Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصراع على رئاسة العراق… هل تنهيه جلسة البرلمان؟

على رغم إعلان كتل عدة نيتها المشاركة فإن الشكوك لا تزال تحيط بإمكان تحقق النصاب القانوني

يدخل العراق جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد تجاوز المدد الدستورية بنحو 70 يوماً، وفي ظل استمرار الفراغ الحكومي لأكثر من 4 أشهر (أ ف ب)

 

ملخص

بين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني وزير الخارجية فؤاد حسين، ومرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي، تتجسد معركة سياسية حول رئاسة العراق تتجاوز حدود المنصب، لتلامس صورة النظام السياسي وتوازناته في المرحلة المقبلة.

في لحظة سياسية معقدة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية، يتجه العراق اليوم السبت نحو جلسة حاسمة لانتخاب رئيس الجمهورية، وسط انقسام كردي غير مسبوق، وتباين واضح في مواقف القوى السياسية في بغداد.

وبين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني وزير الخارجية فؤاد حسين ومرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي تتجسد معركة سياسية تتجاوز حدود المنصب لتلامس صورة النظام السياسي وتوازناته في المرحلة المقبلة.

هذه المعركة لا تُقرأ بوصفها تنافساً بين شخصيتين فقط، بل باعتبارها انعكاساً لتحولات عميقة في العلاقة بين أربيل (معقل الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني) والسليمانية (معقل الاتحاد الوطني بزعامة بافل طالباني)، وبين القوى الكردية نفسها، وكذلك في طبيعة التحالفات داخل بغداد، حيث لم يعد العرف السياسي وحده كافياً لحسم الاستحقاقات.

انسداد سياسي يضغط نحو الحسم

يدخل العراق جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد تجاوز المدد الدستورية بنحو 70 يوماً، وفي ظل استمرار الفراغ الحكومي لأكثر من 4 أشهر، مما يضع العملية السياسية أمام اختبار جديد، فالضغوط اليوم لا تأتي فقط من الداخل، بل من تحديات اقتصادية وأمنية متصاعدة، إضافةً إلى بيئة إقليمية مضطربة، مما يجعل من حسم هذا الملف ضرورة أكثر من كونه خياراً سياسياً.

وعلى رغم إعلان كتل عدة نيتها المشاركة في جلسة البرلمان، فإن الشكوك لا تزال تحيط بإمكان تحقق النصاب القانوني، في ظل ربط بعض الأطراف حضورها بالتوصل إلى توافق سياسي شامل، لا سيما بين الحزبين الكرديين الرئيسين.

فؤاد حسين… رهان القوة السياسية والدبلوماسية

يمثل فؤاد حسين خيار الحزب الديمقراطي الكردستاني في هذه المعركة، وهو أحد أبرز الوجوه السياسية الكردية التي تمتلك خبرة طويلة في العمل الحكومي والدولي.

شغل حسين مناصب سيادية مهمة، بينها وزارة الخارجية ووزارة المالية، إلى جانب دوره الطويل كرئيس لديوان رئاسة إقليم كردستان العراق. وتمنحه هذه المسيرة شبكة علاقات دولية واسعة، وقدرة على التحرك في الملفات الإقليمية والدولية، وهي نقطة قوة أساسية في بلد يسعى إلى إعادة تموضعه خارجياً، إضافة إلى أن الحزب الديمقراطي يعتمد على ثقله البرلماني لتعزيز فرص مرشحه، في محاولة لكسر العرف السياسي الذي منح حزب الاتحاد الوطني منصب رئاسة الجمهورية لسنوات.

غير أن هذا الطموح يصطدم بجملة تحديات، أبرزها غياب التوافق الكردي، وتردد بعض القوى السياسية في بغداد في دعم مرشح قد ينظر إليه بوصفه ممثلاً لطرف كردي دون آخر، مما قد ينعكس سلباً على التوازن السياسي.

نزار آميدي… مرشح التوافق والمؤسسة الرئاسية

في المقابل يقدم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي كمرشح يمتلك خبرة طويلة داخل مؤسسة الرئاسة، حيث عمل مستشاراً لثلاثة رؤساء جمهورية، مما منحه فهماً عميقاً لدور هذا المنصب في إدارة التوازنات السياسية.

آميدي، الذي شغل أيضاً منصب وزير البيئة، يتمتع بخبرة في العمل الدولي، وقدرة على بناء التوافقات، وهي سمة أساسية في نظام سياسي قائم على الشراكة، كما أن تمسك حزب الاتحاد الوطني بترشيحه يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على موقعه داخل المعادلة السياسية.

وتؤكد قيادات في الحزب أن حظوظ آميدي مرتفعة، مستندة إلى علاقاته السياسية داخل بغداد، وإلى دعم قوى تفضل خيار التوافق على فرض الأمر الواقع.

الانقسام الكردي… من خلاف تكتيكي إلى صراع نفوذ

الخلاف بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني لم يعد مجرد اختلاف حول اسم المرشح، بل تحول إلى صراع حول آلية اتخاذ القرار داخل البيت الكردي. فـ"الديمقراطي" يدعو إلى اعتماد مبدأ الأغلبية، مستفيداً من تفوقه العددي، بينما يتمسك "الاتحاد الوطني" بالتفاهمات التاريخية التي كرست تقاسم المناصب.

هذا التحول يعكس إعادة تشكيل موازين القوى داخل الإقليم، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الشراكة بين الحزبين، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب السياسي بينهما، وتباين الرؤى في شأن إدارة العلاقة مع بغداد.

بغداد… ساحة الحسم الفعلية

على رغم أن الترشيح يتم داخل البيت الكردي، فإن الحسم النهائي يجري في بغداد، حيث تحتاج عملية انتخاب رئيس الجمهورية إلى توافق واسع بين القوى السياسية، وهنا تلعب الكتل الشيعية والسنية دوراً محورياً في ترجيح كفة أحد المرشحَين.

وتشير المعطيات إلى أن بعض القوى تميل إلى دعم مرشح يحظى بقبول أوسع، فيما تربط قوى أخرى موقفها بملف رئاسة الوزراء، مما يجعل من انتخاب رئيس الجمهورية جزءاً من صفقة سياسية شاملة.

وتعكس بوضوح هذا الترابط، تصريحات زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني التي ربط فيها بين حسم منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، مؤكداً أن أي تقدم في أحد الملفين مرهون بتقدم مماثل في الآخر.

ميزان القوى بين المرشحين

في السياق يرى الباحث السياسي الدكتور علي حسين أن "حظوظ فؤاد حسين ترتبط بقدرة الحزب الديمقراطي على بناء تحالف عابر للمكونات داخل البرلمان، وليس فقط بالثقل الكردي"، مشيراً إلى أن "(الديمقراطي) يحاول فرض معادلة جديدة تقوم على كسر احتكار الاتحاد الوطني لهذا المنصب".

ويضيف حسين أن "فؤاد حسين يمتلك خبرة دولية مهمة، وقد يكون خياراً مفضلاً لدى بعض القوى التي تبحث عن شخصية قادرة على إدارة العلاقات الخارجية، لكن المشكلة تكمن في غياب الإجماع الكردي، وهو عامل حاسم في مثل هذه الاستحقاقات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل يذهب المحلل السياسي محمد الكناني إلى أن "نزار آميدي يملك فرصة حقيقية إذا ما اتجهت القوى السياسية نحو خيار التوافق"، موضحاً أن "خبرته داخل مؤسسة الرئاسة تمنحه أفضلية في فهم تعقيدات النظام السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الأزمات".

ويشير الكناني إلى أن "الاتحاد الوطني لا يزال يمتلك أدوات تأثير داخل بغداد، على رغم تراجع ثقله النسبي، وقد ينجح في تسويق مرشحه كخيار توافقي، بخاصة إذا ما فشلت محاولات فرض مرشح بالغالبية".

جلسة السبت… اختبار الإرادات

مع اقتراب موعد جلسة الانتخاب السبت تتزايد المؤشرات على إمكان انعقادها، في ظل إعلان كتل عدة مشاركتها، بينها قوى شيعية وسنية، إلى جانب بعض القوى الكردية، غير أن الغموض لا يزال يحيط بموقف الحزب الديمقراطي، الذي ربط حضوره بالتوصل إلى توافق سياسي.

وتعكس تحذيرات نائب رئيس البرلمان فرهاد أتروشي من المضي في الجلسة دون توافق، مخاوف من أن يؤدي التصويت إلى تعميق الانقسام، بدلاً من إنهاء حالة الجمود، إضافة إلى أن مواقف شخصيات كردية، مثل آسو فريدون، التي ربطت استمرار ترشيحها بتحقيق توافق، تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الانقسام داخل البيت الكردي.

البعد الدستوري… أزمة تتكرر

في خضم هذا المشهد تبرز إشكالية أعمق تتعلق بعدم الالتزام بالمواعيد الدستورية، وهي قضية أشار إليها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي حذر من أن تجاهل النصوص الدستورية يضع القضاء في مأزق حقيقي.

هذه الإشكالية تعكس خللاً في بنية النظام السياسي، حيث تتحول النصوص الدستورية إلى أدوات تفاوض، بدلاً من كونها قواعد ملزمة، مما يؤدي إلى تكرار الأزمات وتأخير تشكيل الحكومات.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء المعطيات الحالية تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات عدة، أولها التوصل إلى اتفاق كردي يفضي إلى مرشح توافقي، وهو احتمال ضعيف في ظل التباعد الحالي، أما ثانيها فهو المضي في جلسة الانتخاب وحسم المنصب عبر تحالفات داخل البرلمان، وهو خيار قد يمنح الأفضلية لأحد المرشحين، لكنه قد يفاقم الانقسام.

أما السيناريو الثالث، فهو تأجيل الجلسة بانتظار تسوية سياسية أوسع تشمل منصب رئيس الوزراء، وهو ما يتماشى مع طبيعة النظام السياسي في العراق القائم على التوافق، إذ لا تبدو معركة رئاسة الجمهورية مجرد تنافس بين فؤاد حسين ونزار آميدي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي العراقي على إنتاج تسويات جديدة في ظل تغير موازين القوى.

ويبقى مصير المنصب مرهوناً بصفقة سياسية أكبر، تتجاوز حدود الرئاسة إلى صورة الحكومة المقبلة.

 

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات