ملخص
أقرت ليبيا عام 2025 موازنة موحدة بقيمة نحو 160.6 مليار دينار (25 مليار دولار)، في محاولة أولى لتوحيد الإنفاق بين الشرق والغرب، إلا أن تنفيذها تعثر بفعل الانقسام السياسي والإداري، أما موازنة عام 2026 المقترحة فتسجل زيادة تقارب 49 مليار دينار (7.6 مليار دولار)، أي نحو 30 في المئة، مما يعكس اتساعاً ملحوظاً في حجم الإنفاق العام.
بعد تعطيل طويل ترك آثاراً مأسوية على الوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي للمواطنين في ليبيا، باتت البلاد على بعد خطوات من اعتماد أول موازنة موحدة منذ عامين، إثر اتفاق ضمني رعته الولايات المتحدة ووافقت عليه غالبية الأطراف السياسية، خصوصاً الحكومتين المتنازعتين على السلطة في بنغازي وطرابلس.
الموازنة الجديدة التي من المتوقع أن يقرها مجلس النواب في غضون أيام قليلة تُعد الأضخم في تاريخ البلاد بحسب مصادر برلمانية كشفت عن أنها تتجاوز 210 مليارات دينار ليبي (32.9 مليار دولار)، ستوزع على حكومتي عبدالحميد الدبيبة وأسامة حماد، بحسب ما جرى تسريبه من بنود الاتفاق.
هذه التسريبات تؤكد أن الاتفاق الذي رسمت تفاصيله واشنطن، لن يقتصر على توحيد الموازنة بل حتى توحيد المؤسسات التنفيذية بدمج الحكومتين في بنغازي وطرابلس في حكومة موحدة مصغرة.
موازنة ضخمة
عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي أكد أن "المجلس يستعد لاعتماد الموازنة خلال جلسة مرتقبة"، موضحاً أن "الصيغة القانونية الأدق هي (اعتماد) الموازنة لا إقرارها، باعتبار أنها قدمت في يناير (كانون الثاني) الماضي ونالت الموافقة، لكنها لم تفعّل رسمياً بعد".
وأشار إلى أن "محافظ المصرف المركزي شدد على ضرورة اعتمادها لتمكين الصرف وفق أطر قانونية، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية في متابعة الإنفاق".
وأقرت ليبيا عام 2025 موازنة موحدة بقيمة نحو 160.6 مليار دينار (25 مليار دولار)، في محاولة أولى لتوحيد الإنفاق بين الشرق والغرب، إلا أن تنفيذها تعثر بفعل الانقسام السياسي والإداري، أما موازنة عام 2026 المقترحة فتسجل زيادة تقارب 49 مليار دينار (7.6 مليار دولار)، أي نحو 30 في المئة، مما يعكس اتساعاً ملحوظاً في حجم الإنفاق العام.
أطراف رافضة
في المقابل، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه لأية تسوية سياسية لا تستند إلى الاتفاق السياسي المعتمد، مؤكداً أنه لن يعترف بأي تمثيل في مفاوضات أو ترتيبات من دون تفويض مسبق منه.
ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع محادثات تجرى في تونس برعاية أميركية لتفعيل اتفاق توحيد الإنفاق الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، من دون إعلان نتائج واضحة حتى الآن، مما يعكس استمرار التباين بين المؤسسات السياسية.
الموقف ذاته تبناه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي غرد على حسابه في موقع "إكس" تعليقاً على الاتفاق المرتقب، قائلاً إن "ليبيا تقف أمام مسارات متباينة تمس جوهر الدولة"، وأكد أن "التمييز بين النوايا والنتائج يمثل معياراً أساساً في تقييم المواقف السياسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وانتقد المنفي مجموعة من الثنائيات التي تحكم المرحلة بحسب وجهة نظره، من بينها "بناء الدولة مقابل الصفقات السياسية، والانتخابات مقابل التمديد، فضلاً عن قضايا سيادة الموارد والشفافية وحماية الاستثمارات والتزام الأطر القانونية".
وتسببت هذه التصريحات بانتقادات واسعة للمنفي من أطراف كثيرة اعتبرتها عرقلة غير مبررة للحل السياسي الوحيد الواقعي والممكن تنفيذه في الظروف الحالية للتخفيف من حدة الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة، إذ رأى المحلل الاقتصادي مختار الجديد أن "طرح المنفي يعكس حالاً من التنافس داخل السلطة أكثر من كونه مشروعاً يعبر عن رؤية وطنية واضحة".
ولفت إلى أن "استمرار هذا النمط من الخطاب، في ظل التحديات التي واجهتها البلاد خلال الأعوام الماضية، يعزز من تراجع الثقة العامة بمختلف الأطراف السياسية".
خطوة مبشرة ولكن
وفي قراءة منه لخطوة توحيد الهيكل الحكومي والموازنة العامة، يقول الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي إن "توحيد الموازنة يمثل خطوة إيجابية، مع الحذر من محدودية أثرها ما لم تدعم بإطار تنفيذي صارم يضمن تحولها إلى أداة للضبط المالي، لا مجرد آلية لتقاسم الموارد".
وأشار إلى أن "جوهر الإشكال لا يكمن في الاتفاق بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه"، لافتاً إلى أن "التجارب السابقة أظهرت أن التسويات القائمة على تقاسم النفوذ قد تهدئ الصراع موقتاً، لكنها تعزز في المقابل منطق الاقتصاد الريعي وتغذي التنافس على موارد الدولة".
وحذر من أن "تتحول الموازنة الموحدة إلى أداة لتوسيع الإنفاق من دون سقف واضح، بدلاً من أن تكون وسيلة لترشيده وضبطه، خصوصاً في ظل غياب آليات رقابة فاعلة".
حل أم مشكلة؟
في السياق، طرح الشحومي تساؤلات حاول من خلالها تقييم تفاصيل الاتفاق، وهل سيحل أزمة البلاد الاقتصادية أو يعمقها بقوله "هل ستفرض الموازنة سقفاً حقيقياً للإنفاق أم تكتفي بإعادة توزيعه؟ وهل ستوحد الحسابات المالية فعلياً أم تضفي شرعية على مصاريف سابقة؟ وهل ستحد من الطلب على النقد الأجنبي أم تزيد الضغوط عليه؟".
وأكد أن غياب إجابات واضحة، إضافة إلى ضعف أدوات الرقابة والمحاسبة، قد يحولان الاتفاق إلى مجرد إعادة تنظيم لتقاسم الفائض، بدلاً من أن يكون مدخلاً لإصلاح السياسة المالية، إذ إن هذا الطرح يعكس مخاوف كبيرة من تكرار سيناريوهات سابقة، تحولت فيها اتفاقات سياسية إلى غطاء لاستمرار الانقسام، بدلاً من معالجته جذرياً.
إشكالات أعمق
من جانبه يتخوف الصحافي الليبي المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد الصريط من أن يؤدي التركيز على توحيد الموازنة، على رغم أهميته، إلى إغفال المشكلة الأعمق المرتبطة بحجم الإنفاق العام نفسه.
وتابع أن "وجود أكثر من موازنة كان يعكس خللاً واضحاً في إدارة المال العام، من حيث ازدواجية الصرف وغياب الرقابة، لكنه ليس السبب الوحيد للأزمة، إذ شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية تضخماً كبيراً في الإنفاق، خصوصاً في بندي المرتبات والدعم، من دون تحسن ملموس في الخدمات أو البنية التحتية".
ورأى الصريط أن "هذا الإنفاق المرتفع استخدم في كثير من الأحيان كأداة لاحتواء الأزمات السياسية والاقتصادية، بدلاً من توجيهه نحو مشاريع تنموية مستدامة، وتبقى الإيرادات المعتمدة بصورة شبه كاملة على النفط عرضة لتقلبات الأسعار والإنتاج، مما يجعلها غير قادرة على مواكبة هذا المستوى من الإنفاق، ويعني ذلك عملياً أن الدولة تنفق أكثر مما تحقق من عائدات، وهو مسار يصعب استمراره".
إصلاح شامل
انطلاقاً من كل ما سبق، بحسب الصريط، تبدو الموازنة الموحدة خطوة ضرورية، لكنها غير كافية ما لم تدعم بإصلاحات أعمق، تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتقليص المصاريف غير الضرورية وإصلاح منظومة الدعم وتعزيز الشفافية والرقابة، ويبرز أيضاً تنويع مصادر الدخل كأحد التحديات الجوهرية، لتقليل الاعتماد المفرط على النفط، وضمان استدامة المالية العامة.
ويختتم بأن "التحدي لا يتعلق بحجم الموازنات بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة المال العام، فإما أن تمثل الموازنة الموحدة نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي يعيد التوازن بين الإيرادات والمصاريف، أو تتحول إلى مجرد إعادة ترتيب للأزمة في صيغة جديدة، مع استمرار الضغوط على الاقتصاد ومعيشة المواطنين".