Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قطع رأس الأخطبوط: هكذا اغتالت أميركا قاسم سليماني

مذكرات بومبيو وماكينزي تكشفان كواليس العملية الحاسمة ليلة رأس السنة

المرشد الإيراني علي خامنئي مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني (أ.ف.ب)

ملخص

كواليس اغتيال قاسم سليماني التي مثلت تحولاَ في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران من الاستهداف المحدود للأطراف إلى قطع رأس الأخطبوط كما يقول وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو في مذكراته، مشيرا إلى أن سليماني كان العقل المدبر لشبكة النفوذ الإقليمي والمسؤول عن تهديد المصالح الأميركية.

بالنسبة إلى مايك بومبيو، فإن الأول من يناير 2020 لم تكن ليلة احتفال برأس السنة، بل ذروة الاستعداد لدق المسمار الأخير في نعش سياسة الاسترضاء التي انتهجتها إدارة أوباما في تعاملها مع إيران لثمانية أعوام، فبعد الانسحاب من الاتفاق النووي "الساذج"، كما يصفه وزير الخارجية الأميركي السابق، وإطلاق حملة "الضغط الأقصى"، أدركت إدارة ترمب الأولى أنه حان الوقت لقطع "رأس الأخطبوط" من دون الاكتفاء بالأطراف، كان الهدف قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الذي أدار لعقود مشروع تصدير الثورة الإيرانية عبر شبكة الوكلاء الممتدة من العراق إلى اليمن.

رسالة تحذيرية

كشف بومبيو في مذكرات بعنوان "لا تتزحزح عن موقفك، القتال من أجل أميركا التي أحب" عن أنه كان يراقب سليماني لأعوام قبل توليه دفة الخارجية، فعندما كان رئيس وكالة الاستخبارات المركزية بعث له برسالة مفادها، "سنحمّلك أنت وإيران المسؤولية عن أي هجمات تستهدف المصالح الأميركية في العراق تنفذها قوات تحت قيادته".

أفصح بومبيو عن تلك الرسالة في مؤتمر أمني في كاليفورنيا في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2017، للإعلان عن تحول كبير في السياسة الأميركية تجاه إيران فكما يقول "كانت الولايات المتحدة قبل إدارة ترمب ترد على هجمات سليماني بقتل عدد محدود من عناصره، ولم يكن ذلك يفرض عليه أي كلفة تُذكر، وربما كان يسخر من هذا الرد الضعيف، أما الآن، فقد أصبح سليماني على علم بأن تلك الحقبة انتهت"، أي أنه لم يعد محصناً من النيران الأميركية.

للدلالة على نفوذ سليماني وتماديه بلا رادع، يستحضر بومبيو لقاءه عام 2017 مع رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، عندما سأله عما إذا كان بوسع العراق التوقف عن استيراد الكهرباء من إيران، في حال قدمت الولايات المتحدة دعماً مالياً، فنظر إليه مباشرة وقال، "بعدما تغادر سيأتي قاسم سليماني لزيارتي، ربما تستطيع أخذ أموالي، لكنه سيسلب مني حياتي".

 

لم يرد سليماني على رسالة بومبيو، لكن الأخير حقق مبتغاه الذي عبر عنه قائلاً، "كنت أريد أن يفهم سليماني أن أميركا لا تخشاه". ويوضح المسؤول السابق في مذكراته المنشورة عام 2023 بأن "سليماني كان رأس الإرهاب الإيراني، ووراء مقتل أكثر من 600 جندي أميركي خلال حرب العراق، وظلت أنشطته أحد الأسباب الرئيسة للفوضى في دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن"، وأضاف، "منذ عام 1998، قاد سليماني فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري، الذي عمل على نشر الثورة خارج حدود إيران، وكان وراء عدد لا يُحصى من التفجيرات والاغتيالات وعمليات زعزعة الاستقرار، وغالباً ما كان عناصره يعملون تحت غطاء دبلوماسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توصية الاغتيال

 بعد عامين على الرسالة، وفي الـ29 من ديسمبر 2019، ذهب بومبيو إلى قصر الرئيس ترمب في مارالاغو بصفته وزيراً للخارجية، ومعه وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة، حيث خاطب الرئيس قائلاً، "لدينا توصية والهدف هو الجنرال قاسم سليماني"، كانت التوصية استجابة لتزايد التهديدات الإيرانية في ذلك العام، التي باتت تقوض سياسة الردع الأميركية، وفق بومبيو، والتي بلغت حد استهداف القنصلية العراقية في البصرة بصواريخ أطلقتها ميليشيات عراقية يقودها سليماني.

عرض بومبيو التوصية على ترمب قائلاً، "سيدي الرئيس، سليماني يسافر من بيروت إلى دمشق ثم بغداد، ونحن نعرف مسار رحلته، وهو يخطط لقتل مزيد من الأميركيين لكن لدينا القدرة على إيقافه، لقد أسقطوا طائرتين أميركيتين مسيرتين، وأطلقوا صواريخ باليستية على السعودية، والآن قتلوا أميركياً، وكل ذلك بتوجيه منه، حان الوقت لإنهاء عهده الدموي فهو هدف عسكري مشروع".

قرر الرئيس ترمب المضي قدماً بالخطة التي شرحها وزير الدفاع مارك إسبر ورئيس الأركان مارك ميلي، وقال بومبيو إنه سيوصل رسالة للإيرانيين بعد الضربة مباشرة لتوضيح أنها "ليست محاولة لإسقاط النظام، لكننا مستعدون للتصعيد إن أرادوا ذلك".

 

مثّل اغتيال سليماني أثناء استقلاله طائرة تجارية من دمشق إلى بغداد تحدياً للأميركيين، إذ يقول بومبيو، "أعددنا خطة للسيطرة على المجال الجوي خلال الدقائق الخمس الحاسمة، والمدنيون وحدهم الذين قد يكونون عرضة للخطر هم ركاب الطائرة التجارية التي تقل سليماني، ولذلك كنا سننتظر حتى ينزل من الطائرة، ويدخل سيارته، ويبتعد قدر الإمكان عنها قبل تنفيذ الضربة داخل نطاق المطار".

قبيل مغادرته قصر مارالاغو، ذكّر بومبيو الرئيس بالتداعيات قائلاً، "سنوجه صاروخاً من مسافة 6 آلاف ميل لضرب مطار دولي، لم نفعل ذلك من قبل"، نظر الرئيس بصمت، وكانت نظرته حاسمة بأنه لا مجال للخطأ.

اختير الثالث من يناير 2020 لاغتيال سليماني، بعدما قام فريق الاستخبارات الأميركية بتتبع تحركاته بدقة وهو يتنقل من ساحة حرب إلى أخرى في الشرق الأوسط، وبعد منتصف الليل بتوقيت بغداد، وصل سليماني إلى مطار بغداد، حيث كان في استقباله أبو مهدي المهندس، مؤسس كتائب حزب الله، والقيادي في الحشد الشعبي.

لم يكن يعرف سليماني أن طائرة أميركية مسيّرة من طراز "أم كيو-9 ريبر" كانت تتابع تحركاته، وعندما غادرت سيارته المطار عبر طريق جانبي، انهمرت صواريخ هيلفاير على مركبته، كما يروي بومبيو، ولم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بأنباء انفجار في مطار بغداد الدولي، وسرعان ما أكدت إيران مقتل سليماني.

يقول وزير الخارجية السابق، "كنا نستعد لاحتمال هجمات انتقامية ضد المنشآت الأميركية حول العالم، كما كانت إسرائيل في حال تأهب، إدراكاً لاحتمال أن تستهدفها إيران، وبالمثل، نسقنا مع شركائنا العرب في الخليج، إذ أبلغناهم مسبقاً من دون الكشف عن تفاصيل خططنا".

لكن إيران التي توعّدت لأعوام الانتقام لمقتل سليماني سارعت إلى إرسال رسالة للجانب الأميركي عبر سويسرا بأن ردها سيقتصر على الهجمات المحدودة التي طاولت قاعدة أميركية في العراق. وقال بومبيو، "خلال ساعات، أطلقت إيران صواريخ باليستية على قاعدة عين الأسد في العراق وأسفر الهجوم عن إصابة عدد من الجنود الأميركيين، بعضهم إصاباته خطرة، لكن لم يُقتل أحد، ومن ثمَّ تلقيت رسالة عبر القناة السويسرية من نظيري الإيراني تفيد بأن هذا هو كامل الرد الإيراني".

 

يوضح بومبيو أن اغتيال سليماني كان رسالة لإيران أنه إذا استمر عدوانها، فإن الثمن سيكون أشد قسوة، وجاء ضمن سياق استراتيجية ترمب تجاه إيران، إذ كان من المنطقي قطع "رأس الأخطبوط" الذي امتدت أذرعه إلى معظم دول الشرق الأوسط، مما يجعل التعامل مع بقية هذه الشبكة أسهل في المراحل اللاحقة.

خيارات الاغتيال

في كتاب آخر بعنوان "نقطة الانصهار: القيادة العليا والحرب في القرن الـ21"، يروي القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية "سينتكوم" فرانك ماكينزي معلومات أكثر تفصيلاً حول اغتيال سليماني، الذي يصفه بـ"الرجل المغرور" الذي ظن أنه "شخص لا يمكن المساس به".

يكشف ماكينزي في مذكراته المنشورة عام 2024 عن أن الولايات المتحدة نظرت في خيارات بديلة لمكان الاستهداف، منها اغتيال سليماني في سوريا لأن تنفيذ الضربة في العراق قد يؤدي إلى تأجيج غضب الميليشيات الشيعية، وربما يتسبب في تداعيات عسكرية وسياسية، إلا أن تلك المخاوف تم تجاوزها لتحقيق الهدف الأساس.

وأوضح الجنرال المتقاعد أن المعلومات الأولية أشارت إلى أن سليماني سيسافر جواً من طهران إلى بغداد الثلاثاء في الـ31 من ديسمبر، وكتب، "غادر سليماني منزله، واستقل طائرة في طهران، لكننا لم نكُن متأكدين مما إذا كانت الطائرة مُستأجرة أو تجارية، وأقلعت الطائرة نحو الساعة 9:45 صباحاً بالتوقيت الشرقي في رحلة مدتها ساعتان إلى بغداد، وكنا مستعدين لوصوله، إذ كانت طائراتنا تحلق في مواقع جيدة".

لكن طائرة سليماني اقتربت من بغداد ولم تهبط، ليتبين لاحقاً أنها كانت متجهة إلى دمشق، في رحلة مدنية، مما يعني أنه من المحتمل أن يكون على متنها "50 شخصاً بريئاً في الأقل"، حينها نصح ماكينزي رئيس هيئة الأركان المشتركة بعدم قصف الطائرة، وكتب، "اتفقنا أنا وهو بسرعة على عدم الدخول في هذه العملية، وتراجعت مقاتلاتنا، وبدأت طائرة سليماني بالهبوط في دمشق... وأعدنا النظر في خياراتنا، وقلت للموظفين والقادة في الساعة 10:48 صباحاً إن تعليمات الرئيس ستظل كما هي، ولكننا سنقوم بالعملية عندما تسنح لنا الفرصة".

سنحت الفرصة من جديد بعد ورود معلومة بأن سليماني سيسافر من دمشق إلى بغداد خلال الـساعات الـ36 المقبلة، ويستذكر ماكينزي تلقيه المعلومة، "كان يوم رأس السنة الجديدة، وكان لدي التزام بحضور مباراة في تامبا (في فلوريدا)، وحضرت معي فرق الأمن والاتصالات، وكانت السماء صافية، وتمنيت أن تكون كذلك في بغداد أيضاً... وقبل نهاية الشوط الأول، تلقيت مكالمة من إسبر، وقضيت معظم الشوط الثاني جالساً متكئاً على قدمي في المرحاض للتحدث مع إسبر وميلي عبر هاتف آمن، بينما كان مساعد الاتصالات الخاص بي يقف خارج الباب، حاملاً نقطة اتصال واي-فاي في الهواء، وأخبرتهما بأن أحدث معلوماتنا الاستخباراتية تشير إلى أن سليماني سيغادر دمشق قريباً، في وقت مبكر من اليوم التالي، وأنه سيتوجه إلى بغداد".

وفي اليوم التالي، ذهب ماكينزي إلى مقر القيادة المركزية، بينما كان التوتر يتصاعد بسبب تأخر رحلة سليماني إلى العراق، وبعد مرور بضع ساعات استقل سليماني الطائرة التجارية في دمشق، وأقلعت الرحلة التي يتم تشغيلها تجارياً بصورة منتظمة من دمشق الساعة 3:30 بعد الظهر بالتوقيت الشرقي.

وكتب الجنرال في مذكراته، "سرعان ما ظهرت الطائرة على أنظمة التتبع، شاهدتها وهي تتجه شرقاً، وبينما كنت أتذكر خيبة أملنا قبل أيام قليلة قمت بمراقبة ارتفاع الطائرة من كثب، ولحُسن الحظ، بدأت الطائرة بالهبوط فوق بغداد، وهبطت الساعة 4:35 مساءً، قبل وقت قصير من منتصف الليل بتوقيت بغداد"، وأضاف "شاهدنا السلالم، وهي تُرفع إلى باب المقصورة الأمامي، وفي الساعة 4:40 مساءً، تأكدنا أن سليماني كان يخرج من الطائرة بنفسه، واتصل بي قائد فرقة العمل المشتركة حينها وقال ’سيدي، الأمور ستحدث الآن بسرعة كبيرة، إذا كانت هناك أي نية لوقف العملية فعلينا أن نتخذ هذا القرار الآن‘، ولكن كنت قد تلقيت الأوامر بالفعل، فقلت له ببساطة ’قم بالضربة حينما تسنح لك الفرصة‘".

استقل سليماني السيارة وغادر المطار متجهاً إلى ما يُعرف بالطريق الإيرلندي، الرابط بين مطار بغداد والمنطقة الخضراء، عند الساعة 4:42 مساءً، كانت التوجهات قد انتقلت إلى فريق العمليات، وفق الكتاب، "زادت سرعة السيارتين، وكانت عيون الجميع حينها ملتصقة بالشاشات الكبيرة، ولم يكُن أحد يتحدث قط، ثم فجأة ظهر وميض كبير من اللون الأبيض عبر الشاشة، وتطايرت قطع من سيارة سليماني في الهواء، وبعد ثانية أو ثانيتين تم ضرب السيارة الأخرى".

المزيد من تقارير