ملخص
يقول عشرات الأشخاص داخل إيران تمكنوا من الوصول المحدود إلى الإنترنت عبر استخدام شبكات افتراضية خاصة باهظة الكلفة أو عبر الإنترنت الفضائي "ستارلينك" إن استمرار حجب الإنترنت يهدف أساساً إلى السيطرة على الرواية ومنع انتشار الآراء المنتقدة.
فيما يمضي اليوم الثالث من وقف إطلاق النار الموقت بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال الأوضاع العامة داخل البلاد بعيدة عن أي مظهر لعودة الحياة إلى طبيعتها. وتشير تقارير واردة من مدن مختلفة إلى استمرار حالة أمنية مشددة ومقيدة ومشحونة بالتوتر، في تناقض جوهري مع الرواية الرسمية التي تتحدث عن إخضاع العدو.
وبعد مرور ثلاثة أيام على توقف المواجهات لا تزال القيود الواسعة على الإنترنت مستمرة في عموم البلاد، مع انقطاع شبه كامل لوصول المواطنين إلى الشبكة العالمية. ووفقاً لتقارير "نت بلوكس"، فقد دخل هذا الانقطاع يومه الثاني والأربعين. ويؤكد التقرير أن الوصول العام إلى الإنترنت الدولي محجوب، ومحصور في الشبكة الوطنية للمعلومات، في حين تظل بعض الحسابات المحددة، مثل حاملي "الشرائح البيضاء"، قادرة على النشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض مرتبطة بالدفاع عن النظام.
في موازاة ذلك، أفادت تقارير من الداخل الإيراني وصلت إلى موقع "اندبندنت فارسية" بأن الاتصالات الهاتفية مع خارج إيران مقطوعة بالكامل، مما أدى إلى تعطيل تواصل العائلات مع ذويها في الخارج، وتعزيز الشعور بالعزلة وانعدام المعلومات.
وعلى مستوى المدن الكبيرة، لا سيما طهران وتبريز وكرج ومشهد وأصفهان وهمدان والأحواز وبندر عباس، لا تزال الأجواء الأمنية سائدة، مع استمرار نقاط التفتيش وانتشار واسع لقوات الباسيج والدوريات الراجلة والمتحركة. ووفقاً لشهادات محلية، فقد ازداد عدد هذه النقاط في بعض المناطق مقارنة بما كان عليه قبل وقف إطلاق النار، مع تشديد أكبر على حركة تنقل المواطنين.
وتشير التقارير إلى أنه، على رغم مرور 42 يوماً على اندلاع الحرب ومقتل المرشد علي خامنئي، لا تزال تنظم تجمعات ليلية في مناطق مختلفة بمشاركة عناصر الباسيج ومنشدين موالين للحكومة، ترفع خلالها عبر مكبرات الصوت شعارات حادة وتهديدية. ونقل أحد سكان غرب طهران قوله: إنه نسمع كل ليلة أصوات مكبرات الصوت، يهتفون ويصرخون. يبدو الأمر أقرب إلى محاولة لتخويف الناس منه إلى الاحتفال بالنصر.
وبالتوازي مع هذه التجمعات بثت وسائل إعلام رسمية صوراً تظهر استمرار وجود عناصر مسلحة مرتبطة بجماعات شبه عسكرية أجنبية في شوارع طهران ومدن أخرى، من بينهم أفراد من العراق وأفغانستان ينتمون إلى مجموعات مثل "الحشد الشعبي" و"فاطميون"، ويتنقلون بأسلحة في الأماكن العامة.
ويأتي ذلك في وقت تصف فيه وسائل الإعلام الرسمية ومسؤولو النظام الإيراني وقف إطلاق النار بأنه نتيجة "للنصر وتراجع العدو". غير أن استمرار القيود الأمنية والاتصالية الصارمة يثير تساؤلات لدى كثير من المراقبين والمواطنين حول أسباب غياب أي مؤشرات على تخفيف الضغوط أو العودة إلى الوضع الطبيعي.
ويقول عشرات الأشخاص داخل إيران، تمكنوا من الوصول المحدود إلى الإنترنت عبر استخدام شبكات افتراضية خاصة باهظة الكلفة أو عبر الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، إن استمرار حجب الإنترنت يهدف أساساً إلى السيطرة على الرواية ومنع انتشار الآراء المنتقدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب هؤلاء فإن تصاعد السخط الشعبي نتيجة ما يصفونه بعمليات القتل غير المسبوقة خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والخسائر البشرية والتطورات الأخيرة، يجعل من إتاحة الإنترنت خطراً على اتساع رقعة هذا الغضب.
في الوقت نفسه لا يزال الوضع الاقتصادي يوصف بالمتأزم، إذ تشير تقارير ميدانية إلى ركود الأسواق وتراجع حاد في مداخيل كثير من الأعمال، إلى جانب ارتفاع مضاعف في أسعار السلع الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة، من دون أن يحدث وقف إطلاق النار أي تحسن يذكر في الأوضاع المعيشية.
وفي ظل هذه الظروف يتكرر في رسائل المواطنين شعور عميق بانعدام الثقة في الرواية الرسمية. ويقول أحد سكان طهران (35 سنة): إنه إذا كنا قد انتصرنا فعلاً، فلماذا هذا الانتشار الكثيف للقوات المسلحة في الشوارع؟ ولماذا الصراخ عبر مكبرات الصوت كل ليلة؟ هذا يبدو خوفاً أكثر منه نصراً. وأضاف أن أجواء المدينة أصبحت أكثر ثقلاً وتوتراً مقارنة بما كانت عليه قبل وقف إطلاق النار.
ويشير بعض المواطنين مباشرة إلى التطورات العسكرية الأخيرة. ويقول رجل من شيراز (42 سنة): إن الجميع يعرف حجم الضربة التي تلقوها. فقدوا هذا العدد من القادة، ولم يتمكنوا حتى من الرد بصورة جدية. والآن يحاولون تغيير الأجواء عبر الدعاية.
ويظهر هذا التوجه في رسائل مماثلة من مدن أخرى، حيث يرى كثيرون أن وقف إطلاق النار ليس سوى هدنة اضطرارية أكثر منه نتيجة تفوق عسكري.
ويعد استمرار قطع الإنترنت وخطوط الهاتف أحد أبرز مظاهر هذا التناقض. ويقول أحد المستخدمين من تبريز: إنه إذا كان الناس معهم، فلماذا لا يعيدون الإنترنت؟ دعوا صوت الناس الحقيقي يُسمع. وأضاف أن بعض الحسابات المحددة فقط لا تزال نشطة، وتنقل رواية واحدة إلى الخارج.
من جانبه يتساءل طالب (26 سنة) من أصفهان قائلاً: إنه إذا ما كان كل شيء قد انتهى وحققوا النصر، فلماذا لا نستطيع حتى إجراء اتصال بسيط مع الخارج؟ ولماذا نبقى في هذا الوضع؟
وبذلك يبدو أن استمرار هذه القيود يفسر لدى شريحة واسعة من المواطنين لا بوصفه دليلاً على انتهاء الأزمة، بل كمؤشر إلى قلق عميق داخل بنية السلطة من أن يؤدي رفع هذه القيود إلى بروز الصوت الحقيقي للمجتمع، وما قد يستتبعه من تداعيات على استقرار النظام.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"