ملخص
يصف مراقبون سياسيون اللقاءات التي عقدتها "حماس" بأنها ساخنة جداً ومحملة بالتوتر، بخاصة أن تلك المفاوضات هي المحاولة الأخيرة لتجنب الانهيار الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، تقول الباحثة السياسية غرام نعيم "المفاوضات الآن في ساعة الصفر، إذ تطالب الخطط الدولية بتسليم شامل للسلاح".
منذ أسابيع تجري حركة "حماس" مفاوضات مكثفة لبلورة رد على خطة نزع سلاحها التي تسلمتها من مجلس السلام، وتسارع الوقت لتقديم ردها قبل انتهاء المهلة التي منحها إياها المندوب السامي لغزة نيكولاي ميلادينوف، لكن الحركة تبحث تنظيم قدراتها العسكرية بدلاً من سحبها، فهل ذلك مقبول لدى إسرائيل والولايات المتحدة؟
مطلع أبريل (نيسان) الجاري، التقى الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف وفداً رفيعاً من "حماس" في العاصمة المصرية القاهرة، وطرح الأخير عليهم خطة "خارطة طريق" شاملة ومرحلية لنزع السلاح، ومنحهم مهلة محددة تنتهي في الـ12 من الشهر ذاته لتقديم الحركة ردها الرسمي والنهائي.
مراحل نزع السلاح
تتضمن خطة خارطة الطريق الحالية بنوداً تفصيلية لنزع سلاح "حماس" والفصائل مقابل الإعمار ووقف الحرب، إذ قدم ميلادينوف مقترحاً يتألف من خمس مراحل تمتد لثمانية أشهر.
المرحلة الأولى ومدتها 15 يوماً، وخلالها على "حماس" تسليم السيطرة الأمنية والإدارية في غزة للجنة الوطنية لإدارة القطاع أما المرحلة الثانية ومدتها 45 يوماً فتبدأ فيها إسرائيل بتفكيك الأسلحة الثقيلة في المناطق التي تسيطر عليها، مع نشر قوة دولية، فيما المرحلة الثالثة ومدتها 60 يوماً تسلم خلالها "حماس" جميع الأسلحة الثقيلة وتدمير الأنفاق، أما الرابعة ومدتها 150 يوماً فتسلم خلالها الحركة جميع الأسلحة الخفيفة، وتبدأ إسرائيل انسحاباً تدريجاً، والمرحلة الخامسة تشمل التحقق الكامل من خلو القطاع من السلاح وبدء إعادة البناء الكبرى.
ربط مجلس السلام نزع السلاح من غزة بتقديم خطوات سياسية وميدانية ملموسة مثل انسحاب الجيش الإسرائيلي التدرجي من القطاع، والاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وتحويل غزة إلى منطقة ازدهار اقتصادي إقليمي.
يقول ميلادينوف "سنبدأ بجمع السلاح الثقيل والصواريخ والمسيرات وتدمير الأنفاق، ثم الانتقال لاحقاً إلى السلاح الخفيف، كذلك فإنه على "حماس" منح مجلس السلام كامل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية في القطاع، وعليها أن تلتزم عدم ممارسة أي دور في الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر"، ويضيف "تعد خطة نزع السلاح المفتاح الوحيد الذي يفتح أبواب الإعمار والانسحاب الإسرائيلي الشامل، ومجلس السلام رصد ميزانيات ضخمة تجاوزت 17 مليار دولار مخصصة فقط للمناطق التي يتم التحقق من نزع سلاحها بالكامل، لكن في حال رفضت الحركة ذلك فإن البديل استمرار الجمود أو عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية".
اجتماعات ساخنة
حتى اللحظة، لم ترفض "حماس" خطة مجلس السلام صراحة لكنها بعد تسلم المقترح الرسمي من ميلادينوف انطلقت في جولة مفاوضات مكثفة واجتمعت قيادات الحركة مع أطراف دولية وإقليمية عدة.
بحسب المعلومات المتوافرة، فإن وفد "حماس" التقى الوسطاء المصريين في ثلاثة اجتماعات، كان الأول بعد تسلم المقترح المكتوب من ميلادينوف، أما الثاني فعقد لمناقشة الضمانات الأمنية وجدول الانسحاب الإسرائيلي، بينما الثالث جرى خلال اليومين الماضيين لوضع اللمسات الأخيرة على الرد قبل تسليمه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ليست هذه اللقاءات الوحيدة التي عقدتها "حماس"، وإنما اجتمعت مع الجانب التركي مرتين، الأولى في أنقرة مع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالين لتقييم الموقف السياسي من مقترح ميلادينوف، واللقاء الثاني جرى في إسطنبول مع وزير الخارجية هاكان فيدان لبحث دور تركيا في اللجنة الوطنية لإدارة غزة كبديل عن الإشراف الإسرائيلي.
وأيضاً بحثت "حماس" خطة نزع السلاح مع الفصائل الفلسطينية في لقاءين موسعين لصياغة وثيقة موقف مشترك ترفض فيها نزع السلاح المجاني وتتمسك بربطه بالدولة الفلسطينية، لضمان ظهور موقف فلسطيني موحد أمام مجلس السلام.
بعد سبعة اجتماعات ساخنة عقدتها "حماس" خلال أقل من 10 أيام، للوصول إلى رد نهائي على خطة خارطة الطريق ولبحث التداعيات السياسية لنزع السلاح، لم تنجح الحركة في الوصول إلى موقف نهائي مما يعكس حساسية الملف وضيق وقت المهلة الممنوحة لها.
مفاوضات ساعة الصفر
يصف مراقبون سياسيون اللقاءات التي عقدتها "حماس" بأنها ساخنة جداً ومحملة بالتوتر، بخاصة أن تلك المفاوضات هي المحاولة الأخيرة لتجنب الانهيار الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، تقول الباحثة السياسية غرام نعيم "المفاوضات الآن في ساعة الصفر، إذ تطالب الخطط الدولية بتسليم شامل للسلاح"، وتضيف "تتعرض ’حماس‘ لضغط المهلة النهائية، فالاجتماعات التي تجريها تحت ضغط زمني خانق يجعل أمامها إما القبول بخارطة طريق لنزع السلاح، وإما تحمل تبعات انهيار الهدنة والعودة للحرب، هذا الجو الإنذاري جعل نقاشات الحركة حادة ومشحونة".
بحسب الباحثة فإن لقاءات "حماس" لم تخل من السخونة، إذ طالبت تركيا الحركة بواقعية سياسية أكبر لتجنب التصعيد، وهو ما قوبل بتحفظ من الجناح العسكري للحركة الذي يرى في السلاح الضمانة الوحيدة لوجودهم، توضح نعيم أن ما زاد من سخونة هذه اللقاءات هو أنها تزامنت مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية الموضعية والتهديدات باجتياح مناطق جديدة، مما جعل وفد "حماس" يشعر بأنه يتفاوض والبندقية على رأسه.
تعديلات
تعد مفاوضات "حماس" أخطر وأسخن جولة خاضتها الحركة منذ بداية الحرب كونها تمس جوهر وجودها كقوة عسكرية، وصحيح أن الحركة أبدت مرونة مشروطة مع رفض النزع الكامل والمفاجئ، إلا أن قيادات الفصيل طرحت رؤية بديلة عن خطة مجلس السلام.
بحسب المعلومات المتوافرة فإن "حماس" اقترحت تعديل الجدول الزمني ليصبح ثلاثة أعوام بدلاً من ثمانية أشهر، وكذلك اقترحت التخزين تحت إشراف الوسطاء بدلاً من التسليم، مع الاحتفاظ بسلاح خفيف للدفاع عن النفس في المرحلة الانتقالية.
الرد المتوقع
يقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" باسم نعيم "أبدينا رفضاً قوياً لربط سلاح الفصائل بملفات الإعمار والمساعدات، خطة ميلادينوف منحازة لإسرائيل، ومع ذلك لا نزال ندرس الرد الرسمي النهائي الذي سيسلم للوسطاء خلال الساعات المقبلة".
من المفترض أن يسلم رد "حماس" قبل نهاية الـ12 من أبريل، وبحسب التوقعات لن يكون نعم أو لا مطلقة، بل هو رد "نعم ولكن"، يقول الباحث منير أبو سيف "ترفض ’حماس‘ مبدأ تسليم السلاح مقابل الغذاء أو البناء، الرد سيتضمن شرطاً بأن أي حديث عن تنظيم السلاح وليس نزعه يجب أن يكون مرتبطاً باعتراف دولي فوري ودائم بالدولة الفلسطينية وجدول زمني لإنهاء الاحتلال في الضفة وغزة معاً".
ويضيف أبو سيف "قد تقترح ’حماس‘ التخزين بدلاً من التسليم، كذلك ستطرح الحركة رؤية لدمج عناصرها العسكرية في قوة أمنية وطنية تابعة للجنة الإدارة الجديدة، بحيث يتحول المقاتلون إلى رجال أمن رسميين بسلاح خفيف، وهو ما قد ترفضه إسرائيل بشدة لأنها تعده تغييراً للملابس فقط".
يؤكد أبو سيف أن الرد قد يشمل بأنه لن تبدأ أي خطوة تتعلق بالأنفاق أو السلاح الثقيل إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل وفتح جميع المعابر من دون قيود، مشيراً إلى أن "حماس" تحاول عبر هذا الرد رمي الكرة في ملعب إسرائيل فهي تظهر مرونة أمام المجتمع الدولي لكنها تضع شروطاً تدرك أن حكومة بنيامين نتنياهو قد لا تقبلها، مما قد يؤدي إلى تمديد المهلة أو الدخول في جولة مفاوضات فنية معقدة.
تنظيم السلاح
تصر "حماس" على استبدال بمصطلح نزع السلاح تنظيم السلاح، وتعتبر خطة ميلادينوف متجاوزة الخطوط الحمراء الوطنية، يقول رئيس وفد المفاوضات خليل الحية "الحركة لن تقبل بمقايضة السلاح بالخبز أو البناء، سلاح الفصائل هو الضمانة الوحيدة لحماية شعبنا، ومن يظن أننا سنسلمه مقابل وعود بالإعمار فهو واهم، الإعمار حق مكتسب وليس منة من أحد".
أما متحدث "حماس" أسامة حمدان فيقول "المقترح يتجاهل جذور الصراع، ويركز فقط على تجريد الضحية من وسيلة دفاعها، لن نقبل بصيغة تجعل من غزة سجناً كبيراً تحت إشراف دولي، شرطنا الأول والأساس هو خروج آخر جندي إسرائيلي من محور فيلادلفيا ومن كل شبر في قطاع غزة، وبعد ذلك يمكن الحديث عن رؤية وطنية لإدارة السلاح في إطار الدولة".
ويبدو أن "حماس" تسعى إلى تنظيم السلاح لتبقي على قوتها تحت مسمى جديد، إذ تطرح رؤية تقوم على دمج سلاحها ضمن منظومة أمنية وطنية فلسطينية بحيث لا يكون سلاحاً فصائلياً بل جزءاً من قوة دفاعية منظمة.
كذلك يقترح وفد "حماس" تجميد تطوير وإنتاج السلاح الثقيل، وربطت ذلك بهدنة تمتد لـ15 عاماً، يقول رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل "مستعدون لإلقاء السلاح أو التحول إلى حزب سياسي فقط إذا أقيمت دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، يصبح السلاح جزءاً من جيش وطني لدولة معترف بها دولياً، وليس مجرد تسليم للسلاح في ظل الاحتلال".
واقترح مشعل فكرة الهدنة الطويلة كفترة انتقالية يتم خلالها تنظيم السلاح، مع وجود ضمانات إقليمية لمراقبة الالتزام بالهدنة من الطرفين، بما يسمح بإعادة الإعمار من دون تجريد الفلسطينيين من قوة الردع فوراً.
خيارات قاسية تنتظر غزة
تجمع دول العالم على الرفض القاطع لصيغة تنظيم السلاح التي تطرحها "حماس"، وتصر على النزع الشامل والكامل، وإلا اللجوء إلى مجموعة من الخيارات التصعيدية التي تم التلويح بها في الأيام الأخيرة، يقول الباحث الاستراتيجي حسن الخطيب "إذا لم تتجاوب ’حماس‘ فإن الخيار العسكري الأكثر ترجيحاً من جانب إسرائيل، إذ سيتم استئناف العمليات الكبرى والعودة إلى الهجمات البرية الواسعة في المناطق التي لم يتم تطهيرها بالكامل، مع التركيز على صيد مخازن السلاح ومنصات الإطلاق المتبقية"، ويضيف "قد تقوم إسرائيل بتوسيع المنطقة الأمنية داخل حدود القطاع لضمان إبعاد خطر السلاح عن بلدات الغلاف بشكل دائم، والعودة لسياسة الاغتيالات المركزة ضد القادة الذين يصرون على التمسك بالسلاح وعرقلة مسار مجلس السلام، مع العودة لنظام حصار أكثر صرامة، والبدء بتنفيذ خطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل فعلياً، وتجاهل ’حماس‘ تماماً كشريك في أي ترتيبات مستقبلية، واعتبارها قوة متمردة خارجة عن القانون الدولي".
في الوقت الحالي تتجهز "حماس" لتسليم ردها في العاصمة القطرية الدوحة، إذ سيقوم وفد قيادة الحركة في الخارج بتسليم الرد المكتوب إلى الوسطاء، وفي الوقت نفسه تتجهز لعقد اجتماع موازٍ في تركيا بحضور ممثلين عن مجلس السلام، وبمجرد استلام الرد في الدوحة سيتم نقله فوراً إلى القاهرة لإطلاع الجانب المصري والوفد الفني لمجلس السلام الموجود هناك، للبدء في تقييم مدى مطابقة الرد لبنود نزع السلاح المطلوبة.
"حماس" تعلم أن ردها يجب أن يتضمن تسليم المنظومة الصاروخية وجميع منصات الإطلاق والصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى، وعليها تفكيك ورش تصنيعها تحت الأرض، وستسحب منها الطائرات المسيرة الانتحارية والاستطلاعية التي أثبتت فاعليتها في اختراق الحدود، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سلاحها البحري ومضادات الدروع وقذائف الهاون وشبكة الأنفاق.
موقف إسرائيل
ترى تل أبيب أن وجود أي قطعة سلاح في غزة يعني بقاء تهديد طوفان أقصى آخر، لذا تضع حكومة نتنياهو هدفاً معلناً وهو تجريد غزة من كل العتاد العسكري، يقول رئيس الوزراء "لن تكون هناك أي عمليات إعادة إعمار في قطاع غزة قبل تجريد حركة ’حماس‘ والفصائل من سلاحها بالكامل، هذا الشرط هو أساس المرحلة الثانية من خطة السلام الحالية"، ويضيف "نزع السلاح سيتحقق إما بالطريقة السهلة عبر المفاوضات وإما بالطريقة الصعبة عبر العمل العسكري، إسرائيل لن تقبل بأي أنصاف حلول في ما يخص السلاح، غزة يجب أن تكون منزوعة السلاح تماماً، وهذا ليس مطلباً للتفاوض بل هو شرط للوجود".
من جهته، يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "لن نعتمد على تقارير ورقية من مجلس السلام، لن يمر إعمار غزة إلا عبر التأكد بأعيننا من تدمير كل ورشة تصنيع ونفق، لذلك نحتاج إلى آلية تحقق ميداني تضمن عدم إعادة تسليح الفصائل تحت غطاء المساعدات الإنسانية، الجيش مستعد لاستكمال المهمة بالقوة إذا لم تؤد الضغوط الدولية لنتائج فورية".
وصرح المتحدث باسم الجيش نداف شوشاني "القوات على الأرض في حال تأهب قصوى، لقد حددنا الـ12 من أبريل موعداً مفصلياً فإما أن يبدأ المسار السياسي لتسليم السلاح، وإما سننتقل للمرحلة التالية من العمليات العسكرية لتفكيك ما تبقى من بنية ’حماس‘".