Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد سيطرة الجيش الإثيوبي... السيناريوهات المحتملة لجبهة تيغراي

خيارات عدة تراوح ما بين الاستناد إلى دعم خارجي وشن حرب عصابات طويلة ضد قوات أديس أبابا

قافلة تابعة للصليب الأحمر الدولي تنقل مدنيين من ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي، في 28 سبتمبر الماضي (اللجنة الدولية للصليب الأحمر/ رويترز)

ملخص

أمام التقدم الذي يحرزه الجيش الفيدرالي الإثيوبي نحو عاصمة إقليم تيغراي، ميكيلي، مدعوماً بالميليشيات التيغراوية المنشقة عن قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً، ما خيارات "الجبهة"؟ وهل تستطيع إعادة تنظيم صفوفها لمواجهة أطول؟

 

كشفت التطورات الميدانية الأخيرة في حرب إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا عن تراجع قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، أمام ضربات الجيش الفيدرالي وحلفائه من قوات "سلام تيغراي"، وهي ميليشيات منشقة من قوات الجبهة. ويأتي التوغل العسكري المسنود بالطائرات المسيرة لينهي سيطرة الجبهة على الإقليم الشمالي.

وعلى رغم خطاب رئيس "الجبهة" ديبريتسيون جبري ميكائيل، الذي استبق التطورات الأخيرة، وخاطب التيغراويين أول من أمس الخميس، متحدثاً عن تنفيذ قواته انسحابات سماها "خططاً تكتيكية تفرضها متطلبات المواجهة، بما في ذلك الحفاظ على المقدرات البشرية لقوات دفاع تيغراي"، فإن المراقبين لشؤون منطقة القرن الأفريقي، يرون أن المشهد العسكري الأخير كشف اختلالاً في تقدير الحسابات العسكرية، لا سيما في ما يتعلق بالمقدرات العسكرية، والإمكانات التكنولوجية التي أضحى يتوفر عليها الجيش النظامي، قياساً بوضعه في حرب 2020-2022، بخاصة في ما يتعلق بتقنية الطائرات المسيرة، والرادارات المزودة بالأقمار الاصطناعية، في ظل توظيفه للتوترات القائمة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لبناء تحالفات إقليمية ودولية تعينه على بناء تطوير قدراته الدفاعية".

وأمام التقدم الذي يحرزه الجيش الفيدرالي نحو عاصمة الإقليم ميكيلي، مدعوماً بالميليشيات التيغراوية المنشقة عن قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً، ما خيارات "الجبهة"؟ وهل تستطيع إعادة تنظيم صفوفها لمواجهة أطول؟
وفي معرض إجابته عن هذا السؤال يرى السياسي الإثيوبي جوهر محمد أن "قوات جبهة تحرير شعب تيغراي، وخلال 10 أيام من الاشتباكات، تبين أنها تواجه جيشاً يملك تفوقاً كبيراً في القدرات، ربما أكثر مما تتوقعه، مما دفعها إلى تنفيذ انسحابات للحفاظ على ما تبقى من مواردها البشرية والعسكرية، في حين توغلت القوات الفيدرالية وحلفاؤها في عمق إقليم تيغراي واتجهت نحو العاصمة ميكيلي".

ويتابع "على رغم تكبد الجبهة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فإن قواتها لم تشهد كابوس الانهيار التنظيمي، إذ يبدو أنها انسحبت مع بقاء هيكلها القيادي سليماً إلى حد كبير. وهذا يوحي بأنها ربما خلصت إلى أن مواجهة الجيش الفيدرالي في حرب تقليدية كانت خطأً استراتيجياً في ظل موازين القوة القائمة، ومن ثم قررت تغيير مسارها".
وفي قراءته للخيارات المتاحة لقوات الجبهة خلال الفترة القادمة يرى جوهر أن "ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة، الأول أن تسلك مسار الانسحاب شبه الكلي من معظم المدن في تيغراي، وهذا السيناريو يفترض أن تلجأ إلى الملاذ الإريتري للحفاظ على قدراتها، وتحاول شن حملة مشتركة مع الحليف الإريتري، إلا أن عدم وجود مؤشرات واضحة لاحتمال انخراط الجيش الإريتري في الحرب الحالية يجعل هذا الاحتمال ضعيفاً". وأضاف، "السيناريو الثاني يتعلق بخيار تمرد طويل الأمد داخل الصحارى التيغراوية واعتماد حرب العصابات، كما درجت الجبهة على ذلك خلال سنوات النضال، وكذلك خلال حرب 2020-2022، وهو احتمال وارد، على رغم أنه قد لا يحظى بذات التأييد الشعبي الذي حصل عليه في الحرب الأخيرة، نظراً إلى حال الانقسام السياسي التي شهدها المشهد التيغراوي خلال السنوات الأربعة الماضية، بخاصة بعد انشقاق قيادات تاريخية للجبهة وانضمامها للحكومة المركزية في أديس أبابا". وتابع "أما السيناريو الثالث فهو أن تسلك الجبهة ذات نهج التمرد الطويل مع ضمان قواعد وإمدادات خارجية، بخاصة في ظل التدهور الحاد في العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة من جهة، وأديس أبابا والخرطوم من جهة أخرى، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً كما يقول السياسي الإثيوبي، على رغم نفي إريتريا للاتهامات المتعلقة بدعمها لتحالف المتمردين".
ويرى جوهر أن "تجارب الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي أثبتت بالفعل أن فقدان السيطرة على ميكيلي وعلى الإقليم بالطرق التقليدية لا يعني بالضرورة تدمير تنظيمها العسكري، فبعدما استولت القوات الفيدرالية على ميكيلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، انسحبت قيادة الجبهة وأعادت تنظيم صفوفها، ثم أعادت بناء مقاومة قادرة على استعادة المدينة. غير أن عديداً من الظروف السياسية والعسكرية التي أتاحت ذلك التعافي قد تغيرت".

الملاذ الخارجي

وفي قراءته للسيناريوهات الثلاثة يرى السياسي الإثيوبي أن "توفر أطراف خارجية مستعدة وقادرة على دعم التمرد، يعد عاملاً حاسماً في حروب كهذه"، مشيراً إلى أن "أسمرة تنظر إلى الحكومة الإثيوبية ليس باعتبارها تهديداً محتملاً لبقاء نظام الرئيس أسياس أفورقي فحسب، بل أيضاً لبقاء الاستقلال الإريتري، ومن ثم قد ترى في دعم التمرد أولوية وطنية، لا سيما أنها تمتلك مخزونات كبيرة من الأسلحة والذخيرة، ويمكنها – نظرياً - تزويد جبهة تيغراي بالتدريب، وتوفير قواعد القيادة، والأسلحة، والدعم اللوجستي". ويستطرد بالقول إن "الرغبة في إضعاف أديس أبابا لا تعني بالضرورة الاستعداد لدعم حركة تمرد، فالدعم السياسي، وتوفير الملاذ الآمن، والتسهيلات اللوجستية، وإمدادات السلاح، والمشاركة المباشرة في الحرب، كلها مستويات متفاوتة للغاية من الانخراط". ويضيف أن "انخراط السودان، يعد احتمالاً وارداً، إذ إن تدهور العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم إلى جانب الاتهامات المتعلقة بدعم إثيوبيا لقوات الدعم السريع، يوفران بيئة إقليمية لا يمكن فيها استبعاد هذا النوع من الإمداد والدعم". ويعتبر أنه "من الواضح أن ثمة فرصاً أكبر للحصول على ملاذات آمنة، وفتح طرق إمدادات خارجية، ولكن في ظل بيئة تعبئة داخلية أضعف بكثير".

النفوذ الإقليمي الأوسع

من جهته يرى المتخصص في الشؤون الإثيوبية بيهون غيداون أن "نزاع تيغراي يرتبط بمنافسات إقليمية أوسع نطاقاً"، موضحاً أن "خطاب رئيس الجبهة دبريتسيون جبري ميكائيل، تضمن إشارات واضحة لهذا العامل، إذ نوه بأن حرب (رئيس الوزراء الإثيوبي) آبي أحمد الحالية تعد جزءاً من خطة الوصول إلى البحر الأحمر، ومع ملاحظة أن هذه الاشتباكات تجري في ظل التنافس الإقليمي الأوسع حول التوترات القائمة في حوض البحر الأحمر بين عديد من الدول والقوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى الملفات المتعلقة بسريان نهر النيل، فضلاً عن التجاذبات القائمة حول الأزمة السودانية. كل ذلك يوفر بيئة إقليمية، ترجح كفة الصراع على المصالح الاستراتيجية، وعدداً أكبر من الأطراف الإقليمية التي لها مصالح تتقاطع مع هذا الصراع، لا سيما من خلال التنافس الأوسع حول السودان والنيل والبحر الأحمر، وملف استقلال صوماليلاند. غير أن المصالح الاستراتيجية لا ينبغي أن تفسر تلقائياً على أنها دعم للتمرد الذي تقوده الجبهة، إذ إن ثمة أطرافاً تسهم في الصراع بدعمها للحكومة الفيدرالية في أديس أبابا انطلاقاً من رؤيتها الخاصة لتحقيق النفوذ الإقليمي، من خلال تمكين إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر، باعتبار أن إعادة تشكيل سياسات البحر الأحمر، أو موازنة نفوذ خصومها، يحقق مصالحها الاستراتيجية".

سؤال قيادة التمرد

في السياق الداخلي يرى غيدوان أن "إحدى القضايا المفصلية في قراءة مآلات النزاع الذي تقوده الجبهة يتعلق بقيادتها العسكرية والسياسية، ومدى قدرتها على الصمود والاستمرار في قيادة تمرد طويل الأمد".
ويوضح أن "كثيراً من التحليلات الغربية تذهب نحو الاعتقاد بأن ثمة أزمة في هرم القيادة بجبهة تيغراي، بخاصة بعد انشقاق أسماء وازنة من قياداتها العليا، ومن ثم تقلل هذه التصورات من قدرة الجبهة على الاستمرار في نضال طويل ومرير كما في التجارب السابقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقدم غيداون رؤية نقدية حول هذه التصورات، مشيراً إلى أن "القيادة الحالية - وعلى رغم تعرض التنظيم لانشقاقات - فإنها تمكنت من الحفاظ على الهيكل القيادي". ويشير المحلل الإثيوبي إلى أن "غالب قيادات الجبهة يرون أنهم ليسوا أمام حرب سياسية، بل في وجه معركة للبقاء، إذ يواجه عدد أكبر منهم اتهامات بارتكاب مخالفات جسيمة، وقد يتعرضون للملاحقة القضائية أو الانتقام السياسي من جانب الحكومة الفيدرالية، إضافة إلى أنهم كونوا خصوماً أقوياء داخل إقليم تيغراي نفسه، بمن فيهم قادة 'ميليشيات سلام تيغراي' المدعومون من الحكومة الفيدرالية بإدارة الإقليم"، مضيفاً بالنسبة إلى القادة الذين يعتقدون أن الهزيمة قد تعني السجن أو الملاحقة القضائية والانتقام، فمن المؤكد أن التمرد يعني أكثر من مجرد استراتيجية سياسية، بل قد يتحول إلى استراتيجية للبقاء. ومن ثم فإن هذا العامل يعزز دوافع القيادة إلى مواصلة القتال حتى في ظل ظروف بالغة الصعوبة".

دولة منهكة

بدوره رأى المحلل السياسي التيغراوي محاري سلمون أن "الدولة الإثيوبية تواجه نزاعات مسلحة متعددة، وضغوطاً اقتصادية، والتزامات أمنية كبيرة. ومع استمرار حركات التمرد الكبرى في أوروميا وأمهرة، قد تجد الحكومة الفيدرالية صعوبة في تركيز جميع مواردها العسكرية والأمنية في تيغراي. وقد يفسح ذلك المجال أمام التمرد للبقاء، لا سيما في مراحله الأولى". وأوضح أن "الإشارة إلى القتال الحالي باعتباره مواجهة بين الجيش الفيدرالي وقوات تيغراي، يعد توصيفاً غير دقيق"، مؤكداً أن "ثمة ستة كيانات مسلحة إضافة إلى قوات الجبهة، حتى وإن بدا بعضها غير فاعلاً بصورة كافية، إلا أنه ينخرط في لحظة حاسمة، ومن ثم ينبغي إبقاء هذا الاحتمال قائماً".

المشهد الأوسع

ويتابع، "المشهد القائم لا ينبغي أن يختزل في السيطرة على المدن الكبرى في تيغراي فحسب، إذ إن تجارب الجبهة في حرب العصابات، تبرهن قدرتها على تنفيذ خطط هجومية مضادة، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تغير المعدلات العسكرية الراهنة". ويضيف أن توجيه جميع قدرات الجيش النظامي نحو جبهة واحدة، قد يحقق أهدافاً عسكرية مهمة كتحرير المدن، إلا أن السيطرة على الأراضي وإدارتها على المدى الطويل، مع احتواء حركات التمرد في الأقاليم الأخرى، وتأمين طرق الإمداد، والحفاظ على المعلومات الاستخباراتية المحلية، ستمثل تحدياً كبيراً لإدارة آبي أحمد على المدى البعيد".

وشرح سلمون أن "تضاريس إقليم تيغراي الجبلية الوعرة مواتية لنشاطات الجماعات المسلحة، أكثر من الجيوش النظامية". وأضاف، "صحيح أن الجيش النظامي دخل النزاع بقدرات أكبر بكثير في مجال الطائرات المسيرة والمراقبة والضربات الدقيقة، مما يجعل التشكيلات الكبيرة والقواعد الثابتة وخطوط الإمداد المكشوفة أكثر عرضة للخطر، إلا أن القوى المتمردة غالباً ما تعتمد على عامل الوقت والصمود لتحقيق أهدافها، بخاصة أن منتسبيها يقاتلون في الغالب مسكونين بهموم قومية وعقائدية، في حين أن غالب مجندي الجيش ينضمون إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها وظيفة عملية".

ويختم سلمون بالقول إن "ما يجعل هذه الحرب مغايرة عن حرب تيغراي 2020، هو كونها تجري بالتنسيق مع جماعات كبيرة لها تأثير وامتداد كبيرين في الأقاليم الأخرى في البلاد، إلى جانب تقلص شعبية رئيس الوزراء آبي أحمد لأسباب اقتصادية واجتماعية، تزامناً مع تدهور علاقاته مع دول الجوار، ومن ثم فإن لهذه العوامل تأثيراً مباشراً على مآلات الحرب المحتملة".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات