ملخص
يعكس هذا التباين تحولات عميقة في إدارة الاحتياطات العالمية، مع تزايد دور الذهب كملاذ آمن، كما يشير إلى إعادة توازن تاريخية في النظام المالي العالمي وسط تصاعد الأخطار الاقتصادية والسياسية.
بدأت البنوك المركزية التحول من شراء الذهب إلى بيعه نتيجة ضغوط السيولة المرتبطة بالحروب والتوترات الجيوسياسية، فيما تراجعت أسعار الذهب بنحو 12 في المئة منذ ذروتها في يناير (كانون الثاني) الماضي، على رغم استمرار حال عدم اليقين العالمية.
ووفقاً لشبكة "سي أن بي سي"، تقود الأسواق الناشئة هذا الاتجاه مع ارتفاع تقلبات العملات وزيادة احتياجات الإنفاق، ويعكس ذلك تغيراً تكتيكياً في إدارة الاحتياطات لمواجهة الضغوط الاقتصادية قصيرة الأجل.
وأظهرت البيانات أن البنوك المركزية حول العالم واصلت شراء الذهب بوتيرة قياسية، إذ أضافت 19 طناً إلى احتياطاتها خلال فبراير (شباط) الماضي، في استمرار لسلسلة شراء صافية تمتد إلى 23 شهراً متتالياً، في إطار توجه متزايد لتنويع الاحتياطات العالمية.
وأدى هذا الأداء إلى رفع إجمالي صافي مشتريات الذهب منذ بداية العام إلى 25 طناً، في إشارة واضحة إلى تحول كبير في سياسات إدارة الاحتياطيات لدى الدول.
وقاد البنك الوطني البولندي عمليات الشراء خلال فبراير الماضي، إذ أضاف 20 طناً من الذهب إلى احتياطاته، ليرتفع إجمالي ما يمتلكه إلى 570 طناً، وهو ما يمثل نحو 31 في المئة من إجمالي احتياطات النقد الأجنبي للبلاد.
شملت قائمة المشتريين البنك المركزي لأوزبكستان، الذي أضاف ثمانية أطنان من الذهب إلى احتياطاته، والبنك المركزي الصيني الذي اشترى طناً واحداً من الذهب، في استمرار لسلسلة شراء شهرية امتدت إلى 16 شهراً متتالياً، ليصل إجمالي احتياطاته إلى 2308 أطنان.
دول تبيع جزء من احتياطاتها من الذهب
على رغم استمرار الاتجاه العام نحو شراء الذهب، فإن التوترات الجيوسياسية دفعت بعض الدول إلى بيع جزء من احتياطاتها، إذ خفض البنك المركزي التركي احتياطاته بنحو ثمانية أطنان خلال فبراير الماضي، قبل أن تتسارع عمليات البيع في مارس الماضي لتصل إلى نحو 120 طناً، بهدف دعم عمليات النقد الأجنبي في ظل تداعيات الحرب مع إيران، فيما سجل البنك المركزي الروسي أيضاً انخفاضاً في احتياطاته بنحو ستة أطنان خلال الفترة نفسها.
وعلى رغم هذه المبيعات المرتبطة بظروف استثنائية، لا يزال الطلب العالمي على الذهب من البنوك المركزية قوياً، ويأتي هذا الاتجاه في سياق تحول تاريخي، إذ تجاوزت حصة الذهب في الاحتياطات الدولية للبنوك المركزية حيازاتها من السندات الحكومية الأميركية للمرة الأولى منذ عام 1996، وهو ما يعكس رغبة متزايدة في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.
وتحدث مؤسس ورئيس شركة "أزوریا كابيتال" أوتافيو كوستا، لموقع "أو إيه أل" الأميركي إلى أهمية هذا التحول، مؤكداً أن العالم قد يكون على أعتاب واحدة من أكبر عمليات إعادة التوازن في النظام المالي العالمي خلال العقود الأخيرة، مشبهاً الوضع الحالي بالتحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي في سبعينيات القرن الماضي.
وشهدت أسعار الذهب ارتفاعاً ملاحظاً خلال الفترة الماضية، إذ سجلت زيادات قوية على أساس سنوي ونصف سنوي، على رغم تراجع طفيف في أحدث التداولات، مما يعكس استمرار التقلبات في الأسواق العالمية.
البنوك المركزية تظل مشتري صافي للذهب
ويجادل بعض المحللين بأن البنوك المركزية لا تتجه إلى بيع الذهب بصورة واسعة، بل تشهد تباطؤاً في وتيرة الشراء القياسية التي سادت بين 2022 و2025.
وأشاروا إلى أن الأسعار المرتفعة أسهمت في تنفيذ عمليات جني أرباح محدودة وتراجع المشتريات مطلع 2026، وعلى رغم ذلك يؤكد هؤلاء أن البنوك المركزية تظل مشتري صافي للذهب ضمن استراتيجيات تنويع الاحتياطات، ويستمر هذا التوجه مدفوعاً بالأخطار الجيوسياسية وعدم الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وقال رئيس قسم التسويق في شركة "غولد كور" لتجارة المعادن النفيسة، ومقرها المملكة المتحدة، يان سكويليس، لموقع "ماركت ووتش"، "إن الادعاء بأن البنوك المركزية قد تخلت عن الذهب لا تدعمه البيانات". بل تظهر البيانات "تصفية مدفوعة بالأزمة من عدد قليل من الدول التي تعاني ضغوطاً شديدة على عملاتها، هذا ليس تحولاً هيكلياً بعيداً من احتياطات الذهب".
وأدى وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية إلى خلق حال من المقاومة لدى بعض البنوك المركزية، إذ تراجعت شهية الشراء نتيجة ارتفاع كلفة اقتناء المعدن النفيس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الوقت ذاته، أسهمت التحركات الأخيرة في الأسعار في دفع بعض الجهات إلى تنفيذ عمليات جني أرباح، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز السيولة في ظل ضغوط السوق المتغيرة، مما أدى إلى تراجعات موقتة في الأسعار.
تحقيق العوائد والحفاظ على الاستقرار
وتيرة التراكم السريعة التي شهدها العالم خلال الفترة من 2022 إلى 2024 بدأت في التراجع، لتحل محلها استراتيجية أكثر اعتدالاً تقوم على التراكم التدريجي طويل الأجل.
ويعكس هذا التحول توجهاً لدى البنوك المركزية نحو إدارة أكثر مرونة وواقعية للاحتياطات، بما يوازن بين تحقيق العوائد والحفاظ على الاستقرار المالي.
ولا يزال الاتجاه العام للبنوك المركزية يميل إلى شراء الذهب، على رغم التباطؤ النسبي في وتيرة التراكم خلال الفترة الأخيرة، لعوامل عدة استراتيجية رئيسة.
أولاً تلعب حال عدم الاستقرار الجيوسياسي دوراً محورياً في دعم الطلب على الذهب، إذ تدفع النزاعات الدولية، مثل الصراعات في الشرق الأوسط والحرب بين روسيا وأوكرانيا، البنوك المركزية إلى تعزيز حيازاتها من الأصول الآمنة.
ثانياً، تواصل الدول جهودها لتنويع احتياطاتها بعيداً من الاعتماد المفرط على الدولار، في ظل التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، وهو ما يعزز مكانة الذهب كأصل احتياط بديل.
ثالثاً، يعتمد عديد من البنوك المركزية، بخاصة في الدول النامية، على استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى زيادة نسبة الذهب ضمن احتياطاتها تدريجاً، حتى وإن شهدت فترات قصيرة من التباطؤ أو التوقف الموقت في الشراء، ويعكس ذلك توجهاً مستمراً نحو تعزيز الاستقرار المالي وتقليل الأخطار المرتبطة بالتقلبات العالمية.