ملخص
تشير التقديرات الصادرة نهاية عام 2025 عن وزارة العدل في حكومة الدبيبة، إلى وجود أكثر من 18 ألف سجين داخل 31 سجناً رسمياً في ليبيا، وسط جهود لمراجعة أوضاعهم، وتتزامن هذه الأرقام مع تقارير حقوقية توثق تواصل ظاهرة السجون غير الرسمية خارج نطاق سيطرة الدولة، وفق منظمة "هيومن رايتس ووتش".
أثارت واقعة الإفراج عن الناشط المدني في مصراتة (شرق طرابلس) المهدي عبدالعاطي، على أثر ضغوط حقوقية ليبية ودولية، بعد تغييبه من قبل قوة أمنية على خلفية نقده لسياسة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، سؤالاً ملحاً حول مسلسل اختطاف الناشطين المدنيين وتغييب الصحافيين، بينما يستمر سجن الصحافي الليبي الصالحين الزروالي في سجن الشرطة العسكرية الكويفية بمدينة بنغازي (شرق) الواقعة تحت سيطرة قوات المشير خليفة حفتر منذ منتصف مايو (أيار) عام 2024.
تخويف وترهيب
احتجز الزروالي وهو بصدد قيادة سيارته في مدينة أجدابيا (شرق البلد) أمام عيني ابنه ذي التسع سنوات الذي ترك في الشارع بعد اعتداء قوة أمنية على والده بالضرب واقتياده إلى مقر الجهاز الأمني في مدينة أجدابيا ثم إلى مدينة بنغازي، لتوجه له النيابة العسكرية بمكتب المدعي العام العسكري في القيادة العامة للجيش الليبي تهماً تتعلق بكتابة منشورات على صفحته بموقع "فيسبوك" ضد الجيش، والترويج للجماعات الإرهابية، وفق معلومات صادرة عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا.
وأعربت المؤسسة عن رفضها استخدام المحاكم العسكرية في قضايا الرأي والتعبير والنشر لملاحقة من" تعتقد السلطة الموجودة في المنطقة الشرقية بأنهم معارضوها"، مطالبة السلطات الليبية باحترام حرية الرأي والتعبير، ومؤكدة أن ما يحصل في البلد المنقسم على نفسه مخالف للإعلان الدستوري والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الصحافة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشهد عام 2014 اغتيال ثلاث ناشطات حقوقيات في بنغازي، وهن سلوى بوقعيقيص وفريحة برقاوي وسلوى يونس الهنيد، ويعتبرن جزءاً من نسيج الحقوقيات الليبيات المدافعات عن حقوق الإنسان في ليبيا، لتلتحق بهن في الـ24 من فبراير (شباط) عام 2015 المدافعة عن حقوق الإنسان انتصار الحصائري التي عثرت قوات الأمن على جثتها وجثة عمتها داخل صندوق سيارتها في العاصمة الليبية طرابلس.
وتشير التقديرات الصادرة نهاية عام 2025 عن وزارة العدل في حكومة الدبيبة، إلى وجود أكثر من 18 ألف سجين داخل 31 سجناً رسمياً في ليبيا، وسط جهود لمراجعة أوضاعهم، وتتزامن هذه الأرقام مع تقارير حقوقية توثق تواصل ظاهرة السجون غير الرسمية خارج نطاق سيطرة الدولة، وفق منظمة "هيومن رايتس ووتش".
ويقول الحقوقي أكرم النجار إن من الواضح أن سلطات المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية تحاول بث الخوف والرعب لدى الحقوقيين والصحافيين، منوهاً بأن السلطات الليبية لا تمتلك أي سند شرعي لقمع حرية الرأي والتعبير، وواصفاً الأمر بـ"الأسلوب التقليدي".
ويرى النجار أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد بقعة ضوء للدفاع عن المغيبين والمختفين قسراً، مؤكداً أن "الصحافة الحرة هي آخر جندي في هذه المعركة الوعرة لاسترداد ما بقي من الدولة الليبية. والضغط المجتمعي الذي يحصل عند اختطاف الناشطين الحقوقيين والصحافيين في ليبيا أحد أنجع الوسائل للإفراج عنهم".
ويردف أن "هذا الصراع لن يتوقف إلى حين وجود منظومة قانونية حقيقية تخدم المواطنين وليس السلطة"، معتبراً أن المنظومة القانونية الليبية طُوعت لحماية السلطة الحاكمة فقط لأنها لم تقدم أدوات التغيير السلمي للناس.
خلل في السلطة
من جهتها ترى حقوقية ليبية تتحفظ على ذكر اسمها، أن الحديث عن اختطاف الناشطين في ليبيا وتغييبهم لم يعُد توصيفاً لانتهاكات متفرقة فقط، بل بات الأمر نمطاً مستقراً يرتبط بخلل عميق في بنية السلطة وتراجع سيادة القانون، معتبرة أنه حين يُحتجز صحافي أو ناشط من دون سند قضائي أو يُترك رهن الحبس بلا محاكمة لفترات مطولة، كما هي الحال مع الصحافي صالحين الزروالي، فإن البلد يقف أمام مسار يفرغ العدالة من مضمونها وليس فقط أمام خلل إجرائي عابر.
وتقول الحقوقية "قانونياً، ترقى هذه الممارسات إلى احتجاز تعسفي، وقد تلامس في بعض الحالات حدود الإخفاء القسري، لكنها عملياً تؤدي وظيفة أوسع تتمثل في إعادة تشكيل المجال العام عبر الخوف، إذ يُستهدف الفضاء الذي ينتمي إليه وليس فقط الفرد"، مشيرة إلى أنه في "هذا السياق تكشف حادثة اختطاف الناشط المهدي عبدالعاطي والإفراج عنه لاحقاً تحت ضغط حقوقي دولي عن معادلة مختلة في الفضاء القانوني، باعتبار أن الاحتجاز يتم بقرار أمني والإفراج يتم بضغط خارجي، بينما يغيب القضاء كضامن فعلي للحقوق والحريات".
وتؤكد لـ"اندبندنت عربية" أن "خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود الناشطين والصحافيين فقط، فهي تمتد إلى المدنيين الذين باتوا عرضة للاختطاف التعسفي، في ظل سوء استخدام السلطة من قبل بعض الجهات أو توظيف أدوات القوة في تصفية حسابات شخصية أو قبلية أو على خلفيات سياسية. وهذا الاتساع في دوائر الاستهداف يعكس تحول الاختطاف من أداة استثنائية إلى وسيلة متاحة لإدارة النزاعات خارج القانون".
وترى أن الأخطر من كل ذلك هو أن هذا الواقع لا يمكن فصله عن الأزمة الأعمق التي يعيشها القضاء الليبي، فالتجاذبات السياسية المستمرة ومحاولات التأثير في بنية السلطة القضائية، والالتفاف على أحكامها أو خلق أجسام موازية لها، كلها عوامل تضعف قدرة القضاء على أداء دوره كضامن للحقوق، منوهة إلى أن المفارقة تبرز في كيفية إيقاف نزيف اختطاف الناشطين الحقوقيين والصحافيين، بينما الأداة المفترض أن توقفه (القضاء) تتعرض بدورها للضغط والتقويض من قبل أطراف الصراع في ليبيا.
وفي إجابتها عن سؤال مفاده هل توجد منظومة مؤسسية قادرة على فرض القانون لإيقاف نزيف اختطاف الناشطين المدنيين؟ تقول الحقوقية الليبية إن "القضاء على رغم امتلاكه الاختصاص، يواجه هو الآخر تحديات في تنفيذ قراراته، مضيفة أن السلطة التنفيذية، على رغم امتلاكها أدوات القوة، لا تفرض سيطرة موحدة على الجهات والأقاليم التي تمارس الاحتجاز، وبين هذا وذاك تتشكل مساحة خارجة عن القانون يُدار فيها الاختطاف كأداة نفوذ بدلاً من أن يكون استثناء يُعاقب عليه. وبذلك يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة، فلا يُحاسب الفاعل ولا تنصف الضحية. والاكتفاء بالإفراج عن بعض الحالات تحت الضغط، من دون مساءلة، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظاهرة ومنحها شرعية ضمنية".
وتؤكد أن إيقاف هذا النزيف لن يتحقق عبر تدخلات ظرفية كما حصل مع كثير من الحالات التي خرجت تحت ضغوط حقوقية ومدنية، لكن عبر إعادة الاعتبار لركيزتين أساسيتين هما، قضاء مستقل فعلياً وقادر على فرض أحكامه، ومنظومة أمنية خاضعة له لا متجاوزة عليه، ومن دون ذلك سيظل الاختطاف خياراً ممكناً وتغييب الأفراد أداة قائمة، معتبرة أن ترك القضاء من دون دعم في مواجهة الضغوط يجعل الحديث عن الحقوق نظرياً، فوجود قضاء مستقل هو الشرط الأول لوقف أي انتهاك، ومن دونه لا يمكن الحديث عن دولة قانون في ليبيا.
الانتخابات المستحيلة
في المقابل، يقول المستشار القانوني لدى المنظمة الليبية لحقوق الإنسان جابر أبو عجيلة إن جهود البعثة الأممية في ليبيا فشلت في دعم المؤسسات الحقوقية التي تسهر على حماية حقوق الإنسان وتطبيق القوانين وإنهاء حال الإفلات من العقاب، مشيراً إلى تدخل الأطراف الدولية في تعيين القيادات الأمنية من دون خبرة كافية ودراية شافية بأهمية احترام حقوق الإنسان، خصوصاً حرية الرأي، بل إن سفراء الدول المتداخلة في الشأن الليبي، إضافة إلى البعثة الأممية، يتعاملون مع قادة الميليشيات شرقاً وغرباً، على رغم معرفتهم بسجلاتهم الإجرامية التي تنشرها التقارير المحلية والدولية.
ويضيف "حالياً لا مكان إلا لنفوذ السلاح والسلطة، والصحافة دورها أصبح محدوداً في ليبيا بسبب استهداف الصحافيين فقط لما تنشره صفحاتهم أو وسائل الإعلام"، مشدداً على أن المخرج الوحيد لهذه الأزمة هو الذهاب سريعاً نحو انتخابات وطنية، لأن التحول نحو المسار الديمقراطي المدني هو الضامن الوحيد لحرية الإعلام والصحافة وكذلك كل الحقوق، غير أن المشهد الحالي الذي يدار من الخارج لا يريد أن تنتهي كل الجهود إلى ثمرة الأمن والاستقرار، ليبقى المواطن دائراً في حلقة مفرغة.
وفشلت ليبيا في الذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية كان من المقرر إجراؤها نهاية عام 2021، بسبب عوامل أمنية وسياسية حالت دون ذلك، مما جعل نزيف اختطاف وتغييب الناشطين الحقوقيين والصحافيين وانتهاكات أخرى يتعمق في البلد المنقسم على نفسه منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.