Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علماء الاجتماع ما زالوا يختلفون حول تعريف المثقف

الباحث الفرنسي لويس بينتو يتناول التحولات التي أصابت الثقافة والمتعلقات الاجتماعية والتاريخية

حيرة المثقفين بريشة بريجيت رومان (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

"علم اجتماع المثقفين" كتاب للباحث الفرنسي لويس بينتو صدرت ترجمته العربية حديثاً عن دار مؤسسة الفكر العربي، وقد أنجزها نصير مروة. وبينتو باحث أكاديمي في شؤون علم الاجتماع، ومدير سابق لمركز الأبحاث الوطني الفرنسي.

منذ أن نشأت الدولة الحديثة، في الغرب كما في الشرق، أوائل القرن الـ19، كثرت الأسئلة حول أدوار بعض الفاعلين المعنويين وغير الإداريين، في بنيان الدولة، والترويج لقيَم المجتمع، أو للتنديد بما يضادها، برز الحديث عن المثقفين، باعتبارها جماعة تُعنى بالكلام، خطابة، وكتابة، وتدويناً، وإعلاماً، ولكن هذا الالتباس في نشأة هذا المفهوم، أو المصطلح الدال على المثقفين، ظل قائماً إلى يومنا، ومن أجل الكشف عن الغوامض التي أحاطت بهذا المفهوم.

المثقف - المؤلف قديماً

في مسوغات إعداد هذا الكتاب، يتحدث الكاتب عن المسار التاريخي الذي سلكه مفهوم الكائن الذي دُعي في آخره بالمثقف، متبعاً فيه منهج المقارنة لدرس التحولات التي أصابت هذا المفهوم، ومتعلقاتها الاجتماعية والتاريخية، ولما كان المثقف، في إحدى سماته اللازمة، مؤلفاً، أو كاتباً، فقد وجب السؤال عن فكرة المؤلف، وقد اتضح للكاتب، من معاينته المدونة التاريخية الخاصة بالتأليف، أن فكرة المؤلف هي بناء تاريخي، وأنه كان ثمة نساخ، ومحررون، وجامعون للنصوص، ومصنفون، وشراح، حتى القرون الوسطى.

ولم يظهر مفهوم المؤلف في الغرب سوى في مطلع القرن الـ14، مع دانتي، وقد تلازم هذا الاعتراف مع إقرار بملكية المؤلف لنتاجه الفكري، على أن المجتمعات المعنية لم تتوانَ عن وضع القيود الأخلاقية والدينية والسياسية التي ينبغي للمؤلف التزامها. وبناء عليه، صُنف المؤلفون وأعمالهم وفقاً لمعايير معينة، فنُعتوا بالأصيلين، أمثال توما الأكويني، وأفلاطون، وكانط، وغيرهم. وبهذا المعنى، تكون النتاجات الأدبية، على أنواعها (الملحمة، والملهاة، والمأساة، والرواية، والمبحث، والأطروحة، والأمثال، إلخ)، والفلسفية الموجهة لجمهور معين، وليدة ظروف تاريخية معينة، وناشئة من ذوق عام غالب، يكون عرضة للتحول، على توالي الحقب والأزمنة. ومع ذلك، ظل المثقف، السالف وصفه مؤلفاً وكاتباً، خادماً "الكنيسة والدولة"، على حد وصف أنطونيو غرامشي، نقلاً عن كتاب "كاتب السلطان" لخالد زيادة.

خطابات الأدب والمتأدبين

ثم يعقد الكاتب فصلاً أولاً يبين فيه الإطار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي نشأت فيه خطابات الأدب والمتأدبين، قبل أن يتسمى هؤلاء بهذا الاسم، وبعده، فيرى، وفقاً لمنظور ماكس فيبير، أن المثقفين، وإن يكن شاغلهم الأساس "المسائل الروحية"، فإنهم ألزموا أنفسهم اتخاذ مواقف حيال عالمهم الدنيوي. ومن دون أن يعني ذلك أن مواقف هؤلاء حيال السلطة، والعامة، وحيال الجماعات المتنازعة على السلطة، كانت متماثلة أو واقعة في طرف دون آخر.

ذلك أن المثقفين، على ما بينته المدونات التاريخية، كانوا ذوي امتيازات ومناصب، وكانوا ينالون تعويضات، كما في حملات التدين اليهودية، أو يحوزون بعضاً من مغانم السلطة التي يدعمون بقاءها، أو يروجون لها (مثالنا على ذلك الشعراء العرب المتكسبون، من القرن الثامن حتى الـ19)، أما المثقفون في حال الأديان الآسيوية فكانوا من الشرائح ذات الامتيازات، من جهة، ومن جهة ثانية يشاركون في المنافع والنوائل التي يوفرها اقتصاد على النمط الزراعي. ومن المثقفين المتأدبين، في ديار أخرى، مثل الصين القديمة، من بلغوا مرتبة "الوجهاء الحكيمين، ذوي السلطتين، في خدمة الإمبراطور وخدمة مهمة الحفاظ على انتظام العالم" (ص:31).

ومن المثقفين كذلك، من ادعوا التنبؤ، والقوالون، والقادمون من مراتب أكثر تواضعاً، وفي المقابل أدركت المجتمعات الغربية، منذ القرن السادس قبل الميلاد، نماذج من المثقفين الفلاسفة، على أنهم نبلاء وأماجد.

 إعداد المثقفين

وفي موضع آخر، يتحدث الكاتب عن شخص الفيلسوف، باعتباره أحد إبداعات الأقدمين، الذي أدى دوراً مركزياً في تشكيل الوعي المديني بالحضارة اليونانية. ولئن اختلط مفهوم الفيلسوف - وهو أحد تجليات المثقف - مع تصور السفسطائي الماهر في الحجاج، بمسائل المعرفة والعلوم المتداولة، فإن إعداد الفلاسفة كان يجري في مدارس فلسفية، شأن أكاديمية أفلاطون، ورواق زينون، وحديقة إبيقور، ومدرسة أرسطو. على أن الثقافة العالِمة كانت أمراً نادر الوجود، في الغرب، في القرون الوسطى، ما عدا بعض الأديرة حيث كانت تُدرس النصوص القديمة، وبعض الفنون.

وقد استغرق تشكيل المدرسة، ومن ثم الجامعة، حتى القرن الـ10 الميلادي، حين نشأت أولى الجامعات، بعد نشأة المدارس الابتدائية والإعدادية، على منهاج دراسي مضبوط ومنظم، ولكن ظل المثقف على صلة وثيقة بالكنيسة، وإن اتسعت مداركه، وتجاوزت حدود عالمه اللاهوتي، على أن يطرد الافتراق، في وعي المثقف، بين انتمائه الأول وانشغالاته الدنيوية والسياسية والاجتماعية كلما تقدم الزمن.

مصطلح المثقف حديثاً

ولما حل القرن الـ20، بل خواتيم القرن الـ19، أخذ مفهوم المثقف يشيع، دالاً على شخصية تنتمي إلى جماعة حصلت ثقافة مرموقة، وأثبتت مكانتها إبداعاً وتأليفاً، وبات لها رأي معتبر في شؤون مجتمعها، ومدينتها، وزمنها، والبيئة السياسية التي تنتمي إليها، مثالنا إلى ذلك شخصية دريفوس، في فرنسا، ونهوض الحركة الاحتجاجية تأييداً لبراءته من تهم الخيانة لبلده. وعلى أي حال، فقد باتت كفايات المثقف الغربي، السالف وصفه، ومؤهلاته الذهنية موضع إشادة من المجتمع، علماً أنه نتاج للنظام المدرسي النخبوي الذي ساد في حينه، واستمرار لبنية النظام الاقتصادي والاجتماعي الفكرية والأخلاقية، لذا كان من الطبيعي أن تُنسب إلى فئة المثقفين هؤلاء من الأدوار والوظائف مما يجعلها قبلة أنظار بيئتها وطبقتها الاجتماعية.

وإذ يواصل الباحث لويس بينتون عرضه صور المثقفين المختلفة، في القرن الـ20، يسلط الضوء على مفهوم المثقف من وجهة النظر الاشتراكية، بل الماركسية التي تقول بلزوم أن يدافع المثقفون عن مصالح الطبقة العمالية، أو عن الطبقة الحاكمة، وفقاً لنظرية ليون تروتسكي.

علم الاجتماع والمثقفون

وبعد أن يعرض الباحث لويس بينتو تعريفات المثقفين، تبعاً لانتماءات هؤلاء الحزبية، اليسارية غالباً، يمضي إلى تبيان فضل علم الاجتماع، وسائر النظريات الماركسية (غرامشي)، في دقة تصنيف المثقفين، فعلى سبيل المثال، ينقل الباحث عن غرامشي تعريفه فئتين من المثقفين توفران كلتاهما الحماية والديمومة للطبقة التي تحفظ مصالحهم: ففي حين يحافظ المثقفون الثوريون على مصالح الحزب (الشيوعي، الحريص بدوره على مصالح البروليتاريا العمالية)، يعمل المثقفون البورجوازيون على الإفادة من موارد الدولة ومن المشروعات الرأسمالية المنبثقة منها.

ولكن هذا الترابط المصلحي بين المثقفين وطبقتهم الرأسمالية، لا يعني، بالنسبة إلى غرامشي أنه قائم على أساس مادي فحسب، بل إنه قائم أيضاً على أساس روحي، يتصل بقدرتهم على جعل صورة المجتمع مقبولة من سائر الفئات الاجتماعية. وعلى هذا يمكن أن يكون المثقف البورجوازي "مقاولاً" رأسمالياً، أو عالماً في الاقتصاد والسياسة، أو منظماً لثقافة جديدة أو لقانون جديد. غير أن تصنيفه المثقفين على هذا النحو العام، والثنائي (مثقف عضوي، ملتزم الدفاع عن طبقة العمال/ مثقف تقليدي، ملتزم بناء على تقاليد حزبية بائدة)، من شأنه أن يعوق العمل التجريبي الذي يوجبه علم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع التاريخي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يشكل رداً على التصنيفات التبسيطية للمثقفين، رأى بعض الباحثين (بورنهام، وغولدنر، وسوريل، وغيرهم) أن المثقفين، في بعض البلدان الاشتراكية شكلوا طبقة حاكمة، نظراً إلى كونهم يملكون وسائل التأثير والسلطة في مقدرات الدولة حيثما كانوا، في حين يعمد آخرون إلى الحفاظ على قيم طبقتهم الفكرية والمثالية، وبناء عليه، انقسم المثقفون بدورهم قسمين: مثقفون يخدمون الغاية، وآخرون يخدمون الفن أو المهنة.

استقلال الأدب والفنون

وفي تقصيه فئات المثقفين المتعددة والمتنوعة، والفاعلة في مجالي الفنون والأدب، واجه علم اجتماع المثقفين صعوبات في إعادة تصنيف الفاعلين فيهما، ذلك أن طبيعة المنتج الفني أو الأدبي، غير المادية، بل النامية إلى عالم فكري، وتشكيلي، ولغوي، تكاد تبطل معيار انتماء صاحب المنتج إلى طبقة، أو فئة معينة من فئات المجتمع المعني، وقد أدرك الفيلسوف المجري جورج لوكاش (1885-1971)، الباحث في الرواية، والملحمة، الأخطار في "المقاربة (الماركسية) الميكانيكية، وأراد إنصاف المؤلفين وإظهار فرادتهم" (ص:104). ومع ذلك لم يقدر على الإفلات من "وزر الرؤية المعيارية: فتجارب البؤس والشقاء والأسى والشكوك والريب، كما تجارب الأمل الجماعية، تتجمع وتتكثف وتتركز في ذوات المبدعين الكبار، فيقدمون إلى الأفهام ما لا يستطيع التحليل التاريخي البارد أن يدركه بمثل هذا القدر من العمق" (ص:105).

ومن هذا الإقرار بمحدودية المعايير الماركسية في قياس النتاج الفني والأدبي، توالت الاتجاهات المختصة بدرس الأثر الفني، مثل صاحب نظرية الرؤية التعبيرية، آرنولد هاوسر، والباحث عن "الإله المستور"، لوسيان غولدمان، والرائد في مجال الحقل الثقافي بيار بورديو، ومقاربته المتعمقة والمركزة على ذاتية المبدع، على ما بينها في دراسته أعمال جان راسين، ورولان بارت المستعين بالبنيوية والسيميائية لدراسة الأدب السردي، وغيرهم.

المثقفون وأدوارهم

ولئن تفاوتت أدوار المثقفين في مجتمعاتهم، عبر الزمن، منذ نشأة الفلسفة إلى يومنا هذا، وأدوا وظائف تعبيرية عن جماعات وطبقات بعينها، وأخرى وظائف معرفية تطلبت منهم قول الحقيقة العيانية والواقع العياني، ووظائف سياسية اقتضت منهم قول ما ينبغي القيام به وعمله بالنظر إلى ماهية هذه الحقيقة وهذا الواقع، فإنهم لا يزالون ينظرون، بعمق ومنهجية عالِمة، إلى ظواهر العالم الواقعي والفني والأدبي والاجتماعي، لاستثمارها في خدمة المجتمع، على اختلاف الطبقات والنخب المثقفة فيه.

إن للباحث لويس بينتو كثيراً من الأعمال مثل "الذكاء فاعلاً"، و"الفلاسفة بين الاتجاهات المدرسية والطليعة"، و"أبناء عم زرادشت"، و"بيار بورديو ونظرية العالم"، وغيرها.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب