Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتخابات المجر... تذكير بأن بعض الأمنيات قد تنقلب على أصحابها

حتى لو لم يثمر التدخل الأميركي شيئاً، وحتى لو خسر فيكتور أوربان بعد 16 عاماً في السلطة، فإن النتيجة لن تكون سوى انتقال من مأزق إلى آخر أقل سوءاً بقليل

آخر ما تحتاج إليه المجر أو أوروبا هو أن يطغى الجدل حول التأثير الخارجي على ما بعد الانتخابات، بعدما لوّث الحملة إلى هذا الحد (رويترز)

ملخص

تحولت الانتخابات المجرية إلى ساحة صراع رمزي بين مشروع أوروبي يرفع شعار الديمقراطية والتكامل، ومحور سلطوي يتزعمه أوربان مدعوماً من واشنطن، في وقت يتقدم فيه بيتر ماغيار بوصفه أخطر تحد يواجهه الحكم القائم منذ سنوات. لكن إسقاط أوربان، إن حدث، لن يعني بالضرورة انقلاباً جذرياً في سياسات المجر، بقدر ما سيشكل ضربة سياسية ومعنوية لمعسكر الشعبوية والصلات المتنامية بين بودابست وواشنطن وموسكو.

يتطلب الأمر قدراً خاصاً من الجرأة كي يسافر مسؤول أميركي رفيع إلى المجر قبل أيام فقط من الانتخابات البرلمانية، ثم يستخدم منبراً عاماً لاتهام الآخرين بالتدخل في التصويت. ونظراً إلى أن الولايات المتحدة كانت منشغلة إلى حد كبير بالحرب على إيران، فقد مثل ذلك استثماراً كبيراً لوقت واشنطن ومكانتها، حتى لو وفر لنائب الرئيس جي دي فانس صرفاً مرحباً به للانتباه عن تلك الحرب.

وليس التدخل في العمليات الديمقراطية للآخرين أمراً تنفر منه الولايات المتحدة، على رغم كل ما تبديه من استنكار لاتهامات توجه إلى دول أخرى، وعلى رأسها روسيا، بمحاولة التأثير في انتخاباتها. يكفي التذكير بتحذير الرئيس باراك أوباما المملكة المتحدة من التصويت لمصلحة "بريكست" قبل الاستفتاء، أو بتوزيع فيكتوريا نولاند، المسؤولة آنذاك في وزارة الخارجية الأميركية، قطع الحلوى على المتظاهرين في كييف عام 2013. لكن ظهور فانس في بودابست لا بد أنه واحد من أكثر الأمثلة فجاجة.

كان الهدف من الزيارة التي استمرت يومين تعزيز الدعم لفيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر طوال الأعوام الـ16 الماضية، والقائد المعترف به على نطاق واسع لمعسكر المشاغبين داخل الاتحاد الأوروبي، وهو موقع يلائم الإدارة الأميركية الحالية تماماً. ولم يتحفظ فانس في خطابه. ففي كلمة ألقاها خلال تجمع انتخابي لأوربان، تحدى الحضور قائلاً "هل ستقفون في وجه البيروقراطيين في بروكسل؟ هل ستقفون إلى جانب الحضارة الغربية؟ هل ستدافعون عن الحرية والحقيقة ورب آبائنا؟ إذاً يا أصدقائي، توجهوا إلى صناديق الاقتراع وقفوا إلى جانب فيكتور أوربان!".

أما ما إذا كان التدخل الأميركي قادراً على ترجيح كفة أوربان، فتلك مسألة أخرى. فعلى رغم الاستقبال الحماسي الذي حظي به فانس، لا يمكن استبعاد أن بعض النفور الأوروبي مما ينظر إليه على أنه حرب ترمب الاختيارية ضد إيران قد ينعكس أيضاً على المجريين ذوي الميول الترمبية، كما حدث مع ناخبين في أماكن أخرى. وتبدو هزيمة أوربان وحزبه الحاكم "فيديز" ممكنة، أو في الأقل أكثر احتمالاً مما كانت عليه في أي وقت مضى خلال السنوات التي أحكم فيها أوربان سيطرته الشخصية على السلطة على نحو متزايد.

ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى صعود أول مرشح معارض يبدو مقنعاً حقاً، وهو بيتر ماغيار، الذي كان حزبه "تيسا" متقدماً بـ10 نقاط في استطلاعات الرأي قبل أسبوع من انتخابات الأحد. ويقدم ماغيار نفسه بوصفه نقيض أوربان في معظم الجوانب، ويحمل معه آمال كثير من خصوم أوربان داخل البلاد وخارجها. وهنا قد يكون من المناسب الإشارة إلى أن اتهامات فانس للاتحاد الأوروبي بمحاولة التأثير في الحملة لمصلحة ماغيار، أو بتعبير أدق ضد أوربان، ليست بلا أساس. فبروكسل لم تخف كثيراً موقفها.

 

أما ماغيار، فقد يبدو، ظاهرياً في الأقل، نقيض أوربان. فهو أصغر من رئيس الوزراء بـ15 عاماً، ويتمتع بحضور جيد أمام الكاميرا، كما أنه بارع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويعد بالعودة إلى المعايير الديمقراطية والقانونية الأوروبية بما قد يفضي إلى الإفراج عن أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة، ويعتزم الانضمام إلى منطقة اليورو بحلول عام 2030. كما يريد إبقاء مسافة أكبر مع موسكو، وتقليص اعتماد المجر على الطاقة الروسية. ويأمل مؤيدوه أن ينهي القيود المفروضة على الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام، وأن يوقف التمركز المتزايد لملكية الإعلام في عهده.

ولذلك ينظر إلى فوز ماغيار على أنه لا يعني فقط إنهاء قبضة أوربان الطويلة على السلطة، بل حل طائفة كاملة من المشكلات الأخرى. ولا بد أيضاً من القول إن موقع ماغيار تعززه الصعوبات الاقتصادية الراهنة في المجر، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة، وهي الاعتبارات نفسها التي تضغط على حكومات أخرى تسعى إلى إعادة انتخابها. أما فك خيوط الأسباب التي قد تفضي إلى هزيمة أوربان، فسيتعين أن ينتظر إلى ما بعد ظهور النتائج.

ولا يمكن التسليم مسبقاً بهزيمته. فقد خاضت المعارضة حملة قوية ضد أوربان قبل أربعة أعوام، لكن حزب "فيديز" خرج بغالبية أكبر. وقد يقول الناخبون شيئاً لمؤسسات استطلاع الرأي ثم يصوتون على نحو مختلف. كما أن ماغيار يحمل معه أعباء أكثر مما قد يبدو من الخارج، سواء في حياته الشخصية المضطربة أو في ماضيه كأحد الوجوه الداخلية في حزب "فيديز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى لو فاز، فقد يشعر من يراهنون على اختلافات حادة في السياسات بينه وبين أوربان بخيبة أمل. فهو، وإن كان أقل حدة، يؤيد موقف أوربان الرافض لتقديم مزيد من المساعدة إلى أوكرانيا، والداعي إلى إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن. وليس واضحاً إطلاقاً ما إذا كان سيرفع اعتراض المجر على حزمة المساعدات الأوروبية المقترحة لكييف والبالغة 90 مليار يورو. وهو أيضاً، كما سيكون حال أي زعيم مجري منتخب، يعارض معظم أشكال الهجرة.

ولا ينبغي أيضاً التقليل من مدى إسهام صراحة أوربان في هذه القضايا في توفير غطاء لدول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تكون تفكر بالطريقة نفسها، حتى لو لم تصرح بذلك. فسلوفاكيا، وبدرجة متزايدة التشيك، تقفان في صف المجر. كما كانت بلجيكا صريحة في الدعوة إلى إجراء محادثات مع موسكو، بينما تعارض بولندا بشدة احتمال انضمام أوكرانيا السريع إلى الاتحاد الأوروبي. وأي حكومة جديدة في المجر لن تغير المؤشر السياسي داخل الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير.

وربما أمكن القول إن هزيمة فيكتور أوربان، إذا حدثت يوم الأحد، ستكون رمزية أكثر منها جوهرية. لكن الرمزية مهمة في اقتراع ينظر إليه منذ أشهر على أنه مواجهة بين تماسك الاتحاد الأوروبي وقيمه من جهة، ودولة تنزلق نحو مزيد من السلطوية ولها خط اتصال مباشر مع موسكو، والآن مع واشنطن أيضاً، من جهة أخرى.

ومن أجل الجميع، لا بد من الأمل في أن تفرز الانتخابات نتيجة واضحة في اتجاه أو آخر، بحيث تتراجع إلى المرتبة الثانية، وبفارق بعيد، اتهامات الابتزاز الأوروبي أو الضغوط الأميركية أو الذباب الإلكتروني الروسي، لمصلحة الإرادة الواضحة التي يعبر عنها الناخبون. فآخر ما تحتاج إليه المجر أو أوروبا هو أن تستمر بعد انتهاء الانتخابات السجالات حول التأثير الخارجي التي لطخت الحملة إلى هذا الحد.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل