أو ناتجة من حالات طارئة موقتة، بل أصبحت هيكلية: فالإنفاق على الأمن، وتكاليف التحول المناخي والطاقة، وارتفاع أقساط الفائدة، كلها عوامل تفرض ضغوطاً مستمرة على الموازنات، في حين لم تواكب الإيرادات هذا النمو.
في ظل هذه الظروف، لكل خيار يتعلق بالإيرادات والإنفاق عواقب طويلة الأمد. الصندوق أشار إلى أن انتظار النمو وحده كحل يُعدّ خياراً محفوفاً بالأخطار. عندما تكون الضغوط هيكلية، فإن تأجيل ضبط الأوضاع لا يتيح الوقت، بل يُضيّق الخيارات ويزيد الأخطار.
فيما تفترض توقعات صندوق النقد، انحسار اضطرابات الحرب بحلول منتصف عام 2026، إلا أن هذا الافتراض غير مؤكد. ولتقييم التداعيات، يدرس تقرير مراقبة المالية العامة سيناريو متطرفاً من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، إذ تبقى أسعار النفط أعلى بنسبة 100 في المئة من المتوقع في عام 2027، وتعود ضغوط التضخم للظهور، وتضيق شروط التمويل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في ظل هذه الظروف، سيتجاوز الدين العالمي المعرض للخطر - والذي يُعرَّف بأنه النسبة المئوية الخامسة والتسعون من توزيع الدين المتوقع لثلاث سنوات مقبلة، ما يعكس نتيجة متطرفة محتملة حيث سيقفز إلى 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً من 117 في المئة في السيناريو المرجعي لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، مع تركز الزيادة في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.
إلى جانب هذا الصراع، تلوح في الأفق أخطار أخرى جسيمة. فالتجزئة في التجارة والتمويل قد تُبطئ النمو وترفع تكاليف التمويل. كذلك فإن عدم الاستقرار السياسي قد يُضعف الإصلاحات وتحصيل الإيرادات. وقد يؤدي التغيير المفاجئ في أسعار الأسهم في الأسواق، بما في ذلك أسهم الذكاء الاصطناعي المهيمنة حالياً، إلى تشديد الأوضاع المالية بسرعة.
وفي الوقت نفسه، ومع قيام البنوك المركزية بتقليص موازناتها العمومية، يتعين على الحكومات الاعتماد بشكل أكبر على المستثمرين من القطاع الخاص لاستيعاب إصدارات الديون المتزايدة، مما يجعل تكاليف الاقتراض أكثر حساسية لتقلبات معنويات السوق.
ضرورة أن يكون الدعم الحكومي للأفراد موجهاً وموقتاً
وأشار صندوق النقد إلى أن الانضباط المالي يعني اختيار سياسات تحمي الاستقرار اليوم من دون تقويضه غداً. وقال إنه إذا قررت الحكومات مساعدة الشركات والأسر التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة أو الغذاء، فينبغي أن يكون هذا الدعم موجهاً وموقتاً، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للخطر والأقل قدرة على استيعاب ارتفاع الأسعار. وقد أنشأت العديد من الدول شبكات أمان اجتماعي فعالة خلال الجائحة؛ ويمكن -بل ينبغي- استخدام هذه الآليات مرة أخرى.
ينبغي على الدول ذات الحيز المالي المحدود تجنب تمويل تدابير الدعم بالاقتراض الإضافي. ويتمثل النهج الأفضل في إعادة تخصيص الإنفاق ضمن الحدود نفسها وإعطاء الأولوية للإنفاق المتعلق بالأزمة (وهو ما قد يكون أكثر جدوى سياسياً). والبديل هو تثبيت ديون أعلى وتكاليف فائدة أعلى، الأمر الذي سيجبر في النهاية على اتخاذ خيارات أكثر صعوبة - أو الأسوأ من ذلك، زعزعة استقرار أسواق الدين الحكومي وتفاقم الأوضاع الحالية.
كذلك ينبغي تنسيق السياسات المالية والنقدية تنسيقاً دقيقاً. ويجب ألا يؤدي الإنفاق الطارئ إلى خلق طلب كلي جديد، حتى لا تقوض تدابير الدعم جهود البنوك المركزية في كبح التضخم. كذلك فإن التدابير العامة، كدعم الوقود، على رغم جاذبيتها السياسية، فإنها مكلفة وغير موجهة بدقة، ويصعب التراجع عنها، وتشجع على زيادة الاستهلاك في ظل محدودية العرض، مما يدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع.
ويجب ألا تصرف الصدمات قصيرة الأجل الانتباه عن المهمة الأكبر. يتطلب استعادة المرونة المالية ضبطاً مالياً موثوقاً به على المدى المتوسط. وهذا يعني اتخاذ تدابير ملموسة وتسلسلاً واقعياً، لا أهدافاً بعيدة أو متغيرة. كذلك يجب مواجهة ضغوط الإنفاق بشكل مباشر، والحد من أوجه القصور، والتوفيق بين المطالب المتنافسة. أما في ما يتعلق بالإيرادات، فإن توسيع القاعدة الضريبية، وتبسيط الإعفاءات، وتعزيز إدارة الضرائب، من شأنه أن يزيد الإيرادات حتى في ظل الظروف الصعبة.
وقال صندوق النقد إن التحديات جسيمة، لكن الأدوات متوافرة. ويمكن للأطر المالية المصممة جيداً، وزيادة الشفافية، والتواصل الواضح بشأن المفاضلات، أن تساعد الحكومات على بناء الدعم الشعبي اللازم لإصلاح مستدام. وسيكون التحرك المبكر والحاسم أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار في عالم مليء بالصدمات المتكررة والديون المرتفعة.