Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون غراهام... الهند أمام تحد جديد بشأن التجارة مع روسيا

بدأت نيودلهي مجدداً تحركات دبلوماسية لتجنب العقوبات الأميركية المحتملة

بوتين ومودي خلال مشاركتهما في المنتدى الهندي الروسي للأعمال في نيودلهي، الجمعة 5 ديسمبر 2025 (سبوتنيك/ رويترز)

ملخص

يرى خبراء يتابعون العلاقات الهندية - الأميركية في ظل شراء نيودلهي النفط الروسي أن التغييرات المتكررة في سياسة الرسوم الجمركية الأميركية والتوتر الناجم عن استمرار الهند في شراء النفط الخام الروسي جعلا المفاوضات أكثر تعقيداً، خصوصاً في وقت يسعى البلدان إلى التوصل إلى اتفاق موقت.

قبل بضعة أشهر فقط، اضطرت الهند إلى خوض جولات عدة من المفاوضات الدبلوماسية والمباحثات متعددة الأطراف للتعامل مع سياسة الرسوم الجمركية الشاملة التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن تلك المفاوضات لم تفضِ إلى اتفاق نهائي.

غير أن ملف التجارة مع روسيا عاد إلى الواجهة مجدداً، بعد توقيع ترمب في الـ18 من سبتمبر (أيلول) عام 2026 على قانون ليندسي غراهام لعام 2026 بشأن معاقبة روسيا وإيران.

ويهدف القانون إلى تشديد الضغوط الاقتصادية على روسيا على خلفية حربها في أوكرانيا، وفرض قيود إضافية على التعاملات مع إيران. كما يمنح ترمب صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المئة على واردات من دول تشتري كميات كبيرة من النفط والغاز الروسيين، بما في ذلك الهند والصين، إلى جانب تشديد العقوبات المرتبطة بإيران.

وعلى خلفية ذلك، بدأت الهند مجدداً تحركات دبلوماسية لتجنب العقوبات الأميركية المحتملة.

 

والسبب واضح: فالهند واحدة من أكبر خمسة مستوردين للنفط الخام أو الغاز الطبيعي الروسي المنشأ، وبموجب القانون، قد يؤدي استمرارها في شراء الطاقة الروسية بعد انقضاء مهلة محددة إلى فرض رسوم جمركية أميركية تصل إلى 100 في المئة.

وأعاد هذا التهديد الجمركي المحتمل تعقيد الموقف أمام نيودلهي بصورة كبيرة، وفتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات مع واشنطن سعياً إلى خفض الرسوم أو تجنبها بموجب القانون الجديد.

روسيا والولايات المتحدة: شريكتان استراتيجيتان للهند

وقال روبندر ساشديفا، مؤسس معهد "إيماجينديا"، لـ"اندبندنت عربية"، إن روسيا والولايات المتحدة شريكان استراتيجيان مهمان للهند، لكن طبيعة العلاقات التجارية مع البلدين تختلف بصورة جوهرية.

وتتركز التجارة مع روسيا إلى حد كبير على شراء النفط الخام بأسعار مخفضة، مما أدى إلى اختلال كبير في الميزان التجاري بين البلدين، بلغ عشرات المليارات من الدولارات. في المقابل، نمت التجارة مع الولايات المتحدة بصورة أكثر توازناً، ولا تزال السوق الأميركية أكبر وجهة لصادرات الهند. ووفقاً لأحدث البيانات المتاحة، بلغت قيمة التجارة الثنائية بين الهند وروسيا نحو 60 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، أي ما يقرب من أربعة أضعاف مستواها قبل خمسة أعوام، عندما كانت تبلغ نحو 13 مليار دولار.

وبلغت واردات الهند من روسيا نحو 55 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، واستحوذ النفط الخام على أكثر من 80 في المئة منها. وفي وقت سابق من هذا العام، تجاوزت حصة روسيا في بعض الأحيان 50 في المئة من إجمال واردات الهند من النفط الخام، قبل أن تتراجع لاحقاً، وشملت الواردات الرئيسة الأخرى الأسمدة والفحم.

وتقدم التجارة مع الولايات المتحدة صورة مختلفة. ووفقاً لمكتب الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، بلغت تجارة السلع الثنائية بين البلدين نحو 149 مليار دولار خلال عام 2025. ومع احتساب تجارة الخدمات، بلغ إجمال حجم التجارة نحو 240 مليار دولار. وخلال السنة المالية الهندية 2025-2026، بلغت تجارة السلع الثنائية نحو 141 مليار دولار. وسجلت صادرات الهند إلى الولايات المتحدة مستوى قياسياً بلغ 87.3 مليار دولار، مدفوعة بصورة رئيسة بصادرات الأدوية والأحجار الكريمة والمجوهرات والمنسوجات والإلكترونيات والمنتجات الهندسية.

وارتفعت واردات الهند من الولايات المتحدة إلى نحو 53-54 مليار دولار، مع زيادة مشترياتها من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والطائرات والآلات. ولا تزال الهند تسجل فائضاً تجارياً يبلغ نحو 34 مليار دولار، على رغم تقلص الفارق مع زيادة وارداتها من الطاقة من الولايات المتحدة.

تعقيدات المفاوضات

يرى خبراء يتابعون العلاقات الهندية - الأميركية في ظل شراء نيودلهي النفط الروسي أن التغييرات المتكررة في سياسة الرسوم الجمركية الأميركية والتوتر الناجم عن استمرار الهند في شراء النفط الخام الروسي جعلا المفاوضات أكثر تعقيداً، خصوصاً في وقت يسعى البلدان إلى التوصل إلى اتفاق موقت.

وقال وزير التجارة الهندي بيوش غويال في الـ24 من سبتمبر (أيلول) إن اتفاقاً تجارياً بين الهند والولايات المتحدة "تم التفاوض عليه بالكامل"، وإنه سيدخل حيز التنفيذ عندما توفر الولايات المتحدة للمنتجات الهندية ميزة تنافسية مناسبة في السوق الأميركية مقارنة بالدول المنافسة.

وفي الـ31 من سبتمبر، أصدر الوزير الهندي بياناً آخر قال فيه إنه أجرى "مباحثات مثمرة" مع الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير بهدف التوصل في أقرب وقت إلى اتفاق موقت مفيد للجانبين في إطار الاتفاق التجاري الثنائي بين الهند والولايات المتحدة.

وتشير عبارة "التوصل في أقرب وقت" إلى أن الاتفاق لم يبرم بعد. كما أن استخدام مصطلح "اتفاق موقت" يدل على أن البلدين لا يزالان منخرطين في المفاوضات ولم يتوصلا إلى تسوية نهائية.

اتصالات رفيعة المستوى

أجرى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي لم يحضر جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بسبب التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء الماضي، وكان ذلك أول اتصال بين الزعيمين منذ الإعلان عن قانون غراهام. ووصف مودي الاتصال بأنه "مثمر"، في وقت لم تكشف نيودلهي ولا البيت الأبيض عن تفاصيل ما جرى بحثه خلال المكالمة.

وقبل اتصال مودي، واصل كبار الدبلوماسيين الهنود محادثاتهم مع واشنطن، ووفقاً لتفاصيل قدمها رندهير جايسوال، المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، التقى وزير الشؤون الخارجية الهندي إس. جايشانكار نظيره الأميركي ماركو روبيو في نيويورك في الـ30 من سبتمبر، على هامش الأسبوع رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبحث الجانبان العقوبات الأميركية المحتملة على الدول التي تربطها علاقات اقتصادية بروسيا وإيران. وخلال الاجتماع، جددت نيودلهي أيضاً التعبير عن مخاوفها بشأن قانون العقوبات الجديد، وفقاً للمتحدث الهندي. وعقب الاجتماع، قال جايشانكار إنه "جدد التأكيد على مصالح الهند ومخاوفها" بشأن القانون الجديد، بما في ذلك تداعيات فرض رسوم جمركية جديدة على نيودلهي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحدّ كبير أمام الهند

تمثل هذه التطورات تحدياً كبيراً للهند، وأصبحت واحدة من أكثر القضايا الدبلوماسية إلحاحاً أمام نيودلهي. وقال المحلل الدبلوماسي سوراف شاهي إن القضية تمثل "أولوية دبلوماسية قصوى" بالنسبة إلى نيودلهي، مضيفاً أنه في وقت تترك الحرب المستمرة في الشرق الأوسط تداعيات واسعة على المستوى العالمي، فإن حماية سياسة الطاقة الهندية تمثل أولوية رئيسة، لا سيما ضمان الحصول على الطاقة بأسعار منخفضة.

وبحسب شاهي أيضاً، تجد الهند نفسها عالقة في أزمة لا يبدو أن لها مخرجاً سهلاً. وفي الوقت ذاته، يواجه رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحكومته تحدياً داخلياً يتمثل في ضمان استقرار إمدادات الوقود في السوق الهندية والحفاظ على استقرار الأسعار، وقد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى سلسلة من الزيادات في تكاليف السلع والخدمات اليومية، مما يجعل أسعار الوقود قضية حساسة سياسياً. وفي حال واصلت الهند شراء النفط الروسي، فقد تواجه خطر فرض رسوم أميركية جديدة، مما قد يلحق أضراراً كبيرة بصادراتها إلى الولايات المتحدة، أكبر سوق لصادراتها.

في المقابل، إذا خفضت الهند وارداتها من النفط الروسي لتجنب الرسوم الأميركية المحتملة، فقد ترتفع أسعار الوقود قبيل انتخابات مهمة في عدد من الولايات، أو تتعرض المالية الحكومية لمزيد من الضغوط.

وقال مسؤول الخارجية الهندي السابق كانوال سيبال، إن هذه التحديات كبيرة، لكنها لا تعني بالضرورة تعذر توصل الهند إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. وأضاف أن عدم التوصل إلى اتفاق لن يلحق الضرر بالهند وحدها، بل ستكون له تداعيات أيضاً على الولايات المتحدة، "لذلك أعتقد أنه سيكون هناك اتفاق، وربما لن يكون ناجحاً جداً، لكنه لن يفشل أيضاً".

ماذا تريد الهند؟

يبدو أن مطالب الهند في الظروف الراهنة واضحة إلى حد كبير، فهي تريد الحماية من الرسوم الأميركية، مع الاستمرار في شراء النفط الروسي بما يتماشى مع احتياجاتها المحلية من الطاقة. وفي الوقت ذاته، تسعى الهند إلى الحصول على ميزة تنافسية في السوق الأميركية مقارنة بمنافسيها، ومن بينها دول رابطة دول جنوب شرقي آسيا "آسيان" والصين وبنغلاديش، نظراً إلى الحجم الكبير للتجارة الثنائية بين البلدين.

وتنظر الهند بصورة مختلفة إلى المبررات الأميركية لفرض الرسوم. ويقول المحللون إن شراء النفط الروسي لا يهدف إلى تمويل الحرب في أوكرانيا، وإنما إلى استقرار الإمدادات العالمية والمساعدة في إبقاء أسعار الطاقة المحلية تحت السيطرة.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الهندية إن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم تشمل ملفات عدة، يأتي النفط الروسي في مقدمها، إلى جانب التجارة والدفاع والتكنولوجيات الحيوية والأدوية والزراعة.

وبحسب المصادر، لم تتلقّ الهند حتى الآن إشارات من المسؤولين الأميركيين تتوافق مع توقعاتها، كما لم تتوصل المفاوضات إلى اتفاق نهائي. وأدى ذلك أيضاً إلى تصاعد النقاش السياسي الداخلي في الهند بشأن خطر فرض الرسوم الأميركية.

وقال أجاي سريفاستان، مؤسس مبادرة أبحاث التجارة العالمية إن موقف الهند مبرر، ووصف إبقاء واشنطن على التهديد بفرض رسوم تصل إلى 100 في المئة، أو عدم التوصل إلى اتفاق أوسع بأنه "محاولة مباشرة وخطرة" للضغط على الهند من أجل توقيع اتفاق تجاري ثنائي بشروط أحادية الجانب. ودعا الهند إلى عدم السماح للتهديدات الأميركية بفرض رسوم بتحديد سياستها في مجال الطاقة، وعدم التسرع في إبرام اتفاق تجاري غير متكافئ.

الموقف الأميركي غير واضح

لا يزال الموقف الأميركي غير واضح بشأن مساعي الهند لطمأنة المسؤولين الأميركيين بأنها لن تشتري النفط الروسي بسبب المخاوف من الرسوم، أو بشأن طلبات الحصول على إذن لشراء النفط الروسي في بعض الحالات، لكن الولايات المتحدة أخذت علماً بتحذير الهند من أن القانون المتعلق بفرض عقوبات على روسيا وإيران قد يؤثر سلباً على العلاقات بين واشنطن ونيودلهي.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن إدارة ترمب تعمل مع الهند للتوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي، لكنه أوضح أن الاتفاق ليس وشيكاً. أضاف أنه أجرى "محادثة بناءة للغاية" مع وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال على هامش اجتماع وزراء التجارة في مجموعة الـ20 بمدينة ميلووكي، وأن المسؤولين في البلدين يواصلون محادثاتهم. وتابع غرير "لا أعتقد أن هناك شيئاً وشيكاً، لكننا حددنا بالفعل كل الملفات التي لا تزال تمثل نقاط خلاف، ونعمل بجد من أجل حلها".

ويرى المحللون الهنود أن الموقف الأميركي في هذا الملف لا يزال غامضاً، من دون أن يكون رافضاً بشكل صريح. ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن لا تبدو مستعدة لقبول مطالب الهند بسهولة. فبعد أشهر من المفاوضات على أعلى المستويات، لم يتوصل البلدان حتى الآن إلى اتفاق نهائي، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة حالياً لتقديم تنازلات واسعة أو منح استثناءات كبيرة.

وقال السفير الهندي السابق أنيل تريغونات إن واشنطن تتبنى نهجاً يقوم على إبقاء موقفها مفتوحاً، فلا تكشف أوراقها بالكامل ولا تقدم على خطوة حاسمة في أي اتجاه، وأوضح أن هذا الأسلوب ليس جديداً في المفاوضات الأميركية، إذ تستخدم واشنطن، بحسب قوله، مساحة الغموض للضغط على الطرف الآخر وتعزيز موقعها التفاوضي.

المزيد من تحلیل