ملخص
يصمم تطبيق "تيك توك" بعناية فائقة، من خلال تدفقه المتواصل من المحتوى الشخصي السريع، للحفاظ على تفاعل المستخدمين. فكل تمريرة على الشاشة تعد بتجربة جديدة ومثيرة عاطفياً وأحياناً مضحكة وأخرى صادمة أو قريبة من الواقع، لذا النتيجة غير متوقعة، وهذا تحديداً ما يجعله تطبيقاً إدمانياً.
عندما تتوقف أدمغتنا المشبعة بالدوبامين عن الانغماس في متعة "تيك توك" وتواجه العالم الحقيقي، العالم الذي لا يمنح المكافآت كل 15 ثانية، سنلاحظ تزايداً في نفاد الصبر وتشتت الانتباه، فالشباب الذين يفرطون في مشاهدة المحتوى القصير يجدون صعوبة أكبر في المشاركة في أنشطة لا تقدم إشباعاً فورياً. بعبارة أخرى، أصبح الحفاظ على الانتباه لأي شيء بطيء أو غير مثير للاهتمام، كواجب منزلي أو قراءة كتاب أو إجراء محادثة طويلة، يبدو كصراع متنام، إذ يبدأ الدماغ الذي اعتاد على المحفزات السريعة برفض التركيز المتواصل البطيء.
سمكة ذهبية
انتشر مصطلح تدهور أو فساد الدماغ، على نطاق واسع كصفة ساخرة يستخدمها "جيل زد"، لوصف الإرهاق الذهني الناتج من الإفراط في استخدام "تيك توك"، وهو مزيج من المزاح والواقع، فالتصفح المستمر يصيبهم بالذهول وعدم القدرة على التركيز، وهي ظاهرة شائعة لدرجة أنها حصدت أكثر من 2.8 مليار مشاهدة على التطبيق تحت وسم #brainrot.
ومن المفارقات أن تحويل معاناة التركيز إلى مادة ساخرة تجعل المستخدمين الشباب يقرون بما يؤكده العلم، أن تغذية الدماغ بسلسلة متواصلة من المشتتات، يفقده قدرته على التركيز. وقد قال أحد علماء الأعصاب مازحاً، إن تركيز عقل المدمن اليوم على "تيك توك" أقصر من تركيز سمكة ذهبية، وهو تشبيه يعتبر مبالغ فيه بالتأكيد، لكنه ليس بعيداً من الشعور الذي ينتاب المرء عندما يتشتت تركيزه العميق إلى أجزاء لا تتجاوز 15 ثانية.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن تأثير هذه الوجبات الخفيفة من الدوبامين يتجاوز مجرد التشتيت الموقت، إذ قد تعيد برمجة طريقة اتخاذنا للقرارات وتحكمنا في دوافعنا بصورة خفية، إذ يعمل الفص الجبهي وهو مركز التحكم في دماغنا عادة كمدرب، فيوازن بين الخيارات ويراعي العواقب ويكبح جماح الاندفاعات المتهورة، ولكن ماذا يحدث عندما يضعف هذا المدرب أو يطغى عليه وعد المكافآت الفورية؟ تشير الأبحاث الأولية إلى أن الإفراط في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة يخل بهذا التوازن بطرق مقلقة.
حساسية مفرطة
وعليه فقد أجرى باحثون مسحاً لأدمغة أكثر من 100 طالب جامعي، وطلبوا منهم الإجابة عن استبيان حول عاداتهم في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة على الإنترنت، وتضمن الاستبيان عبارات مثل "سأشعر بفراغ كبير في حياتي من دون مقاطع الفيديو القصيرة"، و"عدم القدرة على مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة سيكون مؤلماً كفقدان صديق"، مع تحديد المشاركين لمدى موافقتهم على هذه العبارات.
والمثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن الأشخاص الذين شعروا بأكبر قدر من التعلق بمقاطع الفيديو القصيرة أظهروا اختلافات ملاحظة في بنية أدمغتهم، فقد كان لدى هؤلاء المشاركين كمية أكبر من المادة الرمادية في قشرة الفص الجبهي الحجاجي OFC، وهي منطقة تقع في مقدمة الدماغ وتشارك في اتخاذ القرارات، وبالمثل كان لديهم كمية أكبر من المادة الرمادية في المخيخ، وهو بنية صغيرة تشبه القرنبيط تقع في الجزء الخلفي من الدماغ وتلعب دوراً في الحركة والمشاعر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلص الفريق إلى أن هذا نبأ سيئ لمحبي "تيك توك"، إذ قد يكون تضخم القشرة الجبهية الحجاجية علامة على ما وصفوه بحساسية مفرطة للمكافآت والمحفزات المرتبطة بمحتوى الفيديو القصير، ورجحوا أن مشاهدة عدد كبير من فيديوهات التطبيق قد تكون السبب في هذا التضخم العصبي، وكذلك أشاروا إلى أن زيادة نشاط المخيخ قد تساعد الدماغ في معالجة محتوى الفيديو القصير بكفاءة أكبر، وربما يكون ذلك نتيجة للمشاهدة المتكررة والمتواصلة، وهذا قد يخلق حلقة مفرغة، إذ تؤدي مشاهدة مزيد من الفيديوهات إلى تقوية هذه المسارات الدماغية، مما يجعل العادة أكثر رسوخاً.
يحفز عدم اليقين
ويصمم تطبيق "تيك توك" بعناية فائقة، من خلال تدفقه المتواصل من المحتوى الشخصي السريع، للحفاظ على تفاعل المستخدمين، فكل تمريرة على الشاشة تعد بتجربة جديدة ومثيرة عاطفياً وأحياناً مضحكة وأخرى صادمة أو قريبة من الواقع، لذا النتيجة غير متوقعة، وهذا تحديداً ما يجعله تطبيقاً إدمانياً.
يطلق علماء النفس على هذا النظام اسم "جدول المكافآت المتغيرة"، وهو نظام يتلقى فيه المستخدم مكافآت غير متوقعة على فترات غير منتظمة. وهو المبدأ نفسه المستخدم في ماكينات القمار، إذ يحفز عدم اليقين في شأن الفوز إفراز قوي للدوبامين، فيصبح الدماغ مبرمجاً على السعي وراء الضربة التالية، حتى لو لم تكن الضربة السابقة مرضية.
وعلى عكس المنصات التقليدية التي تتطلب من المستخدمين البحث بنشاط عن المحتوى، تقدم صفحة "لك" في "تيك توك" تدفقاً مستمراً من الفيديوهات المصممة خصيصاً لسلوك كل مستخدم. وتتعلم الخوارزمية بسرعة نوع المحتوى الذي تتفاعل معه، وما تشاهده حتى النهاية، وما تعجب به وما تعيد مشاهدته وما تتخطاه، ومع مرور الوقت تصبح الخوارزمية دقيقة للغاية، إذ تقدم محتوى يحقق لك أقصى قدر من التفاعل، وهذا يعني أنك لا تشاهد فقط ما هو شائع، بل تشاهد ما يناسبك أكثر. هذه الخصوصية تعزز إفراز الدوبامين، مما يجعل تكرار هذا السلوك أكثر احتمالاً.
نتيجة مثيرة للقلق
وفي السياق ذاته لكن من زاوية أخرى، لاحظ باحثون آخرون أن الأشخاص الذين لديهم عادة مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة بكثرة يظهرون انخفاضاً في النفور من الخسارة، أي أنهم يقللون من شأن الأخطار المستقبلية مقارنة بالمكافآت الفورية. وكأن التمرير المستمر يدرب الدماغ على إعطاء الأولوية للمكافأة الفورية ضحكة سريعة، ومقطع فيديو مثير، ومع تجاهل صوت "ماذا لو" الذي عادة ما يقيم العواقب. وعليه يستنتج الباحثون أن لا عجب أن يعاني مستخدمو "تيك توك" بكثرة من اتخاذ قرارات أكثر اندفاعاً وصعوبة في الالتزام بالأهداف طويلة المدى، وهنا تصبح دائرة المكافأة في أدمغتهم مهيأة تماماً للتصرف الآن والتفكير لاحقاً.
وبالتوازي مع ذلك، تظهر المناطق الحيوية للتحكم في الاندفاع والتخطيط، مثل قشرة الفص الجبهي الظهرية الجانبية، علامات على تغير النشاط لدى مستهلكي مقاطع الفيديو القصيرة المزمنين، إذ تضعف المسارات العصبية للتفكير الموجه نحو الهدف، بينما تتقوى حلقات العادة، وهو تحول يفضل الإشباع الفوري على التخطيط المسبق.
كما قد تتأثر الذاكرة أيضاً، وفي تجربة ذكية أجريت عام 2023، طلب العلماء من المشاركين أداء مهمة ذاكرة مستقبلية، أي تذكر القيام بشيء ما لاحقاً، مع تزويدهم بمحتوى مختلف لمشاهدته أثناء فترات التشتت. أظهرت المجموعة التي قوطعت بمقاطع فيديو "تيك توك" أداء أسوأ بكثير في تذكر وتنفيذ نواياهم المستقبلية، مقارنة بمن قضوا فترة الراحة في استخدام "إكس" أو مشاهدة فيديو على "يوتيوب"، أو حتى عدم القيام بأي شيء على الإطلاق.
وبدا أن التصفح السريع على طريقة "تيك توك" هو العامل الوحيد الذي أثر سلباً في ذاكرتهم للمهمات المستقبلية، وسبب ذلك على الأرجح بسبب إرهاق أدمغتهم نتيجة التبديل السريع بين المحتوى. وهذه نتيجة مثيرة للقلق بالنسبة إلى الباحثين، فكلما درب الشخص نفسه على التنقل السريع بين مقاطع الفيديو الغنية بالدوبامين، كلما صعب عليه الاحتفاظ بفكرة ذهنية أو السعي وراء هدف طويل الأمد، وهذا لا يبشر بالخير لأمور مثل الدراسة للامتحانات، أو الالتزام بقرارات رأس السنة، أو أي نشاط يكون فيه العائد المؤجل هو الأساس.